أصبح يورج هايدر اشهر الشخصيات السياسية في اوروبا والعالم في بداية عام 2000م, فهل يصبح بالضرورة مؤشرا لصعود اليمين المتطرف لحكم اوروبا في السنوات المقبلة؟ وهل عن طريقه تعود النازية من جديد الى النمسا لتسري كالنار في الهشيم وتجتاح دول الاتحاد الاوروبي؟ فقد نشأت حالة من الهلع والتصريحات والتحركات الهستيرية من قادة دول اوروبا والولايات المتحدة الامريكية ضد مشاركة حزب الاحرار اليميني المتطرف في حكومة ائتلافية في النمسا يرأسها وولفجانج شوسل زعيم حزب الشعب المحافظ كمستشار جديد للنمسا. ويأخذ يورج هايدر كسياسي يميني متطرف وكزعيم لحزب الاحرار موقع تركيز النيران وصيحات الغضب, وقاعدة لتفجير الازمة السياسية بين النمسا ودول الاتحاد الاوروبي, ولكن الشكوك تضع دولة اسرائيل واللوبي اليهودي في اوروبا كأساس لاطلاق الصواريخ النارية التي احدثت ضجيجا عاليا, فقد انطلقت شرارة الازمة من اسرائيل. وعندما اجريت الانتخابات البرلمانية في النمسا, وافادت نتائجها بفوز حزب الاحرار بزعامة هايدر بالمركز الثاني, صدرت على الفور وبعد ساعات قليلة اول تصريحات نارية من اسرائيل مهاجمة النمسا, ومحذرة لها من اشتراك هايدر وحزبه في الحكم, مذكرة بالميول النازية الصريحة لهايدر, وبالماضي النازي لاسرته, الامر الذي دخلت معه وسائل الاعلام في سباق مع تصريحات قادة اوروبا وتحذيرات الولايات المتحدة الامريكية ومظاهرات الشوارع في النمسا وفي كثير من دول الاتحاد الاوروبي محذرة من فرض العزلة على النمسا وقطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفراء... الخ. فالدهايم.. التاريخ يعيد نفسه وتعيد الأزمة النمساوية ـ الاوروبية الراهنة المرتبطة بيورج هايدر للذاكرة ازمة تعامل واشنطن وتل ابيب مع المستشار النمساوي الاسبق, والسكرتير العام الاسبق للامم المتحدة كورت فالد هايم عام 1987 فقد كانت النمسا في ظل رئاسة كورت فالدهايم قد تعرضت للتهديد بالعزل الدبلوماسي, حيث اثار في وقتها ما كشفته صحيفة (لابروفيل) الاسبوعية النمساوية عن انتماء فالدهايم الى مجموعة تسمى (مجموعة الانقضاض) في الحزب النازي, واثار ذلك الخبر الصحفي, ردود فعل عنيفة في كل من الولايات المتحدة واسرائيل وقتها. وكانت الحملة الرئاسية النمساوية بين مارس ويونيه 1986 قد اسفرت عن اتهامات شديدة لفالدهايم, الذي تم انتخابه في 8 يونيه 1986 رئيسا بنسبة 54% من الاصوات,فقد تم اتهام الامين العام الاسبق للامم المتحدة بأنه ارتكب جرائم في البلقان بين عامي 1941 و,1944 لكن فالدهايم رفض كل تلك الاتهامات, وبعد اجراء تحقيق طويل ادرج القضاء الامريكي في ابريل 1987 الرئيس النمساوي فالد هايم على لائحة الاشخاص غير المرغوب فيهم في الولايات المتحدة, وفي مايو م1987 رفع فالدهايم شكوى ضد رئيس المجلس اليهودي العالمي ادجار برونغمان الذي اتهمه بانه كان احد المروجين لآلة القتل النازية, وفي الشهر التالي اثارت زيارة فالدهايم الرسمية الى الفاتيكان احتجاجات في اسرائيل لدى المنظمات اليهودية والكاثوليكية, وفي فبراير 1988 اكدت لجنة دولية من المؤرخين, كلفتها الحكومة النمساوية بالتحقيق في ماضيه العسكري الى ان فالدهايم لم يشارك في جرائم الحرب, لكنه كان على علم بما جرى في اليونان ويوغسلافيا, ورفض فالدهايم الاستقالة كما رفض نتائج التقرير الذي لم يستطع تحميله مسئولية جنائية واجرامية وان حمله مسئولية اخلاقية في التجاوزات التي ارتكبها الجيش الالماني في البلقان, لكن الحملة على فالدهايم جعلته يصبح من المنبوذين في غالبية العواصم الدولية, فقدم المستشار فرانز فرانيسكن تمثيله في الزيارات العالمية لكن بقاءه في منصبه ادى الى تدهور العلاقات بين النمسا وشركائها الاوروبيين الغربيين على مدى سنوات, لكن الدول العربية وبعض الدول في شرق اوروبا مثل الاتحاد السوفييتي السابق وبولندا والمستشار الالماني السابق هلموت كول اعتبروا