رغم تراجع الدور التاريخي للنمسا في اوروبا, ناهيك عن السياسة الدولية, فان هذه الدولة الواقعة بوسط القارة البيضاء مابرحت تستقطب الاهتمام وتعطي الاشارات الموجية بما سيهب على العالم من رياح التغيير. فعندما انهارت امبراطورية النمسا فتح الباب واسعا امام عصر القوميات في اوروبا وظهرت الدول القومية في شرق ووسط اوروبا وبالمثل كان اغتيال ارشيدوق النمسا ايذانا باشتعال الحرب العالمية الاولى, وكانت النمسا مجددا نقطة انطلاق (هتلر) العامل المحفز في اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي بداية القرن الجديد عادت النمسا الى عادتها القديمة لتثير اول ازمة في هذا القرن, وذلك عقب اعلان حزبي الشعب والحرية التحالف فيما بينهما, وتشكيل حكومة ائتلافية تحكم البلاد, واذا كان من المنطق ان يثير الخصوم السياسيون داخل النمسا عواصف الاحتجاج ضد هذا التحالف, وخاصة من قبل الاشتراكيين والخضر, فانه من السوابق التاريخية ان تعتني اطراف خارجية بمثل هذا الشأن الداخلي لدولة اوروبية مثل النمسا فبالاضافة الى (الجارات الاوروبيات) الشريكات في الوحدة الاوروبية التحقت بركب الاحتجاج الولايات المتحدة الامريكية والدولة العبرية بكل ما تمتلكه من وسائل الضغط والابتزاز. والحقيقة ان دوافع الغاضبين تتباين الى حد ما وخاصة فيما بين الدوافع الاوروبية ودوافع العم سام وراء الاطلس وغضبة الصهاينة على شاطىء المتوسط, ولكنها جميعا صنعت ما يعرف اليوم بازمة النمسا. ولابد من الاعتراف بداية بأنه من الخطأ البين الفصل بين مكونات الازمة او حتى اعطاء الاعتبار الاكبر او الاسبقية البينية لعامل بعينه, اذ ليس من الرشادة في شىء ان نتجاهل مثلا ضغوط الدوائر الصهيونية وصداها الاعلامي خاصة ضد زعيم حزب الحرية الذي اشار ذات مرة الى ان ثمة مبالغات تاريخية فيما يتصل بقصص افران الغاز الهتلرية وان ادانة النازية لا ينبغي ان تدفع البعض الى اهالة التراب على بعض الرموز العسكرية النمساوية التي ارغمت على العمل في صفوف الجيش الالماني. ومهما يكن من امر, فاننا سنركز هنا على ظاهرة الهلع من صعود اليمين, والتي تعد واحدة من مكونات الازمة ولاسيما على الصعيد الاوروبي. فالمراقب للشأن الاوروبي يلحظ بوضوح التنامي المستمر في شعبية الاحزاب اليمينية ذات الطابع القومي الشوفيني, كما في فرنسا وروسيا ودول البلقان ويعزى ذلك الصعود الى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها ظاهرة العولمة (وخاصة على صعيد التبني الاعمى لمقولات الليبرالية الجديدة بتحرير التجارة العالمية وتخفيض القيود على تنقل رؤوس الاموال والاستثمارات مع منحها المزيد من الاعفاءات الضريبية والتسهيلات الائتمانية. ولقد ادى ذلك في العديد من الدول الاوروبية التي لا تتمتع بريادة اقتصادية مثل المانيا او تفتقد لعلاقات ذات طابع استعماري في العالم الثالث (كحالة فرنسا) الى نشأة ازمة حقيقية طالت اطراف العملية الانتاجية سواء من اصحاب رؤوس الاموال او من قوى العمل في الطبقات المتوسطة والعمالية. وزاد