المتابع لتطورات الأزمة النمساوية, ولكثير من الأحداث العالمية وخاصة آلام منطقة (الشرق الأوسط) قد يكتشف دون عناء كبير ان الحركة الصهيونية قد تغولت وتجاوزت كل الحدود في اللعب بمصير وخيارات الشعوب وان هذا الأمر بقدر ما أعطى اسرائيل والحركة الصهيونية من ورائها قوة غير عادية فإنه قد يشكل بوابة النهاية ويولد تلك الآلية التي تجعل السحر ينقلب على الساحر. فرغم ان أطرافا عديدة تبدو في واجهة الأحداث فيما يتعلق بأزمة النمسا السياسية, فلا يخفى على المراقبين المدققين ان الحركة الصهيونية واللوبيات القوية التي تمثلها هي المحرك الأساسي للعدائية التي لا تحاصر الآن النمسا وحدها, وانما تحاصر كل المحاولات الأوروبية الفكرية والسياسية للانعتاق من أسر (الأساطير اليهودية) وابتزازها, ومن أسر الهيمنة الأمريكية وتكاليفها, ومن أسر التناقضات الأوروبية التي تجهض محاولات الوحدة والانطلاق باتجاه جعل أوروبا الموحدة العملاق القوي القادر على منافسة الهيمنة الأمريكية على القرار العالمي. وهذا ما يفسر ردود الفعل الحادة لدى الرأي العام النمساوي على محاولات التدخل في شئونه من أي جهة جاء هذا التدخل, وصراحة بعض السياسيين النمساويين والأوروبيين في الاشارة إلى خصومهم الحقيقيين من الصهاينة رغم ادراكهم ان هذا الأمر ما زال يشكل مخاطرة تعرضهم لمشكلات تتعلق بتهمة (العداء للسامية) بالاضافة بالطبع إلى تحركات الأحزاب اليمينية الأوروبية وسعيها إلى مساندة بعضها واتجاهها إلى مزيد من التطرف في معاداة الأجانب والتمسك بهوية أوروبية (الكاثوليكية) تتجلى بوضوح في رفض تمدد الاتحاد الأوروبي شرقا باتجاه الكتلة الأرثوذكسية وتركيا. فما هي أبعاد الأزمة الراهنة, وما هي حدودها وتوقعاتها المستقبلية؟ ثلاثة في واحد إذا كان حزب (الحرية) اليميني بزعامة (يورج هايدر) قد حصل على حوالي ثلث أصوات الناخبين في النمسا مما أهله لدخول ائتلاف حكومي مع حزب الشعب المحافظ, فإن مضاعفات الأزمة النمساوية ومواقف الأطراف الخارجية التي اتسمت بكثير من عدم الكياسة والحساسية السياسية أدت إلى ارتفاع نسبة المؤيدين لمشاركة هذا الحزب في السلطة إلى حوالي 73% من عينة مثلت مختلف شرائح المجتمع النمساوي. وهذا ما يؤكد ان النمساويين ضاقوا ذرعا بالمحاولات غير المبررة لفرض الوصاية على خياراتهم الديمقراطية, وتحميلهم أوزار النازية واستنزافهم بالتالي سياسيا وأخلاقيا وماديا, وتحويلهم إلى ساحات اختبار وابتزاز لكل من اسرائيل والحركة الصهيونية من جهة, والأحزاب الأوروبية الاشتراكية القلقة على مصيرها من جهة أخرى, والولايات المتحدة التي تصر على حكم العالم من خلال تبخيس الآخرين واضعاف مكانتهم السياسية وقدراتهم وعناصر قوتهم من جهة أخرى. وقد شاء حظ النمسا, وظروفها البشرية والاقتصادية والجغرافية, ان تخوض اختبارين قاسيين من هذا النوع خلال أقل من عقدين من الزمن, مما ولد لدى شعبها ردود فعل مضادة ومشروعة يحاول من خلالها تأكيد احترامه لنفسه وسيادته على قراره وإبلاغ الجميع بأن النمسا بلد راشد وقوي ومتقدم وليس من السهل ولا المقبول العبث بمقدراته وحل مشكلات الآخرين على حسابه. وإذا كانت الأزمة الأولى في عام 1987 قد انتهت إلى شكل من أشكال الحل الوسط حين اختار كورت فالدهايم ان ينسحب من الميدان ويجنب شعبه معارك رد الاعتبار المرتبطة بشخص الرئيس, فإن الأزمة الراهنة عكست اصرارا نمساويا على دخول الشوط إلى مداه متسلحا