أكدت الأحداث وردود الأفعال الأوروبية تجاه النمسا عقب صعود حزب الحرية (اليميني المتطرف) للسلطة على وجود أصابع يهودية وراء تحريك ردود الفعل الغاضبة, وقد اتسمت تصرفات دول الاتحاد الأوروبي بالمبالغة تجاه شريكتها النمسا, التي أعلنت عن تشكيل حكومة جاء اعضاؤها وفقا لانتخابات حرة وديمقراطية لكن الأمر الواقع يؤكد ان للمخاوف الأوروبية ما يبررها من انتشار صرعة اليمين المتطرف في كل أوروبا, وتزايد شعبيتها بما تحمله من أفكار عدائية للأجانب واليهود, وهي نقاط تهدد حال اثارتها الأمن والاستقرار الأوروبي بصفة عامة وتطيح بما تحاول أوروبا ارساءه من مجتمعات متعددة الثقافات على أراضيها, كما تهدد مصالحها مع الدول الخارجية. حول أسباب المخاوف الأوروبية من تصاعد اليمين المتطرف, ودوافع تزايد شعبية اليمين ودور اللوبي اليهودي في ردود الفعل تجاه النمسا وغيرها من الاستفسارات التي وجهها الملف السياسي إلى الدكتور (نيو سلاجدين) مراقب الشئون السياسية الأوروبية ومستشار المكتب الأوروبي لاستطلاعات الرأي: * هل تعكس شعبية حزب اليمين المتطرف امكانية تصاعد أحزاب اليمين في كل أوروبا؟ ـ لقد حذر المستشار الألماني من (هيدرة) ألمانيا أي من انتقال عدوى اليمين إليها حيث حصلت الأحزاب اليمنية الثلاثة في ألمانيا في الانتخابات الأخيرة على نسبة ضئيلة من أصوات الناخبين لم تتجاوز نسبة 3.5% الأمر الذي يؤكد وجود نوع من الطمأنينة لدى ألمانيا, ولكن صعود اليمين في النمسا على هذه الصورة من المؤكد انه مثير للقلق الألماني, وإذا كان يوجد للقلق الأوروبي أكثر من مبرر, فان تزايد موجات القلق والنقد لن يكون لها في مجملها افرازات ايجابية فحسب, فرصد الظاهرة في حد ذاته وتحذير الجماهير قد يؤتي ثماراً مؤقتة نتيجة اثارة المشاعر والتعاطف مع ساسة أوروبا ضد اليمين المتطرف, لكن الجانب الأكثر خطورة هو اثارة مشاعر التحدي لدى الجماهير في النمسا ومختلف الدول الأوروبية الأخرى, مما يؤدي إلى إلقاء المواطنين بأنفسهم في أحضان اليمين المتطرف أكثر من ذي قبل, كما ان المبالغة في ردود الفعل تؤدي إلى تنمية اليمين المتطرف وزيادة شعبيته ونشر أفكاره ـ بدون قصد بالطبع ـ مما يدفع مواطنين آخرين إلى الانتماء لهذه الأحزاب, والأصوب هو اتخاذ أسلوب التعتيم أو الصمت تجاه هذه الأحزاب من ناحية الرأي العام مع اتخاذ خطوات سياسية ملائمة لتحجيم نفوذه, وهو الأسلوب الذي نجح بالفعل في هولندا مع حزب الوسط الديمقراطي بزعامة (هانس يان مات) , والذي اتخذت معه السياسة الهولندية أسلوب (دوود سفايخين) , كما يقول الهولنديون أي القتل بالصمت والاهمال. * لكن هل يمكن توصيف المخاوف الأوروبية الحالية بوجود أسباب حقيقية لها أو مبررات من واقع الوضع في أوروبا؟ ـ تشير المعلومات الدقيقة التي وردت في عدة تقارير سرية عن التوجهات السياسية في أوروبا إلى ان اعطاء الناخبين أصواتهم للأحزاب اليمينية المتطرفة ليس بسبب انهم انصار حقيقيون لليمين المتطرف أو النازية, لكنه يأتي بنسبة تزيد على 70% نتيجة التعبير عن غضب أو خصومة مؤقتة مع الحكومة الموجودة بالسلطة, ولكن في الوقت نفسه لا يمكن انكار ان أوروبا تعاني من عدة عناصر هي في صالح الأحزاب اليمينية المتطرفة, وهذا ليس فقط بسبب كراهية الأجانب التي لا ننكر وجود رياح لها في أوروبا, لكن أيضا بسبب عدم اتخاذ الحكومات الأوروبية لمبادرات تهدف أولا إلى تحسين وضعية المهاجرين بشكل عملي, وثانيا إلى حث وسائل الاعلام الأوروبية بأن أوروبا ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مفيدة مع الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المهاجرون, وكذلك وجود أوروبيين في بلدان المهاجرين الأصلية وشركات أوروبية لها مصالحها بهدف عمل نوع من التوازن في الرأي العام الأوروبي, لذلك نجد ان المواطن الأوروبي مصاب بما يشبه مرض (الفوبيا) وهو التوجس والخوف الدائم من الأجانب, فالاوروبيون يخشون ان يحصل الأجانب على فرص العمل وعلى المساكن والأموال والمزايا..إلخ. أيضا تمرد الناخبين على الأحزاب الاشتراكية بسبب فشلها في تنفيذ وعودها الانتخابية السابقة من حل مشاكل البطالة, أو خفض الضرائب, وتحسين الأجور, والتأمينات الاجتماعية بصفة خاصة, كل ذلك يؤدي لتوجههم نحو اليمين المتطرف, الذي ينتهز هذه الفرص ليصب غضبه على الأجانب ليعلق عليهم التسببب في كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا, يضاف إلى ذلك فضائح الفساد التي تعاني منها الأحزاب الأخرى والحكومات الأوروبية, منها الفساد المالي للحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا, تفشي الرشوة في الحكومة الايطالية, عمليات الوساطة والمحسوبية في الادارة السياسية بالنمسا, كل هذا يستثمره اليمين المتطرف ويغذي به أسباب شعبيته, حيث يفقد الناخبون الثقة في الأحزاب الأخرى ويتجهون غصبا إلى اليمين المتطرف, ولا يقتصر هذا التأثير على المواطنين ذوي الثقافات والتعليم المنخفض, بل مما يؤسف له انه يؤثر على ذوي التعليم المتوسط والثقافة العالية, وتجدر الاشارة إلى توضيح وصف اليمين المتطرف حتى لايحدث التباس فمثلاً داخل الاحزاب اليمينية السياسية توجد تيارات تنتمي فقط لمجرد كراهيتها للاجانب, وتيارات اخرى لكراهيتها للتواجد اليهودي في اوروبا وسيطرتها على المسارت الرأسمالية الهامة, وتيارات فاشية جديدة, واخرى نازية, وقد تجتمع هذه التيارات كلها في بوتقة واحدة مع اختلاف الايديولوجيات ضد الاسلام مثلا, او تتحد في كراهيتها لليهود حينما تنتشر في وسائل الاعلام انباء التعويضات المالية الكبيرة التي تمنح لضحايا النازية من اليهود والذين هم في مجملهم اثرياء في الوقت الذي يعاني فيه الاوروبيون من الحاجة والبطالة, اضافة الى ان تصريحات رجالات السياسة على الملأ تختلف عما يحدث في الواقع وراء الكواليس, حيث تفتح الابواب لكل من يورج هايدر النمساوي والملياردير السويسري كريستوفر بروشر, والبلجيكي فليب دي فنتر, وهم زعماء لاحزاب يمينية متطرفة لهم نفوذ ومصالح اقتصادية تشترك فيها الحكومات الاوروبية. * ما هو مدى تواجد الاحزاب اليمينية في اوروبا ومساحة شعبيتها؟ ـ يوجد في اوروبا العديد من الاحزاب اليمينية المتطرفة, ولوحظ مؤخرا صعود بعضها بصورة تدعو للقلق الاوروبي بالفعل فمنها من حصل على 25% من اصوات الناخبين, وهي نسبة لايجب ان يستهان بها ووفقا لاحدث انتخابات برلمانية وهي: ـ حزب الحرية في النمسا بزعامة يورج هايدر وحظي بـ 27% من اصوات الناخبين. ـ الحزب القومي في ايطاليا 25% ويتزعمه (يونبيرتوبوسي) . ـ حزب الشعب في سويسرا 23% وزعيمه كريستوفر بروشر. ـ حزب فلامس بلوك في بلجيكا 15% زعيمه دانيال فريت. ـ حزب بالنرويج 15% يتزعمه (كاريل هاجين) . ـ حزب الجبهة القومية بفرنسا 15% وزعيمه (جان ـ ماري لوبان) . ـ حزب الشعب بالدنمارك 8% وزعيمه (بيا كجايرسجارد) . ـ توجد في المانيا ثلاثة احزاب يمينية متطرفة, الجمهوريون بزعامة (فرانس شنهوير) , والاتحادي الشعبي بزعامة جيرهارد فراي, والحزب القومي الالماني بزعامة اودو فوجيت, وقد حصلت الاحزاب الثلاثة على نسبة 3.5% من اصوات الناخبين. ـ حزب الوسط الديمقراطي في هولندا 0.6% بزعامة هانس يان مات. ـ الحزب القومي البريطاني بزعامة جون تايندل ولم يحصل على اي نسبة من الاصوات. ـ حزب فروزا نوزا في اسبانيا بزعامة (بلاس بينار) ولم يحصل على اصوات ايضا ومن هذا الرصد العملي نجد ان الاحزاب اليمينية موجودة ولها جانب لايغفل من الشعبية, لكن الامر المهم هو كيف تتعامل اوروبا مع هذا الوضع؟ وهل اسلوب الاثارة والتحريض هو الافضل ام اسلوب السياسة الهادىء واستمالة الناخبين هو الاصوب من خلال الوفاء بالوعود الانتخابية؟. * الا تشير ردود الفعل الاسرائيلية وتصعيد ردود الفعل الاوروبية الى وجود ضغوط من اللوبي اليهودي في اوروبا؟ ـ يجب ان نتناول هذه الجزئية بنوع من الموضوعية, لقد بدأ (هايدر) صعوده السياسي بصورة خاطئة باستثارة العداء من حوله خاصة تجاه اليهود فقد اعلن ان مصير اليهود في الحرب العالمية الثانية يعتبر جزءاً صغيرا من تاريخ الحرب ويمكن ان يحدث لأي شعب كما قلل من شأن ما تعرض له اليهود من اعمال اجرامية على ايدي النازيين ونحن هنا لسنا بصدد تقييم ما حدث لليهود من عدمه او مداه, ولكننا بصدد نهج سياسي لزعيم حزب من المفترض انه حصل على شعبية اهلته لان يشارك في حكومة دولة لها تاريخها خاصة مع اليهود مثل النمسا, لذلك في تصوري ان ردود الفعل اليهودية تعد طبيعية ضد (هايدر) في هذه الجزئية, ولو فرض مثلا ان هايدر اعلن ان ما يحدث للمسلمين من مآسٍ ومذابح هنا او هناك انما هو أمر هين ويعد جزءا صغيرا من تاريخ الدول, ألن يثور المجتمع الاسلامي وتتحرك دول اسلامية في ردود فعل غاضبة للتعبير عن رفضها لنهج هذا السياسي لذلك اعتبر ان انسحاب (ناتان ميرون) السفير الاسرائيلي بالنمسا وقرار عدد من الشركات اليهودية سحب اموالها من النمسا إنها ردود فعل لها اسبابها لكنني كأوروبي اعترف في الوقت ذاته ان ردود الفعل الاوروبية كان لاسرائيل دور جانبي وليس رئيسي فيها فقد اجرى ايهود باراك اتصالات مع زعماء ورؤساء حكومات دول الاتحاد الاوروبي الاربع عشرة واعرب لهم عن موقف اسرائيل الرافض لتصريحات هايدر, وعن اعتراضهم على اشتراك مثل هذا السياسي وحزبه في حكومة النمسا, ولكن كما قلت من قبل للمخاوف الاوروبية ما يبررها ضد اليمين المتطرف, ولا يمكن تعليق كل ردود الفعل الاوروبية في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع اسرائيل وعدم اثارة عداءات قديمة. أجرى الحوار: سعيد السبكي