(ان اليهود لايهمهم غير المال) هكذا علق المحاضر السويسري كريستوف بلوخر وهو يلقي محاضرة امام 2000 مستمع بعنوان (سويسرا والحرب العالمية الثانية.. ايضاحات) في زيوريخ ـ اورليكون يوم الاول من مارس عام 1997 عندما انهمك الحاضرون في مناقشة اعادة كتابة التاريخ السويسري في ضوء مطالبة ممثلي الجالية اليهودية باستعادة تعويض اموال اليهود غير المسجلة حيث انبرى بوخر ليقول ان اليهود لايهمهم غير المال مؤكدا ذلك في القسم الرابع من محاضرته. بعد يوم واحد فقط من هذه المحاضرة صدرت مجلة (زونتاجز ـ بلكز) لترد بعنف على بلوخر بمقال حمل عنوان (بلوخر ضد اليهود والبنوك والمجلس الاتحادي) مركزة في الصفحة الاولى على عبارة بلوخر ومتخذة منها عنوانا رئيسيا. ولان بلوخر كغيره من الغربيين يعرف ماذا يعني ان تتهم بمعاداة اليهود ويدرك جيدا عواقب مثل هذه التهمة فقد اقام الدعوى لدى محكمة زيورخ ضد الجريدة بتهمة القذف, وحمل رئيس التحرير (ديترميتلر) كامل المسئولية عن المقالات, متهما اياه بتصويره كمعاد لليهود من خلال العنوان والاقوال المنسوبة زورا اليه, بمعنى انه قد ألصقت به تهمة معاداة السامية التي تصور اليهودي كانسان جشع لايعرف غير المال. وذكر بلوخر انه لم يصف اليهود كما هو مكتوب في الصحيفة, ولم يتحدث عنهم كطائفة او قومية وانما تحدث عن بعض المنظمات اليهودية التي لايهمها غير المال. محاولة بلوخر هذه لدفع التهمة عنه لم تكن مجدية اذ لم تقتنع المحكمة بتبريراته ورأت ان ميتلر بريء من تهمة القذف لان العناوين لم تسىء شخصيا الى بلوخر اذ ان عنوان (بلوخر ضد اليهود والبنوك) لايتعارض مع موقفه السياسي ممثلا في قوله ان مطالبة بعض المنظمات اليهودية (مخالفة للذوق العام ومخزية) وهكذا اوجد المحاضر السويسري نفسه بعين عشية وضحاها متهما بمعاداة السامية, وفي الوقت الذي حمل فيه اوراق دعواه الى المحكمة على امل الخروج من هذا المأزق الذي لايتمنى اي مفكر او سياسي او عالم غربي ان يجد نفسه برأت ديترميتلر من تهمة التعريض بالشرف الى عرض اسباب قرارها في تقرير من مئة وخمسين صفحة يحوي اقوال بلوخر التي يسيء فيها الى اليهود من وجهة نظر المحكمة ويصورهم في قالب الجشعين المتلهفين للمال, وجاء في قرار المحكمة ان بلوخر (لم يراع حساسية الموضوع رغم ضحايا المحارق البالغ عددهم ستة ملايين يهودي) . بلوخر ـ متشبثا بأمل يبدو كالسراب ـ تقدم بطلب استئناف للحكم, وليس مستغربا ان يسعى كل من اوقعه حظه في مأزق كهذا الى تبرئة ساحته وتوضيح موقفه قبل ان يصنف في خانة المعادين للسامية, ذلك ان معاداة السامية تهمة نجح اليهود في جعلها جريمة تقود صاحبها الى ساحات المحاكم, ملغين بذلك كل ما ينادي به الغرب من حرية الفكر والتعبير عن الرأي ومبادىء عدم التدخل في شئون الغير والديمقراطية التي يتشدقون بها. وهكذا تقدم لنا حالة بلوخر وامثاله المثل الصارخ على مدى تغلغل النفوذ اليهودي في اوروبا الى الدرجة التي تجعلها تتخلى عن الشعارات التي طالما نادت بها من اجل سواد عيون اليهود. وها هي (النمسا) تقدم لنا النموذج تلو الآخر في محاولة تحدي اليهود ونفوذهم بدءا من (برونوكرايسكي) اليهودي الذي تقلد منصب المستشارية فيها لمدة ثلاثة عشر عاما, وكان ميله الى تأييد المواقف العربية الفلسطينية