السفارة الامريكية في بيروت ما زالت على اقصى درجات تأهبها وسط تأكيد رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص في تصريحات امس التزام حكومته بأمن السفارات الاجنبية مع حق اللبنانيين في التظاهر. ووسط انتقاد الحص لمطالبة المتظاهرين طرد السفير الامريكي ديفيد ساترفيلد ذكرت مصادر مطلعة ان الاخير شكل فريق عمل من الاخصائيين افرد لهم جناحاً في السفارة لدراسة ابعاد الانفجار اللبناني الشعبي الاخير رغم محاولاته المتعاقبة اقامة جسور مع الاوساط الشعبية. هذه الدراسة على اساس الأسباب التي دفعت للمظاهرات (في الوقت الذي يجوع اللبنانيون وتكاد الحاجة تقتلهم من دون ان يحركوا ساكناً في وجه الحكومة والحكم باستثناء التصريحات والمواقف اي بعيداً عن النزول الى الشارع) . وترى المصادر الدبلوماسية المحلية ان وراء أكمة الاهتمام السياسي ما وراءها, وان (الفيلم الامريكي الطويل) فيها بدأ منذ ان وصل ساترفيلد الى بيروت في 15 سبتمبر ,1998 وسط انتقادات امريكية مبهمة آنذاك لاداء السفير السابق وفي مهمة مفتوحة تواكب مختلف المراحل المؤدية (حسب الافتراض الامريكي في حينه) ايضاً الى استئناف مفاوضات السلام وبالتالي التوصل تدريجياً الى التسوية. لذا, بدت مهمة ساترفيلد تحضير الاجواء الشعبية والجماهيرية لصالح الخطط الامريكية فتعمد الاختلاط بالجمعيات والنقابات ومختلف الفعاليات وتنقل بين المناطق بسرعة لافتة وبطلة شعبية تحاول التقرب من الناس فتارة يصطاد السمك في بحيرة القرعون وطوراً يمارس رياضة المشي الى الشرق من صيدا وفي احيان اخرى وفي اغلبها كان يتأبط (المن والسلوى) من ادارته ليوزعها على الجمعيات والهيئات كمساعدات انسانية وانمائية. وبدا ساترفيلد متحركاً بنشاط من دون مخاوف امنية على سلامته والطاقم المرافق رغم انه قبل حوالي الاسبوع من وصوله (9 سبتمبر 98) نصحت السفارة الامريكية رعاياها في لبنان بتوخي الحذر بعد تلقيها معلومات عن احتمال تعرض مقرها لهجوم مماثل لما كانت قد تعرضت له في حينه سفارتا الولايات المتحدة في كينيا ونيروبي. وتجاوز البيان الذي تضمن النصيحة الاصول التي تتبعها الخارجية اللبنانية مع البعثات الدبلوماسية لجهة وجوب ابلاغها سلفاً بمضمون أي بيان سيصدر وترافق ذلك مع هالة من الترتيبات الامنية في محيط السفارة من دون تقدير اية ايضاحات مقنعة (اسوار عالية محاطة بأشرطة مكهربة, كاميرات كاشفة, وموكب مصفح بالكامل (لسعادته) ..) . بادر ساترفيلد الى توظيف هذا الطوق الامني لصالح مهمته, فقفز من فوق الاسلاك الشائكة وحاول التقرب من اللبنانيين وظل حريصاً على هذا الخيار رغم صعوبات عديدة واجهته منها مثلاً انه رفض اثناء زيارة قام بها الى الجنوب في 3 ديسمبر 98 التعليق على تعرض احد الصحافيين للضرب من قبل مرافقيه. وعمد الى مزيد من الابهار تدليلاً للاطمئنان فقلص طاقم السفارة ناقلاً تسعة اشخاص منه الى قبرص ومتسائلاً باستغراب مدروس ومتقن:(هل يعقل ان يتعرض الرعايا الامريكيون لأي خطر ونحن نتصرف وكأننا وسط شعبنا؟) . وكان التساؤل سياسياً مبطناً ايضاً, فقال: لماذا تعادي الحكومة اللبنانية السياسة الامريكية (العدوانية) ضد العراق, فيما هي تزرع السلام والطمأنينة في لبنان؟ لكن اللبنانيين كانوا واعين تماماً لسياسة (قوس قزح) المتلونة فحرصوا على التعامل معه على انه سفير لدولة منحازة لاسرائيل وداعمة لاعتداءاتها سابقاً وحاضراً وبمختلف انواع الدعم واشكاله. وتجلى ذلك الحرص في اكثر من موقع ففي 14 مارس الماضي عندما زار ساترفيلد, يرافقه مساعد وزير الخارجية ريتشارد مورفي والسفير السابق روسكو سودارث منطقة البقاع قوبلوا جميعهم هناك بردود فعل شعبية سلبية في وقت رفض فيه اهالي بلدة البقاع استقبالهم. وتكرر المشهد نفسه اثناء الزيارة الى بلدة راثيا في 12 ابريل في العام الماضي. وفي 2 يوليو 1999 احيت السفارة العيد الوطني الامريكي في قاعة (فوروم بيروت) في العاصمة وسط اجراءات امنية (سوبر متشددة) فقام عدد من الشبان والشابات اللبنانيين باقامة تأبين جنائزي لشهداء الاعتداءات الاسرائيلية في منطقة الكرنتينا القريبة من مكان الاحتفال. هزة في محلها لكن ساترفيلد حسب المصادر في الخارجية اللبنانية ظل يعتبر ذلك مجرد اعمال صبيانية وحزبية ضيقة, فاصلاً بينها وبين ان يكون لها اي تعبير او صدى شعبيين. تضيف المصادر انه كلما كان يلتقي اركان الدبلوماسية اللبنانية ينقل اليهم ارتياحه الى الاجواء اللبنانية حول سياسة بلاده مشيراً الى انه (يتفهم تماماً) اي تعبير شعبي عابر غير ذي قيمة نتيجة خبرته في التعاطي مع الامور اللبنانية منذ ان كان مستشاراً سياسياً للسفارة في لبنان قبل عشر سنوات من تعيينه سفيراً فيه (17 يوليو 1997) ومن قبل مديراً لمكتب اسرائيل في وزارة الخارجية الامريكية. لكن تستدرك مصادر: الانتفاضة الشعبية التي عمت لبنان خلال اكثر من اسبوع ضد سياسة واشنطن وما رافقها من تطورات شكلت هزة اسقطت منطق ساترفيلد وذلك للأسباب الرئيسية التالية: * كانت واشنطن تراهن على ان حكم الرئيس اميل لحود سيكون عسكرياً باتجاهين اساسيين تفترض انهما على نقيض بين حالة الجيش والواقع الشعبي اولهما: الصدام مع المقاومة والثاني: كبت حريات التعبير ولجمها في قنوات لا تعكر (القدر الامريكي ـ الاسرائيلي) المرسوم للبنان لكن الذي حصل وما زال كان معاكساً تماماً. وشكل موقف الرئيس اللبناني الخميس الماضي خضة للامريكيين اذا لم يكتف بتجديد تأييد الدولة ودعمها للمقاومة بل اعلان اي عدوان اسرائيلي على المدنيين اللبنانيين يعني الحاقاً لبنانياً بأكبر اذى بالمدنيين الاسرائيليين. * فوجئ ساترفيلد ان المقاومة ليست قاعدة كاتيوشا تخيف اللبنانيين في حال استخدامها في انتقام اسرائيلي اكثر مما تخيف الاسرائيليين بل اكتشف ان الشارع هو المقاومة ومكبر الصوت والشعارات والزغاريد للنصر على اسرائيل وللتنديد بسياسة بلاده هي مقاومة أعمق وافعل بكثير من الكاتيوشا لانها تلامس الحالة الشعبية عامة. وكانت المفاجأة الأعمق اكتشاف ساترفيلد ومن يمثل ان الرهان على حصول انقسامات طائفية حول تحديد العدو للبنان (اسرائيل) , ومدى الالتفاف حول مقاومته اللبنانية قد تلاشى, فساحة المثقفين ضد السياسة الامريكية لم تكن الشارع فحسب ولا حتى الجامعة الامريكية في رأس بيروت نفسها, بل الجامعات الاخرى التي يصنفها المراهنون على ذلك بالجامعات المسيحية (اليسوعية, الكسليك, الحكمة...) . بيروت عادت وتختصر المصادر الدبلوماسية اللبنانية بالقول:(ان مخاوف ساترفيلد الحقيقية نابعة من كون بيروت عادت دون موعد مسبق الى سابق عهدها وأزمنة عزها الوطني والقومي وهتافاتها ولافتاتها التي جددت هديرها خلال اسبوع مضى ومستمر. يقول احد السياسيين المخضرمين مدققاً اكثر في اسبابه تلك المخاوف رابطاً اياها بالعاصمة, فيقول ان بيروت عادت لتنبض (بأزمنة القضية وكامل التراب وكامل الحجارة, أزمنة النكبات والنكسات والهزائم التي تحولها الحناجر انتصارات واغنيات أزمنة عبدالناصر والمارد العربي والثورات والانتفاضات. وفي رأي السياسي المخضرم كما مصادر الخارجية اللبنانية, ان عودة حناجر بيروت الناقمة والمتمردة والمواجهة الى صباها امضى بكثير من اي هجوم امني على سفارة من هنا, او على مصالح امريكية من هناك. وتعلق المصادر اخيراً ان الامريكيين يتحمسون كثيراً لاستئناف أية مفاوضات اذا كانت الحالة الشعبية تسمح بذلك يتساءل المراقبون ان كان ساترفيلد سيفتح مكتوبه وعليه بفرملة جهود السلام. بيروت ـ وليد زهر الدين