بالثبات على الموقف والمعالجة الحكيمة معا. واستطاع هذا البلد بالفعل هذه المرة ان يحقق احترام شعبه لقراره وان يحافظ على تماسكه, وسرعان ما تراجعت المظاهرات الصاخبة المعادية للائتلاف الجديد في النمسا, وخرجت بالمقابل مظاهرات مضادة في باريس تقول: (اليوم النمسا وغدا فرنسا) , واضطر الاتحاد الأوروبي إلى فصل قضية علاقات بلدانه الثنائية مع النمسا عن عمل مؤسسات الاتحاد بحيث بدت العقوبات الأوروبية ضعيفة وباهتة وغير مؤثرة, وحتى الولايات المتحدة نفسها ظهرت وكأنها أكثر عقلانية واعتدالاً في ردود فعلها من أوروبا, كما عبر عن ذلك بوضوح السفير النمساوي في واشنطن, وحتى اسرائيل التي سحبت سفيرها بدت مترددة في خوض الشوط إلى مداه ومستعدة للوصول إلى حلول وسط. فهل أدركت الحركة الصهيونية كعادتها ان اصرارها على الاندفاع العدائي قد يولد ردود فعل معاكسة لا تستطيع تحمل نتائجها ليس فقط في النمسا وحدها وإنما في أوروبا والولايات المتحدة حيث بدأت قطاعات من المثقفين والناس العاديين تتساءل عن مدى النفوذ الصهيوني في بلدانها. صغير.. وقوي قد تبدو النمسا بالقياس إلى الدول الأوروبية الكبيرة مجرد بلد صغير, حيث لاتزيد مساحتها عن 84 ألف كيلومتر مربع, ولا يزيد عدد سكانها عن ثمانية ملايين نسمة, ولكنها تملك من عناصر القوة ما يفسر شدة الاهتمام بها على الصعيدين الأوروبي والعالم, فهي في موقع القلب من أوروبا, ومحاطة بإيطاليا وسويسرا وألمانيا وتشيكيا وسلوفاكيا وهنجاريا وتلك الدويلات التي كانت تشكل يوغسلافيا قبل ان تتحول إلى عدة جمهوريات, وتملك واحدا من أقوى الاقتصاديات الأوروبية وأعلاها مستوى تقنيا, فضلا عما هو معروف تاريخيا من مكانتها الحضارية والفنية والأدبية, حيث مثلت فيينا عاصمة الامبراطورية النمساوية ـ الهنجارية, وحققت من المكانة الحضارية الرفيعة ما هو شاهد على عظمة مكانتها وثرائها ورقي شعبها, ومثلت دائما كيانا بشرياً متماسكا حيث الغالبية العظمى من شعبها (اكثر من 99% ) هم من الالمان, وحيث تنفتح على المحيط الالماني الواسع في الدولة الام وتتماثل معه في معظم صفاته. ولعل ذلك كله من الاسباب التي جعلت النمسا لا تغيب ابدا عن اعين الصهيونية حيث ان السياسيين والمؤرخين اليهود والصهاينة اخذوا على النمسا انها بعد ان تعرضت لاحتلال هتلر اندمجت في المشروع السياسي للالمان ولذلك سعوا بكل الاساليب الى اخضاعها واستغلالها. كما ان (يورج هايدر) زعيم حزب الحرية اليميني كان قد تحدث اكثر من مرة على ان ما تعرض له اليهود خلال الحرب العالمية الثانية يعتبر جزءاً من تاريخ هذه الحرب التي قدمت كل الشعوب الاوروبية ضحايا هائلة وقودا لها, وقد فهم الصهاينة من ذلك ان هذا التوجه يساند تيارا آخذا في التوسع في النمسا والمانيا واوروبا يسعى الى التحرر من عقد الحرب العالمية الثانية, وتحديدا من عقدة الذنب تجاه (الهولوكست) الذي جعلت منه اسرائيل وسيلة ابتزاز مادي واخلاقي لكل الالمان, بل ولكل الاوروبين والامريكان, وارغمت الجميع من خلاله ليس فقط على فتح صنابير هائلة من الدعم العسكري والسياسي والمالي للكيان الصهيوني, وانما ايضا تحول الغرب كله بفعل الضغوط اليهودية الى أصم وابكم تجاه كل الجرائم الصهيونية ضد العرب والعقلية الاسرائيلية النازية التي لا تتورع عن التهديد بحرق بلد كامل مثل لبنان او ازالة عشرات التجمعات البشرية من خارطة فلسطين الاصلية, واستباحة الشعب العربي وارضه