من زاوية نظر عربية, فإن اسوأ ما في صعود حزب الحرية الى الائتلاف الحكومي في النمسا, هو ان يجد كثير منا نحن العرب نفسه مضطرا الى التعاطف احيانا مع هذا الحزب العنصري وزعيمه يورج هايدر, والسبب ان هناك كيانا اكثر عنصرية يزايد عليه ويتهمه بالنازية والفاشية وهو الكيان الاسرائيلي الاستيطاني الذي ارتكب كل ما يمكن تصوره من جرائم لم يسبقه اليها حتى نظام هتلر نفسه. ذلك هو الاسوأ, اما الاخطر فهو ان (الازمة النمساوية) قد اكدت بوضوح لا لبس فيه مدى الانقياد والنفاق والانحياز الغربي غير المفهوم احيانا خلف الدعاية الصهيونية, ففي اللحظة التي كانت تل ابيب تواصل اتهام هايدر وحزبه بالتعاطف مع النازية وكراهية الاجانب بمن فيهم اليهود, كانت هي نفسها تواصل اظلام دولة بكاملها وتهجير شعبها, وزرع المستوطنات في فلسطين المحتلة, وكان وزير خارجيتها ديفيد ليفي يهدد علنا باحراق دولة كاملة ذات سيادة وعضو بالامم المتحدة تدعى لبنان. ما سبق هو مقدمة لابد منها قبل محاولة الغوص في شخصية يورج هايدر وحزبه الحرية.. هذا الرجل التي استطاع إلقاء حجر ضخم في البحيرة الاوروبية التي ظن كثيرون ان مياهها اصبحت هادئة ومستقرة وغير قابلة للحراك استنادا الى خبرة اكثر من نصف قرن تحولت فيها هذه القارة الاستعمارية الى مثل يضرب في التوحد خاصة, ونموذج يحتذى في الليبرالية والتعددية واحترام حقوق الانسان التي تجاوز البعض مدلولاتها مشرعا لحقوق الشواذ والحيوانات!! والحديث عن هايدر وشخصيته وحزبه لايستقيم دون الاشارة السريعة الى النمسا كدولة.. فكثير من الاشخاص هم نتاج طبيعي لبيئتهم قد يوثرون في تشكيلها لكنهم يظلون في النهاية انعكاسا لها ولماضيهم. النمسا كما هو معلوم كانت ذات يوم مركز القوة في اوروبا باكملها عبر امبراطورية آل هابسبرج مع المجر, وبهزيمتها في الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918) تداعت مكانتها, وانضمت للنظام النازي الالماني عام 1938 وهو نفس العام الذي خرج فيه كثير من النمساويين لاستقبال هتلر كزعيم اعتبروه بمثابة المنقذ وشاركوه في حملات الابادة التي استهدفت الاقليات الاثنية واليسارية وبالهزيمة الشاملة للنظام النازي والفاشي في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) تم احتلال النمسا من قبل قوات الحلفاء وقسمت الى اربعة مناطق كما حدث في جارتها المانيا ايضا, ولم تحصل على استقلالها كدولة ذات سيادة الا بعد عشر سنوات كاملة من نهاية الحرب وتحديدا في 26 اكتوبر 1955 الذي تحول ليصبح العيد الوطني للبلاد, لكن هذا الاستقلال لم يكن كاملا وبلا شروط حيث اصر الاتحاد السوفييتي على استمرار النمسا كدولة محايدة بين الكتلتين الشرقية والغربية خلال الحرب الباردة, ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990 ونهاية الصراع الايديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية لم يعد هناك ما يمنع من انضمام النمسا للاتحاد الاوروبي وهو ما تحقق بالفعل في اول يناير 1995. وفي أوائل اكتوبر الماضي تمكن حزب الحرية من الحصول على 27.2 من أصوات الناخبين بعدد مقاعد 53 مقعدا محتلا المركز الثالث بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي وخلفه حزب الشعب المحافظ برصيد 52 مقعدا. هذه القنبلة انفجرت فعليا في وجوه الجميع صبيحة يوم 4 فبراير الجاري حينما دخل حزب الحرية مشاركا في الائتلاف الحكومي ومحتلا نصف الحقائب الوزارية مع حزب الشعب الذي فشل هو والحزب الاشتراكي في تكوين تحالف حكومي لتوترات ورواسب سابقة. دخل الحرية الحكومة لكن هايدر ظل خلف الكواليس, والجميع لا يشكون في انه يدير حكومة المستشار فولفانج شوسيل المنتمي لحزب الشعب من وراء الستار, بل ويتوقع الجميع ان يصعد هايدر قريبا لمنصب مستشار النمسا, بعد ان تهدأ حدة الضغوط المحلية والاقليمية والدولية, وهنا فإنهم يربطون بين قضية الزعيم النازي هتلر وهايدر الذي وصفته احدى الصحف البلجيكية بانه فيورو صغير, أي تصغير للقب هتلر الشهير الفوهرر! ويستند هولاء إلى مفارقة حسابية تجمع بين الأصل والتقليد وهي ان كليهما هتلر وهايدر استغرق 14 عاما في رحلة الصعود من الظل إلى دائرة الضوء. الآن من هو هذا البعبع الذي أقام العالم ولم يقعده بعد؟ وهل صحيح اننا بصدد هتلر جديد, أم ان الأمر لا يعدو كونه مجرد زعيم سياسي انتهازي لا يريد سوى بريق السلطة حتى لو كان الثمن هو مبادئه؟ عندما ولد هايدر في 26 مايو 1950 كان هتلر قد غادر الحياة منتحرا بعد هزيمة مشروعه النكراء عام 1945, لكن أفكار هتلر المولود في النمسا كانت قد جذبت والديه, أبوه كان اسكافيا وعضوا بالحزب الاشتراكي القومي (النازي) وخدم بالجيش الالماني خلال الحرب العالمية الثانية, وبعد الهزيمة يقال انه عمل حفاراً للقبور, أما والدته فقد كانت عضوة في (رابطة فتيات ألمانيا النازية). ولد هايدر في باد جويسرن جنوب النمسا, ودرس القانون في جامعة فيينا, وحصل على شهادته عام 1973, وبعد عام فقط من انخراطه في العمل السياسي استطاع ان يصبح عضوا في الهيئة التنفيذية لحزب الحرية عام 1974, وعندما جاء عام 1986 كان قد اصبح زعيم الحزب بلا منافس ومحولا اياه من حزب صغير إلى أكبر منظمة يمينية متطرفة في أوروبا, وبفضل سياسة القبضة الحديدية زاد حجم التأييد للحزب من 9.7% عام 1986 إلى 22.2% في الانتخابات قبل الماضية وأخيرا إلى 27.2% ليصبح القوة السياسية الثانية في البلاد. انصار حزب الحرية والمعجبون بهايدر يقولون انه مهذب للغاية وودود في المجالس الخاصة, ويتبنى حقوق المهمشين والفئات العادية, يعجبون به أيضا لنشاطه الرياضي وعضلاته القوية, حيث يمارس رياضتي الجري وتسلق الجبال, ونظرا الى ان غالبية أعضاء الحزب من صغار السن, وبعضهم متعطل عن العمل, أو لم يتلقوا تعليما كافيا ويحلو لهم ممارسة العنف ضد خصومهم, فمن الطبيعي ان تجذبهم شخصية مثل هايدر الذي يوصف بأنه خطيب مفوه, قادر على اثارة مشاعر مثل هذه الفئات, مقدما لهم تبريرات جاهزة وشبه مقنعة بأن سبب كل مشاكلهم هي العمالة الأجنبية المهاجرة أو ان هيمنة الحزبين الكبيرين الاشتراكي الديمقراطي والمحافظ على الحياة السياسية طوال العقود الخمسة الماضية هي السبب في الفساد والتكلس والبيروقراطية الذي تعاني منها البلاد. منتقدو هايدر خاصة في الخارج يرونه نازيا مستندين الى تصريحاته عام 1991 التي اشاد فيها بسياسات العمل التي طبقها الرايخ الثالث وكذلك بالوحدات النازية الخاصة (اس.