فالدهايم وطنيا عظيما وعبروا عن دعمهم له, حتى جاء يونيو ,1991 حيث قرر فالدهايم عدم ترشيح نفسه لولاية ثانية لانقاذ بلاده من عزلة فرضتها الدعايات اليهودية والامريكية على النمسا في ذلك الوقت. التطرف العولمي ومن الواضح ان اللوبي اليهودي الواقع تحت تأثير الدعاية الصهيونية والابتزاز الاسرائيلي ينجح دائما في استثمار الرعب الاوروبي من عودة النازية, خاصة في صورة نمو ملحوظ لمنظمات اليمين المتطرف المعادي للاجانب, لكنه يضع الاتحاد الاوروبي في مأزق, ويضع ما تسميه الدعاية الامريكية والاوروبية بالقيم الديمقراطية وحقوق الانسان في مأزق فتظهر امريكا كشرطي عالمي يرسل تهديداته واساطيله وضغوطه الاقتصادية غير عابىء بالسيادة الوطنية للدول وغير مقدر لارادات الشعوب واختياراتها, فضلا عن ظهور دول الاتحاد الاوروبي في هذا الشأن كأدوات طيعة في يد كل من الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وفي ظل الاوضاع العالمية الراهنة, التي تتسم بغياب التوازن الدولي, تندفع الولايات المتحدة نحو التطرف والفوضى, حيث تعطي نفسها حقوق التدخل في شئون دول أخرى تحت غطاء حماية الديمقراطية وحقوق الانسان, لكنها تضع ما تسميه بالقيم الديمقراطية في مأزق حقيقي, حين يكون الأمر متصلا بنتائج انتخابات ديمقراطية, واختيارات شعبية, كما في حالة النمسا الحالية, الأمر الذي دفع بعض المسئولين إلى التخفيف من التطرف الأوروبي والأمريكي, حيث أبدت هنجاريا تحفظا من مجاراة التصريحات الأوروبية والأمريكية المتطرفة, فقال وزير الخارجية الهنجاري بانوس مارتيني ان بلاده تشارك الاتحاد الأوروبي قلقه ازاء وصول حزب الأحرار إلى الحكم, لكنها لا يمكن ان تتخذ اجراءات عقابية, وانتقدت هلسنكي الموقف الأوروبي واعتبرته يشكل سابقة خطيرة, وأكد وزير المال الفنلندي انه لا يؤيد هايدر, لكنه يعارض التدخل في الشئون الداخلية لدولة أوروبية, لكن وزير الخارجية الاسرائيلي أعلن استدعاء السفير الاسرائيلي من فيينا للتشاور, وقال للإذاعة الاسرائيلية, لا مجال لوجود سفير لاسرائيل في بلد ترمز فيه إلى آراء تهز كل يهودي وغير يهودي, لكنه أضاف ان على اسرائيل اتخاذ الاجراءات القصوى لأن جوهر دولة اسرائيل هو ألا ننسى وألا نسمح لغيرنا بالنسيان, والأمر كذلك فإن المسئولين الاسرائيليين لا يتوانون عن استثمار كل حدث, وكل ظاهرة جديدة لتدعيم احساس العالم الأوروبي بالذنب, ودفعه لتفسير كل نقد لسلوك دولة اسرائيل باعتباره عداء للسامية وقد نجحت اسرائيل في المبالغة في عملية صعود هايدر وحزبه اليميني المتطرف, واشتراكه في حكومة ائتلافية لا يقودها واستثمار هذا الصعود في تذكير أوروبا بخطر وآثام النازية. ويؤدي التطرف الأمريكي والصهيوني في ظل الأوضاع العالمية الراهنة إلى تناقضات في هذا التصرف العولمي, ففضلا عن تبرير عمليات التدخل في أمور تخص السيادة الوطنية وإرادات الشعوب, ينتج هذا التطرف ازدواجا في المعايير يفقد الحديث عن القيم الديمقراطية الأوروبية أي مصداقية, فعمليات القمع والعدوان الاسرائيلية المعادية لأبسط حقوق الانسان العربي لا ينتفض لها الضمير الغربي, بينما ينتفض ضد أي تصريح أو كتاب يصدر لينفي حقيقة وجود أفران الغاز النازية ضد اليهود, وأمثلة ازدواجية المعايير كثيرة في ظل هيمنة القطب الأوحد واختلال توازن القوة. دوافع الأزمة ومن المؤكد ان نجاح حزب هايدر في التحالف مع حزب الشعب بقيادة وولفجانج شوسل هو مؤشر لامكانيات صعود أحزاب يمينية متطرفة إلى الحكم في أوروبا, وأنها تعبير عن ميول جديدة تنمو داخل شرائح عديدة من فئات وطبقات الشعوب الأوروبية في ظل أوضاع العولمة الجديدة, لكن دوافع الجهات المتعددة التي أثارت أزمة النمسا الراهنة متعددة أيضا, فمن الممكن تفهم ما يمكن تسميته بثورة قادة دول أوروبا من الأحزاب الاشتراكية, تلك التي كانت تفضل تحالفا بين حزب الشعب المحافظ والحزب الاشتراكي النمساوي, وتخشى