وارادته وحاضره ومستقبله. الماضي والمستقبل هذا كله يفسر العدائية الشديدة تجاه (هايدر) وتجاه النمسا, وتجاه كل صوت اوروبي او امريكي يحاول الانعتاق والتفكير الموضوعي في القضايا العالمية وفهمها على حقيقتها, لان تحرر العقول الغربية من الاسر اليهودي ـ الصهيوني يعني على المدى البعيد احتمال فقدان دولة الغصب والعدوان والتوسع الاسرائيلية في فلسطين لاهم اعمدة قوتها لتعود مجرد كيان غريب صغير ليس امامه من خيرات الا الاندماج بمحيطه العربي. وهذا المنطق هو الذي ادى الى ملاحقة (روجيه جارودي) في فرنسا لمجرد انه تجرأ على المناقشة الفكرية لثوابت القيود الصهيونية التي تكبل بها اوروبا. والنمسا نفهسا كانت قد تعرضت لمحنة سالفة ارتبطت بفترة رئاسة كورت فالدهايم عام ,1987 فقد كان كل ذنب فالدهايم انه اثناء عمله امينا عاما للامم المتحدة حاول ان يأخذ موقفا متوازنا من الصراع العربي ـ الصهيوني يمليه عليه منصبه الدولي الرفيع, وهذا ما ألب ضده الحركة الصهيونية العالمية وحليفتها الولايات المتحدة الامريكية. وهكذا سارع الصهاينة الى نبش الملفات وتزوير تاريخ شخصي للرجل جعلوه من خلاله ضابطا مسئولا في معسكرات اعتقال وتصفية الاسرى اثناء الحرب العالمية الثانية, وبالتالي جعلوا منه شريكا في (الهولوكوست) وسعوا لتوظيف ذلك في تحطيمه سياسيا ومنع انتخابه رئيسا للنمسا. لكن فالدهايم أصر في حينه على المقاومة قانونيا وسياسيا مما ساهم بتولد نتيجة عكسية ادت الى مزيد من التفاف الشعب النمساوي حوله, فعملت الحركة الصهيونية وامريكا الى ممارسة اعلى الضغوط ضد فالدهايم والنمسا معا في محاولة كانت واضحة لتركيع اوروبا بالضغط على ما تصوروه نقطة الضعف في قلبها. والآن يتم تكرار اللعبة نفسها حيث تهدف واشنطن الى منع تكون الاتحاد الاوروبي من نواته الكاثوليكية بدولها الاربعة عشرة, وتدفع الاتحاد الى الانشغال بشرق اوروبا وتركيا, وتفجر له الازمات المتوالية في البلقان وسواها من المواقع الحساسة, ثم تسعى الى القضاء على النزوع الاستقلالي لدى الاحزاب اليمينية والمحافظة لصالح الاحزاب الاشتراكية التي اثبتت انها اكثر ميلا للاطلسية واكثر تأثرا بالصهيونية وخضوعا لتوجهاتها, وهو ما يفسر تناغم حركة معظم الحكومات الاوروبية تجاه النمسا مع اسرائيل وواشنطن وان كانت قيود ومتطلبات السلطة قد حدت من جموح ردود فعلها وحصرتها في اطار محدود ضعيف الاثر الاستراتيجي على النمسا. وفي الختام من المهم ايضا ان لا تغيب عن الاذهان حقيقة ان الحركة الصهيونية هي ابنة مدارس التعصب والعنصرية الغربية واتجاهاتها الاستعمارية منذ نابليون وبلفور, وانها بها تمت ومنها استقت اساليبها الوحشية في التعامل مع الشعوب المقهورة. واذا كانت وثائق تاريخية عديدة من تلك التي سعت اسرائيل الى التعمية عليها تؤكد ان الحركة الصهيونية فضلت دائما اللعب على الحبلين بالنسبة لعلاقاتها بالدول العظمى والقوى السياسية الفاعلة, وقد تكررت هذه اللعبة مع الحكم النازي الالماني وبين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة, وهي تحدث الآن في النمسا نفسها ومع هايدر نفسه, فبينما كانت اسرائيل تسحب سفيرها وتؤلب واشنطن وكل عواصم اوروبا ضد هايدر كان هناك حاخامات يرسلون اليه رسالة دعم يحفظون من خلالها خط العودة معه, وقد نشر هايدر هذه الوثيقة بالفعل, بينما كان يحني رأسه للعاصفة ويعبر عن وده تجاه اليهود واستعداده لزيارة اسرائيل.