اس) حيث وصف افراد هذه الوحدات بأنهم رجال اقوياء العزم اوفياء لمبادئهم دمثو الاخلاق وقال في نفس العام ايضا ان معسكرات الاعتقال النازية كانت اقرب لمعسكرات الانضباط.. هذه التصريحات كلفته منصبه كحاكم لاقليم كارينثيا وحولته الى شخص منبوذ في الحياة السياسية النمساوية, لكنه تمكن من استعادة المنصب في العام الماضي وما زال يشغله حتى الآن, ورغم انه ادان فيما بعد نظام هتلر ووصفه بأنه ديكتاتورية دموية قاسية وقال ان الاجيال الجديدة لا تتحمل وزر الماضي, وانه مل من كثرة تقديم الاعتذارات رغم ذلك فان منتقديه يؤكدون ان شخصيته وتصرفاته وافكاره عنصرية حتى النخاع. ويستشهد هؤلاء بوصفه للكاتب اليهودي النمساوي توماس برنارد عام 1986 بانه (كاتب مدعوم يلوث وطننا الجميل) وانتقاده عام 1998 لاعادة الاعمال الفنية التي كان يملكها اليهود, وفي العام نفسه ساوى بين مصير اليهود على يد هتلر ومصير 3 مليون الماني طردتهم تشيكوسلوفاكيا من منطقة سوديت عام 1945 مؤكدا ان جرائم النازية ليست بالجدية التي يصورونها وان هتلر يستحق الاشادة لنجاحه في محاربة البطالة. واذا كنا بصدد الحديث عن عنصرية هايدر فان كثيرا من العرب يعتقدون انه يوجه هجومه ضد اليهود فقط وتلك هي المشكلة التي تؤدي بنا تلقائيا الى التعاطف معه ومع امثاله طالما انه يتعرض لهجوم اسرائيلي والحقيقة وهنا بيت القصيد انا امثال هايدر يكرهون الجميع وليس اليهود فقط, ومثال ذلك سخريته من المسلمين وتكراره الدائم القول ان اباء بعض التلاميذ المسلمين ـ معظمهم من الاتراك ـ طالبوه برفع صورة (المسيح مصلوبا) من فصول الدراسة مضيفا اننا لم نحارب الاتراك مئات السنين لكي يأتي يوم نصحح فيه بطرق ملتوية المبادىء التي حاربنا من اجلها, وعن الاتراك المسلمين وعددهم 150 ألف يقول هايدر (لن اتبع سياسة تمييزية ضدهم.. لكنهم عاجزون عن الاندماج في مجتمعنا) المعنى المباشر هنا ان من لا يستطيع الاندماج فعليه بالرحيل. ولا تتوقف كراهيته على اليهود والمسلمين فقط بل تشمل المسيحيين احيانا من غير المذهب الذي ينتمي اليه (78% كاثوليك, 5% بروتسانت) فهو اتخذ قرارا باغلاق المدارس المشتركة بين مواطني النمسا وسلوفينيا المجاورة في الاقليم الذي يحكمه ودعا في نوفمبر الماضي الى اجراء فحوصات طبية في المدارس الموجود بها اجانب بعد اصابة تلميذ نمساوي بمرض السل! ولانها دولة صغيرة يسكنها 8 ملايين نسمة يعيشون على مساحة 84 الف كيلومتر مربع, فهي تعتقد انها ستغرق في طوفان المهاجرين لذلك رفع هايدر شعار (نحن لسنا بلدا للهجرة) , ولا يعارض الحرية توسيع الاتحاد الاوروبي فقط, بل انه تحفظ على دخول بلاده للاتحاد نفسه عام ,95 رغم انه حاول فيما بعد ان ينأى بنفسه حينما دعا القوميون المتطرفون في المانيا إلى إلحاق النمسا بالمانيا ولو وصل الامر الى استخدام القوة (99.4% من السكان من اصول المانية ويتحدثون نفس اللغة). والان هو يؤكد عدم معارضته توسع الاتحاد ربما بعد ان دخل في قلب الحدث, ويعتقد ان كل هذه الهجمات ضد حزبه سوف تتلاشى وسوف تعتاد اوروبا علينا, وقال لصحيفة (دي تسايت) الالمانية مستغربا من حدة الهجوم على مشاركة حزبه في الائتلاف, (هناك قدر كبير من الاثارة داخل حظيرة الدجاج الاوروبية, رغم ان الثعلب لم يصل بعد!) والتعبير الاخير يشير الى تلميح هايدر الى ان الثعلب سيصل ان آجلاً او عاجلا.