هي أصعب ثلاث ساعات في أصعب وأخطر ثمانية أيام في حياة الدكتور صوفي أبو طالب. الزمان: الثانية ظهر يوم السادس من أكتوبر عام 1981 المكان: مدينة نصر حيث المنصة الشهيرة.. الحدث: لحظة اغتيال الرئيس السادات.. عرض عسكري وطلقات رصاص.. ودماء تنهار.. ورئيس الجمهورية يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو غير مصدق لما يحدث له.. د. صوفي انبطح أرضا لا يدري ـ فعلا ـ حقيقة ما يجري هذه الحكاية الأكثر إثارة يتذكرها د. صوفي أبو طالب أستاذ القانون بجامعة القاهرة الآن.. رئيس جمهورية مصر العربية المؤقت قبل 18 عاما. في صباح هذا اليوم كان الجو صحوا.. لكن كانت هناك غيوم سياسية كثيفة تلبد سماء مصر كلها.. بسبب إعتقالات سبتمبر الشهيرة التي زج فيها السادات برموز وعقول مصر في السجون تحت اسم (التحفظ) استيقظ د. صوفي كعادته مبكرا وبعد تناول إفطاره قرأ الصحف التي كانت تحتفل بنصر أكتوبر وبالرئيس السادات صاحب هذا النصر.. وتحولت الصفحات إلى ما يشبه فرحاً كبيراً لكن حاضري هذا الفرح و(المعازيم) وهم الشعب المصري كانوا يتألمون كثيرا لاعتقال صفوة أبنائهم. بعد أن قرأ د. صوفي عدداً من التقارير وأجرى بعض المكالمات التليفونية ارتدى ملابسه وذهب إلى العرض العسكري وأخذ مكانه إلى يمين الرئيس السادات باعتباره رئيسا لمجلس الشعب يفصل بينهما حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية آنذاك. يقول د. صوفي: عايشت عملية اغتيال السادات لحظة بلحظة وكانت مفاجأة كبيرة لي لأنني رجل مدني ولا أعلم ما يجري أمامي وليس في ذهني حكاية الاعتداء على الرئيس.. فقد وجدت عرضاً مثيراً للطيران.. بعضها ترتفع وأخرى تهبط لتطير على ارتفاع منخفض وينطلق منها دخان أحمر وأصفر وضباط يهبطون بالباراشوت.. وفي ثوان خرجت سيارة عسكرية عن طابور العرض.. وظننت أنها جزء من الاستعراض.. وقد قام الرئيس السادات من مكانه وقال (مش معقول.. مش معقول) ثم حدث إطلاق الرصاص بغزارة.. وكان د. عبد القادر حاتم بجواري فشدني إلى الأرض فانبطحت ووجدت الجميع انبطحوا مثلي ود. عبد القادر فعل معي ذلك لأنه رجل عسكري أصلا وفهم بسرعة ما يحد ث. وبعد نحو دقيقة قمت ورفعت رأسي فوجدت الرئيس السادات مضرجا في دمائه وعدداً آخر أصيبوا بعضهم كان في حالة خطيرة وتم فورا نقل الرئيس بالطائرة إلى المستشفى في محاولة لإنقاذه.. ولكنه كان قد مات طبيا قبل نقله وقد حدثت هذه الفاجعة في حوالي الساعة الثانية من بعد ظهر هذا اليوم. ومن الثانية إلى الخامسة من مساء هذا اليوم كانت أصعب وأخطر ساعات في حياة مصر فالبلد تمر بساعات عصيبة لا يعلمها إلا الله ولذلك كان واضحا أمامي وفي ذهني نقطتان أساسيتان. رغم فداحة ما حدث إلا أنه يجب ألا نسمح بتحول الأمر لحرب أهلية خاصة أن تنظيم الجهاد استولى على مديرية أمن أسيوط وأسقط عددا من جنود وضباط المديرية شهداء. لابد أن يشعر المواطن المصري والأجنبي بالطمأنينة وأن الأوضاع في مصر تسير بشكل طبيعي دون حدوث أي هزة. يواصل د. صوفي أبو طالب.. لذلك اجتمعت قيادات الدولة فورا في مجلس الوزراء وكانوا بطبيعة الحال متواجدين في العرض.. وقال لي حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية آنذاك: أنت الآن رئيس الجمهورية المؤقت.. وأنت رجل قانون فافعل ما يمليه عليك ضميرك القانوني واحترام الدستور والمعروف أن الدستور ينص على تولي رئيس مجلس الشعب رئاسة الجمهورية بشكل مؤقت في حالة خلو هذا المنصب حتى يتم اختيار رئيس جمهورية جديد.. وتم لأول مرة تطبيق هذا النص الدستوري في هذا اليوم حسب دستور 1971 والدساتير