نوعا ما في الجهود التي بذلها لا حلال السلام مدعاة لنفور الاسرائيليين منه واتخاذ مواقف عدائية تجاهه وصلت الى حدا اتهامه بنشر المبادىء المعادية للسامية وتشجيع هذه المشاعر لدى الجيل النمساوي الجديد. ثم جاء الدور بعد ذلك على الدكتور كورت فالدهايم الذي تولى المنصب خمس سنوات بعد تركه لمنصب الامين العام للامم المتحدة. وفي معركة تصفية حسابات لاتخفى على علم مدرك لاساليب اليهود وجهت الى فالدهايم تهمة حذف الجزء المتعلق بتاريخه النازي عندما كان ضابطا في البلقان من مذكراته, ورغم نفي المستشار النمساوي ذلك الا ان سيف معاداة السامية ظل مسلطا على رقبته حتى غادر كرسي المستشارية عام 1992. هذا السيف عاد ليظهر من جديد ويخطف ابصار العالم وهو يسلط قبل ايام على رقبة سياسي نمساوي آخر هو يورج هايدر زعيم حزب (الحرية) الذي نجح في احتلال 52 مقعدا من اصل 183 مقعدا في البرلمان النمساوي محققا نسبة 27 في المئة في الانتخابات التي جرت في الثالث من اكتوبر الماضي. ورغم ان وصول هايدر وحزبه الى السلطة متحالفا مع حزب (الشعب) قد جاء برغبة شعبية خالصة وبانتخابات لم تشبها شبهة التزوير الا ان مواقف سابقة سجلت على هايدر نتيجة تشكيكه بالجرائم التي ارتكبت ضد اليهود ابان الحرب العالمية الثانية اشعلت ثورة اوروبية عارمة على هايدر وحزبه وصلت الى فرض دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة عزلة على النمسا وسحب اسرائيل لسفيرها من فيينا والتهديد باجراءات تصعيدية لم تكشفها ولم يفلح اعتذار هايدر عن تصريحاته السابقة في تهدئة ردود الفعل الامريكية الاوروبية الاسرائيلية المتشنجة. اسرائيل ويهود العالم سجلوا بوقفتهم هذه ضد هايدر وحزبه موقفا مبدئيا, ولم يحيدوا عن نهج مازالوا يسيرون عليه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية باستثمار نتائج الحرب واستغلال قصة المحرقة المزعومة او المبالغ في عدد ضحاياها على الاقل, اما نحن العرب فقد وقفنا كالعادة نتفرج على ما يحدث على المسرح الاوروبي رغم ان لهايدر موقفا عدائيا من العرب المهاجرين لا يقل عن موقفه من اليهود ان لم يكن أكثر عدائية, ففي الوقت الذي يؤسس فيه موقفه من اليهود على الماضي نجده يتخذ موقفه من العرب من الحاضر حيث يتهمهم (بنزع اللقمة من افواهنا) على حد تعبيره. وهو الموقف نفسه الذي تتخذه جميع الاحزاب اليمينية المتطرفة في اوروبا من العرب واليهود. الشاهد فيما يحدث في (النمسا) الآن وهو يستدعي للذاكرة مواقف كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هو ان اليهود لم يتركوا بابا الا وطرقوه بحثا عن مناصرة ولو كانت ضئيلة لباطلهم, ولم يفوتوا مناسبة أيا كان نوعها الا وقرعوا فيها اجراسهم واوقدوا شموعهم ورفعوا عقيرتهم مرددين دعاواهم وأكاذيبهم. لا يكفيهم انهم يسيطرون على مراكز المال والاقتصاد في العالم, ولا يرضي غرورهم انهم يتحكمون بمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة واوروبا, ولا يجعلهم يركنون الى الدعة انهم يهيمنون على وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ويفرضون كتابة التاريخ حسب أهوائهم وعلى النحو الذي يخدم اهدافهم, وكلما كسبوا شبرا اشرأبت اعناقهم الى الذراع الذي يليه, لا يحد أطماعهم سقف ولا يلوح