وهو الامر الذي اكده هايدر بنفسه, ويراه معظم المراقبين مسألة وقت ليس الا. اما الصفة التي يجمع منتقدوه عليها فهي الانتهازية, والغريب ان اشد هجوم تعرض له هايدر جاء من شخص يفترض انه حليفه الطبيعي وهو جان ماري لوبان الزعيم الفرنسي المتطرف الذي وصفه بأنه (شخص انتهازي, متعطش للسلطة اكثر من كونه مدافعا عن مبادئه, ليست لديه افكار كثيرة, وحين تكون لديه فهو غير مستعد للدفاع عنها حتى النهاية وانه يفعل اي شيء لجذب اصوات الناخبين, ولو كان في معبد يهودي لأشاد باليهود!) . هذه الوصف بالانتهازية كرره كثير من المقربين لهايدر والمتابعين لمراحل تطوره السياسي, وهو يغير رأيه كثيرا, وفي اوقات متقاربة مثلما حدث في الاسابيع الماضية حينما هدد بإصابة الاتحاد الاوروبي بالشلل عبر عرقلة النمسا للتصويت الجماعي على صدور القرارات, لكنه مالبث ان تراجع عن ذلك, مثلما تراجع عن كل اشادته السابقة بالنظام الهتلري, وتبريره جاهز دائماً من قبيل تصريحه لاحدى الصحف قائلا: (سمو لي سياسيا واحدا لم يرتكب خطأ خلال 20 عاما) . يقول منتقدوه ايضا انه قاسي وعنيد وهي صفات اصيلة لكل فاشي وعنصري, كما انه لديه قدرة هائلة على توجيه النقد القاسي لخصومه, وهو الامر الذي وضح خلال مهاجمته للرئيس الفرنسي شيراك مؤخرا ردا على تحرك فرنسا ضده قائلا (شيراك فاشل وعليه ان يهتم بشئون بلاده اولا, ولا يهمني اطلاقا من يكون وعليه ان يتوقف عن ممارسة جنون العظمة, ولا اجد مايدفعني للركوع امامه) . نفس الامر وربما بصورة اكثر حده هجومه على بلجيكا التي قال (انها ينخرها الفساد) , وهي بلد يضطر فيه السكان للنزول للشوارع لحماية اولادهم خوفا من المجرمين حيث يعتقد السكان ان حكومتهم تتواطؤ مع المجرمين ضدهم, في اشارة لفضيحة الاعتداء على الاطفال جنسيا التي هزت بلجيكا في السنوات الاخيرة, ولم يسلم رئيس الوزراء البريطاني الراحل تشرشل من هجومه حيث اتهمه بأنه مجرم حرب لتدميره مدينة درسدن الالمانية في الحرب العالمية الثانية وقتله 3 ملايين شخص. ولم يتوقف هجومه على القادة الاوروبيين الذين انتقدوه بل المح الى انه قد يطالب بمحاكمة المستشار السابق فيكتور كليما زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي والرئيس الحالي توماس كليستيل بتهمة (الخيانة العظمى) حيث يتهمها بأنهما السبب في تحريض اوروبا ضد حزب الحرية الذي يتزعمه! تلك هي الملامح الرئيسية لشخصية هايدر الذي يكتسي وجهه ملامح لا تخلو من الغموض.. والتي كشفت ظاهرة صعوده الصاروخي وحزبه عن عديد من المفارقات بل وكسرت بعض ما كان يمكن اعتباره قواعد سياسية وتحليلات جاهزة استخدمها المحللون لفترات طويلة. مثال ذلك ان كثيرين اعتقدوا ان ترعرع الافكار اليمينية العنصرية يحتاج دائما لدولة تعاني ازمة اقتصادية وتعاني من زيادة نسبة البطالة, والمفاجأة ان النمسا في مقدمة اكثر الدول رفاهية في اوروبا ودخل الفرد فيها 26.8 الف دولار شهريا, ومعدل البطالة فيها هو الادنى اوروبيا (4.3%, صادراتها 64 مليار دولار واجمالي ناتجها القومي يصل الى 217 مليار دولار سنويا), اما المفارقة فهي ان شبابها بين (18 ـ 25 عاما) يشهدون اقل نسبة بطالة مقارنة باقرانهم الاوروبين, هؤلاء