أيام الرئيس عبد الناصر كانت تنص على أن يتولى هذا المنصب نائب رئيس الجمهورية.. ولذلك كان علي أن أواجه الموقف بثبات وقد أنزل الله علي سكينة لدرجة أنني لم أذرف دمعة واحدة لمدة ثلاثة أيام عقب الحادث رغم حبي الشديد للرئيس السادات. وقد أردت أن تكون كل تصرفاتي وقراراتي خلال رئاستي المؤقتة التي استمرت ثمانية أيام شرعية وبعيدة تماما عن أي شبهة دستورية وقد أخرت إعلان وفاة السادات رسميا حتى الخامسة مساء وبعد إجراء عدد من الترتيبات المهمة أولا حتى أقطع الطريق على أي مغامر يأخذ عدداً من الدبابات والقوات ويستولي على مبنى الإذاعة والتلفزيون ويصدر بياناً باستيلائه على الحكم في البلاد. وكانت الإجراءات العاجلة التي اتخذناها.. أنه حسب الدستور فأنا رئيس الجمهورية المؤقت لذلك لابد أن أخطر رسميا من مجلس الوزراء بحدوث الوفاة والصفة التشريحية من الطبيب. كيف مات ولماذا؟. تم إعلان حالة الطوارئ فإذا لم نعلنها في مثل هذا الوقت فمتى نعلنها. دعوة مجلس الشعب للانعقاد في اليوم التالي مباشرة للترشيح لرئاسة الجمهورية وحتى أسد الباب على أي مغامر اتفقنا على أن يجتمع المكتب السياسي للحزب الوطني لاختيار المرشح للرئاسة حتى أن الرئيس مبارك سألني لماذا هذا الاجتماع فقلت له لا يجب أن نعطي أي فرصة لمغامر قبل إعلان الوفاة. ورشحنا حسني مبارك نائب الرئيس ليكون رئيسا للجمهورية لسببين: كان الرئيس السادات طوال حياته يقارن بين النظام السوفيتي والنظام الأمريكي في انتقال السلطة ويقول (عندكم بعدي حسني فهو وصية منه إذن) . تعاملنا مع مبارك وهو نائب وأدى واجبه كما ينبغي وقلنا هذا الكلام في أسباب الترشيح الذي تم بالإجماع. وقد ثار تساؤل: من يدعو مجلس الشعب للانعقاد؟ يدعوه رئيس الجمهورية.. ومن يرأسه بعد أن أصبحت رئيسا للجمهورية؟ وبالصدفة فإن وكيلي المجلس محمد رشوان ومحمد عبد الحميد رضوان كان السادات اختارهما قبل شهر وزراء في الحكومة الجديدة.. إذن لا يوجد من يرأس ويدير الجلسة.. ورغم أنه يجوز لرئيس الجمهورية المؤقت أن يكون رئيس وزراء لأنه رئيس السلطة التنفيذية ويمكن أيضا أن يظل رئيسا لمجلس الشعب بحكم وظيفته لكني لا أريد شبهة عدم الدستورية لذلك رفضت رئاسة المجلس وقررت إجراء انتخابات في بداية الجلسة لوكيلين جديدين وتم ذلك فعلا ورئس الجلسة واحد منهما وانتهت الجلسة على خير وتم ترشيح الرئيس مبارك. وكان هذا اليوم هو وقفة العيد الكبير. وكان من ضمن الإجراءات التي اتخذناها عقب الوفاة هو ترتيبات الجنازة والمدعوين والمكان الذي سيدفن فيه الرئيس وانتهينا إلى دفنه بجوار النصب التذكاري مؤقتا حتى نبني مسجداً يليق به وينقل الجثمان بعد ذلك إليه. وأمام ما كان يجري في أسيوط وأبعاده التي لم يكن يعرفها إلا الله تقرر أن تكون الجنازة ذات طابع رسمي شعبي في أضيق نطاق ولذلك عدد الذين تم دعوتهم لحضور الجنازة من الرؤساء والزعماء على مستوى العالم كان محدودا.. والبعض يتاجر بهذه الحكاية ويقول انه في وفاة عبد الناصر خرج وراءه أربعة ملايين يودعونه ومع السادات لم يخرج إلا نصف مليون فقط.. وهذا صحيح لأن عبد الناصر مات موتا طبيعيا أما في حالة السادات وما كان يجري في البلد كنا نتخوف من حدوث مكروه لأي شخصية. بعد ذلك أعددنا بياناً بوفاة السادا ت لإذاعته على الأمة وحتى أؤكد معنى استمرارية النظام بلا هزات لم أقم بإذاعة هذا البيان إنما الذي يذيعه هو نائب الرئيس باعتباره مرشحا لرئاسة الجمهورية. وطبقا للدستور فإنه تشكل وزارة جديدة وتحلف اليمين أمامي وقد أبقيت الوزارة كما هي وحلفت اليمين وظلت تمارس