بعد الثورة اصبح الفريق اول محمد فوزي في الكلية الحربية في موقع كبير معلمي الكلية ثم مديرا لها وعلى يديه تخرجت دفعات كثيرة, وحمل فوزي قناعات هامة قام بإرسائها في قبول الطلاب بالكلية خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي والانتماء الطبقي للطلاب ويقول في هذا: كنت امنع أبناء الذين يمدون أيديهم وكانت هذه هي وجهة نظري الشخصية.. اما ابن الفلاح كنت أقبله فوراً, وكذلك ابن العامل لقناعتي بهذا الموضوع.. وجدت مثلاً ان جميع الشهداء الذين سقطوا سنة 56 هم اولاد الفلاحين والعمال وأولاد الضباط المتخرجين من الكلية الحربية.. وجاهدت حتى حصلت على الاحصاء واعطيته لجمال عبدالناصر شخصياً لكي أزيد قناعته اكثر واذكر يومها انه قال لي:(متخافش ده انا قائد على الفقراء أنا قائد للفقراء) . وحتى آخر يوم في حياته كان الفريق فوزي يعلن دائماً اعتزازه بفترة قيادته للكلية الحربية مشيراً الى ان اكثر ما يعتز به في هذه الفترة انها صنعت رجالا وكانت اول دفعة تخرجت على يديه في عام ,1955 واستمر على هذا النسق حتى عام ,1964 وفي السنين الاولى للدراسة كانت الدراسة 3 سنوات, ثم تحت الحاجة وظروف احتياجات القوات المسلحة تم تخفيض الدراسة الى سنتين ثم الى سنة ونصف. وعرف عن الفريق فوزي صراحته الشديدة في المعايير التي يتم القبول على اساسها طلاب الكلية الحربية.. ويروي فوزي في ذلك حكايات عديدة تتداخل فيها جوانب سياسية بعائلية لكنها تعطي دلالات كاشفة على صرامة الرجل فيما يخص ما هو عسكري.. يقول: جاء قريب كمال الدين حسين للالتحاق بالكلية وكان طولة اقصر بسنتيمترين عن المعيار المطلوب ولما كان هذا غير مطابق للشروط رفضنا التحاقه, فذهبوا الى جمال عبدالناصر يشكون مني فأحالهم الى عبدالحكيم عامر فاتصل بي تليفونياً.. وقال لي: ده ابن اخت كمال الدين حسين.. تيجي ازاي يعني, فقلت له: انا عارف ان كمال الدين حسين ده كمان مدفعية, وأنت كمان مشاة اقرب مني.. لكن القانون بيقول لأ.. فرد عبدالحكيم عامر: يا شيخ قانون ايه وبتاع ايه. قلت له المسألة بسيطة سيادتك عايزه يدخل تغير القانون.. فذهب لعبدالناصر الذي رفض التدخل, وظللت على موقفي. اما الجانب العائلي في هذه النقطة فيتمثل في رفض الفريق فوزي قبول ابن اخته الذي رسب في كشف الهيئة وكان هو بمثابة الأب له, حيث توفيت شقيقته اثناء ولادته, ونتيجة ذلك حدث خصام استمر لسنوات في العائلة بسبب شعاره:(القانون شيء والعائلة شيء آخر) . وعلى الرغم من هذه الصراحة في المعايير تميزت قيادة فوزي للكلية بسمات قيادية يسجل العديد من القيادات العسكرية اعجابهم الشديد به من خلالها.. ويقول اللواء عبدالمنعم خليل قائد الجيش الثاني في حرب اكتوبر 1973 كان محمد فوزي وهو مديراً للكلية مثلاً للقائد الحكيم الحازم في لين, القوي الأمين, ذي شخصية مبهرة وعلم ومعرفة, كما كان يتمتع بذاكرة قوية ومعرفة تامة بطلبة الكلية الذين كانت اعدادهم تزيد على الألفين من مختلف الجنسيات, المصري, السوري, السوداني واهتم بنواحي التعليم ومساعدات التدريب والتدريب العملي الواقعي في الاهتمام بنواحي التربية الرياضية ومختلف الالعاب الرياضية وركوب الخيل, والسباحة, وانشأ ميادين الرماية لمختلف الاسلحة بأنواعها كما كان يهتم باشراك طلبة الكلية في مناورات عسكرية مفيدة. ويتذكر اللواء عبدالمنعم خليل انه في اثناء العدوان الثلاثي على مصر في اكتوبر 56 تعرضت الكلية الحربية التي يقع مبناها الضخم غرب مطار الماظة الحربي الى غارات الطائرات الحربية, وسقط عدد كبير من قنابل الألف رطل