من ان مبادرة صعود اليمين المتطرف النمساوي قد تؤدي إلى تكرار الحدث في أكثر من دولة أوروبية تشهد توسعا ملحوظا في دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان وتزايد نسب التصويت لأحزابها الجديدة, كما ترصد شبكة من الاتصالات بين هذه الأحزاب في أكثر من دولة. وعلى سبيل المثال فإن دوائر النازيين الجدد في ألمانيا تتسع رويدا رويدا, وضحايا هجمات اليمين المتطرف في تزايد مستمر, ففي عام 1995 سجل البوليس الألماني 8 آلاف جريمة ذات صلة بالتطرف اليميني, أما في ايطاليا فإن اطروحات اليمين المتطرف تلقى رواجا واسعا, واصبح الناخب الايطالي وفي اوروبا بشكل عام. يصغي لما يقوله اليمين المتطرف خاصة ما يطرحونه من شعارات براقة تتعلق باعطاء الأولويات لأبناء الوطن قبل الأجنبي في كل الخدمات, بل طرد الاجانب كما يقول يميني متطرف مثل جان ماري لوبن في فرنسا الذي يرى ان الأجنبي يشارك المواطن الفرنسي الكعكة التي ينبغي ان تكون من نصيبه وحده. وما يقلق رؤساء الحكومات الأوروبية الراهنة أكثر هو الصلات وعمليات التنسيق بين اليمين المتطرف في دول الاتحاد الأوروبي, فعلى الرغم من ان هايدر ينفي أي صلة له بزعيم الجبهة الوطنية في فرنسا, اليميني المتطرف جان ماري لوبن, إلا انه قد تبين وجود شبكة انترنت اسمها (ثول نيت) يتصل عبرها اليمين المتطرف في كل من ألمانيا والنمسا والدانمارك وفرنسا ويتبادلون الأفكار والبرامج وأساليب العمل المتطرفة وجوهرها العداء للأجانب. أي ان دوافع زعماء الأحزاب المشكلة لحكومات دول أوروبا في الوضع الحالي تنطلق من خطر مؤشر صعود هايدر وحزبه اليميني المتطرف كدليل على خطر تآكل الكتل التصويتية ليسار ويمين الوسط, واتساع فرص الأحزاب اليمينية المتطرفة, وتغطية هذا القلق على المصير السياسي بالحديث عن قيم الديمقراطية وأسس بناء الكيان الأوروبي كخطاب موجه للناخب الأوروبي لتذكيره بمخاطر صعود هتلر جديد يدفع أوروبا نحو مآس ومخاطر جديدة كتلك التي مازالت ماثلة في الأذهان. لكن الدوائر اليهودية والأمريكية الخاضعة لتأثير الدعاية الصهيونية العالمية, ودولة اسرائيل, تنطلق من دوافع استثمار الأزمة في النمسا بصفة خاصة, التي ينتمي إليها الزعيم النازي هتلر, والتي رحبت في السابق بضم هتلر لها, مطلقا طموحاته الحربية في غزو العالم, والتي تملك تاريخا من التسبب في اندلاع الحروب العالمية, الأمر الذي دفعها للمبالغة في الأزمة إلى حد التضحية بالنمسا, ودفع الاتحاد الأوروبي إلى ارتكاب سابقة التدخل في شئون أصغر دولة بعد لوكسمبورج, حتى لو وصل الأمر إلى تهديد كيان الاتحاد الأوروبي نفسه, وتهديد طموحاته في التوسع في شرق ووسط أوروبا, في سبيل تذكير العالم المستمر بالنازية. لكن الدوافع الصهيونية والاسرائيلية في التذكير بالنازية تتخطى النمسا بهدف التغطية على اندلاع فضائح قيام يهود بتسميم معتقلي الشرطة النازية السرية, حيث تقوم السلطات الألمانية بالتحقيق مع يهوديين متهمين بتسميم الخبز الذي كان يقدم إلى أكثر من 2000 سجين من جنود الشرطة السرية النازية الألمان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي تجد فيه المحاكم الأوروبية صعوبات بالغة في اثبات جرائم النازية ضد اليهود تأتي هذه التحقيقات المدعمة بشهود أحياء ضد كل من لسيبكة ديستيل 77 عاما وجوزيف هامارتز 74 عاما اللذين اشتركا في تأسيس جماعة ناكام بمعنى (الثأر) لملاحقة النازيين بعد انتهاء الحرب مما أثار عاصفة من الغضب في اسرائيل, وأكد دوافعها في المبالغة في شأن الحكومة النمساوية الجديدة, لاستغلالها في الدعاية ضد النازية والتغطية على المحاكمات التي بدأت ضد اليهود في ألمانيا, والضغط من أجل وقف هذه المحاكمات باتهامها بالعداء للسامية. ومع كثرة دوافع الأطراف المختلفة, إلا انها تتفق في زيف قناع الديمقراطية الغربية وأحاديث القيم الديمقراطية أمام قوة المصالح وتناقضاتها الفعلية.