الطين بلة تراجع المخصصات المالية الموجهة نحو الرفاه الاجتماعي كاعانات البطالة بسبب انخفاض متحصلات الدول السيادية عقب الاتجاه نحو تحرير التجارة وتخفيض الضرائب على انشطة رؤوس الاموال بل وتحرير الاسواق المالية وقد اتاح هذا التحرير فرصا هائلة للتهرب الضريبي. ان اهم ملامح هذه الازمة يمكن رصدها فيما يلي: 1ـ تراجع الانتاج المحلي امام السلع المعولمة للشركات العالمية العملاقة التي نجحت بحكم طبيعتها الكونية في تخفيض اسعار المنتجات وزيادة جودتها. 2ـ اضطرار الشركات المحلية الى ترشيد نفقات الانتاج لكي تصمد في مواجهة سلع الشركات العالمية وبالطبع فان قوى العمل تحتل رأس قائمة هذا الترشيد وهو ما ادى الى تسريح المزيد من العمالة والاستعانة بالعمالة الاجنبية الوافدة منخفضة الاجور. 3ـ بسبب رفع القيود عن حركة رأس المال وخاصة داخل الاتحاد الاوروبي, فان العديد من المشروعات الوطنية العتيدة قد تعرضت للاختفاء سواء للعجز عن المنافسة او نتيجة لشراء شركات اوروبية اخرى لها. 4ـ تعرض الطابع القومي للمزيد من الضغوط سواء بدواعي الوحدة الاوروبية او من جراء فعاليات العولمة الثقافية التي تستمد قوتها وهويتها من مصدر واحد الا وهو الولايات المتحدة الامريكية بثقافاتها الانجلوسكسونية المشبعة بالميول الاستهلاكية وبسلم من القيم الاجتماعية له موازينه الخاصة. واذا كان مقدرا لهذه الملامح أن تتكاتف فيما بينها لتشكل صورة الحياة في دولة من الدول الاوروبية فانها ولاشك دولة النمسا. فقد تعرضت المنتجات النمساوية لمنافسة عاتية من السلع المستوردة من اوروبا وكذلك الشرق الآسيوي وازاء السياسة الانكماشية التي اتبعت لمواجهة ذلك فقد انحدرت الاحوال المعيشية للطبقات المتوسطة والعمالية التي اخذت تفقد وظائفها بسرعة شديدة. ونظرا لطبيعة الجو الجغرافي مع المانيا الموحدة فان الرأسمالية الالمانية نجحت في ابتلاع بعض اشهر المتاجر التي تعتز بها الوطنية النمساوية وهو ما اثار حنق الصحافة المحلية في العامين الاخيرين خاصة مع افتقاد النمسا لاي ماض استعماري في العالم الثالث, ونظرا لموقع النمسا الجغرافي بوسط اوروبا فقد كانت طوال العقد الاخير المحطة الاولى التي استقبلت سيل المهاجرين الذي تدفق من البلقان وهو ما دفع قوى العمل النمساوية الى الاعتقاد بان تراجع فرص العمل المتاحة امامها وانخفاض مستوى الاجور انما حدث بسبب تدفق العمالة الاجنبية على البلاد. وبالطبع فقد انعكست هذه المفردات في الخطاب السياسي للاحزاب النمساوية, وبخاصة احزاب اليمين التي راحت تنفض الغبار عن الروح الوطنية النمساوية بعدما كادت ان تتوارى وراء نجاحات الوحدة الاوروبية وبالنتيجة فقد حملت الاحزاب الاشتراكية مسئولية ما يجرى في البلاد. وقد تميز حزب الحرية النمساوي بقيادة هايدر بان خطابه كان موجها الى الفئات الاكثر تضررا من تداعيات العولمة ونهجها اللبرالي الجديد فهو من ناحية, وبدعم مادي من رجال الاعمال النمساويين راح يداعب احلام هذه القوى بالدعوة للحفاظ على المشروعات الوطنية وتشجيع