كانوا الاكثر تصويتا لحزب هايدر, اما تفسير هذا التناقض في نظر بعض المراقبين هو ان هناك هواجس نفسية وليست اقتصادية تدفع ببعض مواطني النمسا للتعلق بحزب هايدر خوفا من مجهول قادم لا يعرفونه قد يهدد رفاهيتهم, يضيف هؤلاء ان النمسا التي خرجت من حربين مدمرتين واعتادت على الحياد بين الشرق والغرب, وجدت نفسها بعد انهيار حائط برلين عام 1990 وكأن نوافذ حدودها مهددة بالانهيار من جراء هبوب رياح القادمين اليها من اوروبا الشرقية, ثم وجدت في الانضمام للاتحاد الاوروبي تعميقا لهذا الاندماج العابر للقومية, ولذلك فان من صوتوا لهايدر يخافون اعراض الاندماج والعولمة, خاصة بعد تزايد صلاحيات الاتحاد الاوروبي وتقليص دور الدولة القومية. تفسير اخر يرى فيما حدث مجرد تكرار لاندفاع بعض الجماهير المتعصبة قليلة التعليم الى ما يسمى (بفردوس المغفلين) حيث تلجأ الاحزاب اليمينية المتعصبة الى دغدغة مشاعر انصارها بنظريات مبسطة حول تحرير الاقتصاد من سيطرة الدولة وتمليك الجماهير كل الثروة بعد توزيعها بصورة عادلة, والقضاء على البطالة وطرد الاجانب ومنع الهجرة نهائيا. المفارقة الاخيرة وهي اقرب للمعضلة تتعلق بفكرة الديمقراطية حيث يرى كثيرون ان الغرب الذي يتشدق ليل نهار بالديمقراطية ناقض نفسه حينما عارض الخيار الحر لمواطني النمسا الذين انتخبوا هايدر وحزبه,. الاوروبيون ينفون ذلك بالقول ان النمسا او أي دولة حينما توافق على الانضمام للاتحاد الاوروبي فهي تعلم مسبقا انها ستتنازل عن جزء من سيادتها لصالح الاجهزة عابرة القومية وتقر بضرورة الالتزام بالمبادئ الاوروبية العامة وفي مقدمتها حقوق الانسان التي تدين العنصرية والحض على كراهية الاجانب. وهنا يبرز التساؤل الاخر او المعضلة الاخرى.. اذا كانت الدول الاوروبية قد سمحت لهذه الاحزاب بالعمل القانوني وخوض الانتخابات, فكيف نحرمها من حق الوصول للسلطة اذا صوت الناخبون لصالحها؟ يقول بعض الاوروبيين انه لا مشكلة في وجود هذه الاحزاب طالما انها هامشية وبعيدة عن التأثير. وهو قول غريب.. حيث ان افرازات العولمة و(فوبيا الكوزموبوليتانية) وتقليص دور الدولة الوطنية وزيادة الدور الخارجي على حساب الداخلي قادرة كما حدث في النمسا على تصعيد الاحزاب المتطرفة, ثم ان المفارقة هي نفاق الغرب لنفسه لأن هايدر ليس مجرد مارد خرج فجأة من القمقم, هناك عشرات (الهايدرات) موجودون في اوروبا وتلك امثلة سريعة.. جان ماري لوبان زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية اكثر عنصرية من هايدر وحزبه في صعود دائم, وهجماته ضد المهاجرين خاصة عرب شمال افريقيا لا تتوقف منذ سنوات, ولم يقم شيراك او جوسبان الدنيا على لوبان مثلما فعلا ضد هايدر. رابطة امبرتو بوسي في ايطاليا التي تدعو لاقامة دولة انفصالية في الشمال, وكتلة الفلامنادين في بلجيكا, وحركات اضطهاد الاجانب في اسبانيا هذه الايام تدور على قدم وساق خاصة ضد المهاجرين المغاربة, هناك ايضا حركة كريستوفر بلوشير العنصرية في سويسرا والتي يرتفع حجم التأييد لها باضطراد, اما حركة النازيين الجدد في المانيا فكانت المحرك الرئيسي الذي بدأ ينتشر كالاخطبوط في بقية اوروبا, والمثير للدهشة ان فيروس الحركات العنصرية بدأ يجتاح بلدان شرق