بجشعهم افق. هذه السياسة الصهيونية المدروسة وهذه الخطة اليهودية المنظمة كانت لها ثمار تجاوزت المواقف الحكومية الرسمية المناصرة لاسرائيل واليهود الى خلق جيل من الاوروبيين حملوا عقدة الذنب ومضوا يسعون بشتى الطرق الى التكفير عما رسخته الصهيونية في عقولهم, ووجدانهم من جرائم ارتكبها النازيون في حق اليهود. ولا أدل على ذلك من سعي العديد من الشبان والشابات الالمان للحصول على الجنسية الاسرائيلية بهدف ان يصبحوا يهودا, وهم يدرسون التوراة بحماسة متقيدين بالتعاليم الاشد تعصبا. عن هؤلاء تقول (بريام شلو لسبارج) المسئولة عن احد البرامج التعليمية المخصصة لهم: (الاهداف الحقيقية التي من اجلها يريدون ان يصبحوا يهودا غير واضحة, ولعلهم يرغبون في التخلص من عقدة الذنب التي تلاحقهم جيلا بعد جيل منذ الحرب العالمية الثانية. غير ان المحير هو ان علاقتهم بما حدث بعيدة جدا) . (اينات زالبا) فتاة المانية اصبحت يهودية عام 1984 وعملت في احد المراكز الاجتماعية لمدة ثمانية عشر عاما, وهي تقول: (هناك جزء كبير من تاريخي احس تجاهه بالخجل) اما (دوريس باك) فهي المانية اخرى في السادسة والثلاثين من عمرها اصبحت يهودية مع ستة من الالمان الاخرين, وهي تعيش الآن في القدس وتحرص على ان تقدم اعتذاراتها لبعض ضحايا الهولوكوست الذين مازالوا على قيد الحياة كما أنها تساعد احد هؤلاء الضحايا في الحصول على تعويضات من الحكومة الالمانية. وتقف الشابة الالمانية الشقراء ذات العينين الزرقاوين الواسعتين (الين) في طابور الانتظار لموعد الاختبار الشفوي الذي ستخضع له لتصبح يهودية, وهي تقول انها منذ سن مبكرة احست بأنها يهودية, ومنذ قدومها لاسرائيل في خريف 1996 بهدف قضاء ستة اشهر لم تغادر البلاد الا مرتين فقط, وفي المرتين احست بحنين جارف الى العودة. وتضيف: (كانت اسرائيل حاضرة دائما في فكري وفي وجداني حتى انني فكرت انني سأجن اذا لم اعد اليها) . وتتساءل وهي تلعب بنجمة داود التي تتدلى على صدرها: (ماذا تمثل هذه البلاد بالنسبة لمسيحية المانية مثلي انا؟! يجيب عن تساؤلها الاف الشبان الالمان الذين يأتون للعمل في (الكيبوتزات) الاسرائيلية متطوعين, يقول أحدهم ويدعى (داجمار نيتشه) لقد ارتكب الالمان جريمة شنيعة ضد اليهود, وكان المسيح نفسه يهوديا) . نعود مرة اخرى لدوريس باك الالمانية التي تهودت لنستمع اليها وهي تقول انها قد صوتت لبنيامين نتانياهو وللحزب القومي الديني احد اكثر الاحزاب اليمينية تطرفا في اسرائيل. وتظهر دوريس تبرما واضحا من سياسة باراك وتقول: (العرب لن يقيموا السلام ابدا مع اسرائيل, انهم لا يريدون شيئا غير قتلنا جميعا نحن اليهود) . تلك هي نتائج الفكرة التي نجح اليهود في تسويقها رسميا وشعبيا, فأثمرت مواقف حكومية خارجية مؤيدة للسياسة الصهيونية الاسرائيلية التوسعية, وضغوطا داخلية شعبية لتشكل رأيا عاما يضع به الناخبون مرشحي احزابهم على مقاعد البرلمان ومن ثم كراسي الحكم, لتكتمل الدائرة وتضيق الحلقة على كل من يحاول الخروج على النص او يتطلع الى استنشاق هواء غير ذلك المشبع بأنفاس اليهود, الملوث بسمومهم, المختوم بنجمة داود التي مازالت تتدلى على صدر تلك الشقراء الالمانية (الين) الواقفة في طابور الانتظار حتى تفتح لها ابواب (الفردوس الموعود).