اختصاصها.. ولكن ثارت مناقشات بالنسبة للمحافظين.. هل يتركوا مواقعهم ويعين محافظون جدد أم لا وهي مسألة جوازية لذلك أبقيناهم في مواقعهم. ويشرح د. صوفي أبو طالب أن الدستور يعطي الرئيس المؤقت مدة 60 يوما لكني بقيت 8 أيام فقط حيث اختصرنا المدد القانونية اللازمة لفتح باب الترشيح والتصويت إلى الحد الأدنى المقرر في القانون وكان 8 أيام. وقد نظرت لفترة الرئاسة على أنها أمانة في عنقي أحافظ عليها حتى أعطيها لصاحبها ليتصرف فيها كما يريد ولطمأنة الناس ودلالة على استمرار النظام فإنني فوضت الرئيس مبارك باعتباره نائب الرئيس و المرشح للرئاسة في ممارسة كل ما يختص به رئيس الجمهورية من مواقع ومناصب مثل أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة وغيرها. وخلال الأيام الثمانية أصدرت فقط القرارات التي تقتضيها الظروف الملحة من تشكيل الحكومة وترشيح الرئيس والتفويضات لممارسة الاختصاصات رغم أنه لي الحق ـ دستوريا ـ لإصدار أي قرار لكني فضلت أن أترك الأمر لصاحبه فيما بعد. ومرت هذه الأيام العصيبة والإجراءات التي تم اتخاذها في يسر وسهولة دلت على أن الشعب المصري متحضر وكان الاستفتاء على الرئيس مبارك من الأشياء النادرة في تاريخ مصر الذي تأتي نتيجته حقيقية دون أن تتدخل وزارة الداخلية وتضع أرقام من عندها لأن الناس ذهبوا فعلا لتأييد الرئيس. وسألني رئيس البرلمان الفرنسي كيف استطعت في 8 أيام فقط أن تنتهي من كل ذلك فقد واجهت نفس الموقف مرتين في فرنسا وتوليت الرئاسة واستغرق انتخاب رئيس جديد وقتاً طويلاً.. قلت له: أنتم لديكم أحزاب قوية والتنافس بينها يكون شديدا أما عندنا حزب واحد قوي هو الحزب الوطني والأحزاب الأخرى هامشية لكنها تتلاقى مع الوطن على ترشيح مبارك.. كما أنني لم يكن لي طموح في هذا الموضوع لذلك كان يهمني أن تمر الأمور بسرعة وبسلام. ويتذكر أبو طالب أنه كان يدير أمور الدولة من منزله ولم يذهب إلى أحد القصور الرئاسية فهي 8 أيام تمر بالطول والعرض.. فلا داعي للذهاب لأي مكان. ولا يترك الحكاية تنتهي عند هذا الحد بل يذكر رؤيته لخلفيات حادث الاغتيال فيقول: لدي اعتقاد بوجود جهة أجنبية وراء الحادث قد تكون الموساد أو المخابر ات الأمريكية أو حتى الروسية أيا ما كانت هذه الجهة. فالسادات بعد انتهائه من تحقيق السلام لمصر بدأ يتفرغ لفلسطين.. ولهذا فإن إسرائيل أو غيرها لم تكن تريد ذلك ويهمها عدم وجود السادات. كما أن أمريكا تتعامل مع الحكام حسب مصلحتها.. إذا استمر الشخص ينفذ ويحقق مصالحها فهو على العين والرأس وإذا تحول إلى عبء عليهم أو مشاغبتهم يتخلصون منه.. وأنتم تعلمون ماذا كانت علاقة أمريكا بشاه إيران ومع ذلك تخلصوا منه.. فهل كان السادات أكثر قربا لها من الشاه؟ ويستبعد د. صوفي أن تكون الجماعات الإسلامية خططت ونفذت لهذا العمل من نفسها فلو كانوا يريدون قلب نظام الحكم لاستطاعوا القبض على جميع المسئولين بالدولة في المنصة التي كانت بدون حراسة.. أنا تصورت وقت الحادث أنه فردي لكن لما علمت بما يجري في أسيوط تشككت وقلت أن هذا تخطيط كان جاهزا بنسبة مائة في المائة قبل العملية وكانوا فقط ينتظرون حادثاً يقع والذين وراء الاغتيال قاموا بعمل غسيل مخ لمنفذي العملية والجماعات الإسلامية هي الأكثر قبولا من غيرهم للقيام بهذه العملية من وجهة نظر الذين وقفوا وراء الحادث وممكن أن تكون اعتقالات سبتمبر أحد الأسباب أو هي القشة التي قصمت ظهر البعير. ويختم د. صوفي أبو طالب حكايته السياسية قائلا: (ياساتر.. ياساتر.. لم أكن أنام إلا 3 ساعات فقط في اليوم.. إنها أصعب أيام في حياتي) .