أوروبا التي كانت اشتراكية سابقا وما يحدث في المجر الآن خير مثال, ولا يقتصر فيروس العنصرية على اوروبا فقط, فهو متأصل في امريكا ايضا التي شنت هجوما شرسا ضد هايدر وحزبه واطلق مستشارها للامن القومي ساندي بيرجر شعار (الديمقراطية ليست انتخابات فقط, بل قيم نتقاسمها!) في امريكا هناك مثالان عنصريان هما باتريك بوكنان وروس بيرو اللذان يدعوان للعزلة ومقاطعة العالم. وعلى حد تعبير احد المراقبين فان هايدر كشف الازدواج الاوروبي الذي بلغ قمته مع الازمة الاخيرة.. يقول هذا المحلل انه اذا تم تهذيب تصريحات ومواقف هايدر وصياغتها بصورة ماسية فانها تتشابه مع برامج غالبية القوى السياسية الاوروبية من اقصى اليمين لاقصى اليسار, فالجميع في اوروبا الذي يرفع شعار (حرية تنقل الاستثمارات ورؤوس الاموال والخدمات والتكنولوجيا بين كل العالم) يضع فيتو يقول (لكن لا حرية لتنقل البشر خاصة من الجنوب للشمال!) . وفي بريطانيا تم فرض رسوم تأمين على السائحين القادمين من بعض دول آسيا حتى لا يفكروا في الاستمرار للعمل, واحدى الصحف البريطانية مثل (الديلي اكسبريس) وصفت المهاجرين من اوروبا الشرقية بأنهم (حثالة الارض) !! ترى ماذا سيكون وصفها اذا تعلق الامر بمهاجرين عرب او افارقة! هل هذا التناقض لأن النمسا دولة صغيرة وليست كفرنسا أو المانيا؟ ام لأن الأمر هذه المرة متعلق بضغوط للوبي الصهيوني الذي يستخدم السكين دائما لفتح جرح المحرقة كلما شعر ان الاجيال الاوروبية الجديدة تناسته او ان قدرته على الابتزاز تضمحل؟ الدروس التي يمكن استخلاصها من المأزق النمساوي الراهن متعددة ويمكن ايجازها في ان الدولة لم تمت في اوروبا وان حكاية الوحدة الاوروبية الكاملة سوف تستغرق وقتا طويلا اكثر مما كنا نعتقد وان الايمان الاوروبي بقداسة صندوق الانتخابات الشفاف ليست مطلقة ولكنها محكومة بشعار (ممنوع التغريد خارج السرب) وان اللوبي الصهيوني في اوروبا وامريكا اكد مجددا انه مازال فاعلا, لكنه ايضا بدأ يكتشف ان الرفض لخرافاته واساطير محرقته وتهوده يتزايد وهي مشكلة تتجدد على نطاق واسع داخل كل اوروبا. الدرس الاهم الذي يهمنا كعرب ان علينا التفريق بين مسألتين غاية في الاهمية الاولى هي ادانتا لاي سلوك او دعوات عنصرية مهماكان مصدرها, في الاربعينيات ايدنا هتلر بدعوى انه سيقضي على اليهودي ولم ندرك انه يكره الجميع وفي مقدمتهم نحن, ونسينا انه لولا هتلر ماهاجر اليهود من اوروبا وما حدث هذا الابتزاز الصهيوني المستمر حتى الان وعلينا الا ننسى ان لنا مهاجرين عرباً كثيرين في اوروبا وامريكا وانهم سيدفعون الثمن الفادح لنجاح اي فكرة عنصرية. المسألة الاخرى هي استمرار ادانة الهجوم الاسرائيلي على هايدر وامثاله استنادا لقاعدة (فاقد الشيء لا يعطيه) وكشف النفاق والازدواج الاوروبي الامريكي في عدم القدرة على المساواة بين هايدر كعنصري محتمل وارهابيين حتى النخاع كشارون وشامير وبيجين ونتانياهو وباراك وايتان وبن جوريون وسائر السلالة الصهيونية, هؤلاء الذين طبقوا عنصريتهم وفاشيتهم عمليا في اللحم العربي, في حين ان هايدر مازال حتى هذه اللحظة عنصرياً تحت التمرين! التفريق بين المسألتين ضروري للغاية حتى لا نخسر احترامنا لانفسنا اولا واحترام الاخرين لنا ثانيا.