انتاجها في الاسواق المحلية ودعم الرأسماليات بمنحها حوافز ضريبية وتمويلية للاستمرار في المنافسة مع التلميح المستمر لاهمية فرض قيود على المنتجات الواردة ولو حتى في صورة عمل وطني طوعي من المستهلكين. ومن ناحية اخرى فقد شن اليمين النمساوي حربا شعواء على العمالة الاجنبية في البلاد وهاجم التسهيلات الاوروبية بشأن المهاجرين مستدعيا في ذلك, كما حدث في المانيا وفرنسا, كل الدعاوي العرقية والشفونية بما في ذلك النازية القديمة والوطنية الجديدة وقد ادى ذلك الى حدوث استقطاب حاد تجاه هذه الاتجاهات واحزابها بين قوى العمل المهددة بفقدان وطائفها وبالطبع بين المتعطلين الذين تتزايد اعدادهم يوما بعد يوم ربما بسبب ضغوط العولمة قبل اي سبب عنصري آخر. ان هذا الاندفاع نحو اليمين بات يقض مضاجع احزاب الوسط ويسار الوسط الاوروبية لانه يستقطب يوما بعد يوم قوى الطبقة المتوسطة التي كانت تصوت تقليديا لصالح الاحزاب الاشتراكية, فضلا عن العمال الذين لم يألفوا طوال العقود الماضية التصويت لأحزاب اليمين بتشكيلاتها المختلفة. وما من شك ان الانتصار الذي حققه تحالف اليمين في النمسا سيشكل حافزا للاحزاب المماثلة في اوروبا مما يهدد بانتشار العدوى ولا سيما في الدول الاقل افادة من الوحدة الاوروبية وتحرير التجارة العالمية وهيمنة مظاهر العولمة. ان حالة النمسا تمثل في نظر (اوروبا الموحدة) نضجا مبكرا ومكتملا لاجمالي عوامل السلب التي تتجمع نذرها في الافق وهو ما قد يعجل بتحول جذري في مواقف قوى الانتاج التي اضيرت من آليات العولمة اذ ستقف بكل قوة من اجل الانكفاء على الذات وذلك بالحد من حرية التجارة ومرور السلع بل وحرية تنقل رؤوس الاموال والاستثمارات المباشرة طالما ادى تشجيع سياسات التحرير الى فقدانها لاسواقها الوطنية ناهيك عن فشلها في غزو الاسواق الخارجية لاشتداد المنافسة. وعلى الرغم من ان المواقف الاجمالية لقوى الانتاج تتناقض مع مصالح قوى العمل الطامحة الى زيادة فرص التوظف ورفع الاجور الا ان الاخيرة تلتقي معها مرحليا في التصويت لصالح اليمين طالما يدعو لوقف الهجرة ويعادي الاجانب ويقاوم عولمة الاقتصاد بما تفرضه من تقليص لفرص العمل المحلية. ان هذا التحالف الاجتماعي الفريد هو في حقيقة الامر الذي يمنح التخوف من صعود اليمين مبررات كافية لاتخاذ المواقف المتشنجة التي اعلنها الاتحاد الاوروبي, لا سيما وان فصم عرى التحالف يحتاج الى حلول جذرية وجريئة لعل في الطليعة منها العودة الى بعض السياسات الكنزية والرشادة الاجتماعية من اجل استعادة الطبقات الوسطى والعمالية من احضان اليمين, وهو أمر صعب المنال في ظل حقيقة ان الشركات الكونية العملاقة لا ترى لمثل هذا الاجراء مبررا طالما هي تحصد الارباح في كل مكان وتوفر السلع الارخص سعرا والاعلى جودة. وفضلا عن ذلك فهي تعتبر النمسا مجرد حالة محدودة في اوروبا الموحدة وان الضغوط الاوروبية يمكن ان تنضج الظروف المواتية لاستعادة الاشتراكيين زمام المبادرة من خلال الهجوم على السياسة الاجتماعية لاحزاب اليمين.