على مبانيها, وفي ميادين التدريب بها, وقرر (الفريق فوزي) اخلاء الكلية حفاظاً على ارواح ابنائنا الطلبة وتم الاخلاء فعلاً الى مدينة أسيوط وبعد انتهاء العدوان الثلاثي اعاد الطلبة الى اماكنهم وانتظمت الدراسة. من الكلية الحربية, خرج فوزي ليتولى قيادة اركان القوات المسلحة عام 1964 وشاهد في هذه الفترة عن قرب الصراع الخفي بين جمال عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر.. ويقول فوزي في كتابه (الاعداد لمعركة التحرير 1967 ـ 1970) :(كان تعييني في مارس 64 رئيساً لهيئة اركان حرب القوات المسلحة خلفاً للفريق اول علي عامر مفاجأة شخصية لي وكان موقفي الموضوعي خلال ممارستي للمهمات الرمزية القليلة طوال مدة عملي بهذا المنصب غريباً, اذ انني لا اتذكر انني قمت خلال هذه الفترة بعمل ما في القوات المسلحة وكنت صابراً لثقة وأمل الرئيس عبدالناصر في شخصي من جهة ورغبة المشير عامر وحرصه على سحب مسئولياتي وسلطاتي من جهة اخرى, واذكر انه لم يبق من مهمات وظيفتي سوى تكرار الامر او التوجيه او التعليمات او تفسيرها او اعادة طبعها وتوزيعها على القوات المسلحة. أدى الصراع الخفي بين المشير عامر والزعيم جمال عبدالناصر الى نكسة 1967 وبعد خروج الجماهير العربية في 9 و10 يونيو 67 تطالب عبدالناصر بالبقاء والرجوع عن قرار تنحيه, كان اول قرار اتخذه عبدالناصر في سياق اعادة بناء القوات المسلحة.. هو تكليف الفريق اول محمد فوزي بقيادة الجيش واسناد مهمة وزارة الحربية له, ويشيد فوزي في مؤلفه:(الاعداد لمعركة التحرير) الى الاجتماع الذي جمعه بعبد الناصر في منزله بمنشية البكري, وتم فيه استعراض الموقف, وبعد عرض فوزي رؤيته, حدد له عبدالناصر خطوطاً رئيسية للعمل على المستويين السياسي والعسكري للمرحلة الجديدة وتمثلت في تسع نقاط كان ابرزها اعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية مجابهة العدو الاسرائيلي استكمال مستويات القيادة في القوات المسلحة وتشكيلاتها في الجبهة الانتهاء من زمن اعداد القوات المسلحة لتحرير الارض بما لا يزيد على ثلاث سنوات حتى لا تعطى الفرصة للعدو لتهويد سيناء. مضى الفريق فوزي في عملية اعادة بناء القوات المسلحة وتزامن معها اندلاع حرب الاستنزاف التي قادتها مصر ضد اسرائيل وارتبط اسمها باسم الفريق فوزي, ويعدد الفريق فوزي في مذكراته النتائج الهامة التي اسفرت عنها هذه الحرب من وجهة النظر العسكرية والسياسية والاستراتيجية. فمن الناحية العسكرية ساهمت في صقل خبرات المقاتل المصري, وعالجت آثار النكسة وحطمت جدار الخوف الذي لصق بالعسكرية المصرية منذ حرب ,48 حصول القوات المصرية على معلومات تكتيكية اكثر عن العدو, ومن الناحية السياسية برز التعاون الوثيق بين الشعب وقواته المسلحة لأول مرة.. ومن وجهة النظر الاستراتيجية احدثت الحرب انقلاباً في موازين القوة العسكرية وقلبت الخطط العسكرية رأسا على عقب, ودليل ذلك فشل تهديدها بالذراع الطويلة (الطيران) حيث لم ينجح امام حائط الصواريخ التي نجحت مصر في اقامته غرب القناة.. وحشرت اسرائيل في هذه الحرب 52 طائرة منها 18 طائرة تدمير. اما الدرس الشخصي الذي استخلصه لنفسه الفريق فوزي من هذه الحرب كما يقول: ان اعادة التنظيم والتسليح والتدريب والبناء للقوات المسلحة الجديدة عقب الهزيمة كانت اسهل بكثير من اعادة القيم والمثل التقليدية والخلقية لأفراد القوات المسلحة قادة وضباط وجنود. ان الصراع المسلح يستمر حياً ونشطاً طالما بقيت وترسخت ارادة القتال في الشعب وهو الوعاء الطبيعي للقوات المسلحة.