في أسرة عسكرية.. ولد الفريق أول محمد فوزي يوم 15 مارس عام 1915, لأب ضابط بالجيش خرج الى الاستيداع لأسباب يرويها فوزي نفسه قائلا: (كان أبي ضابطا بالجيش يكره الانجليز, وخرج الى الاستيداع بعد حادثة فيها اهانة لي ايضا, كان أبي ضابطا نوبتجيا في الخرطوم وجاء القومندان الانجليزي بعد الظهر وبصحبته زوجته يريدان اثنين من الخيول, وقال القومندان لأبويا أمين أفندي امسك بالركاب للست.. ثار أبويا.. وقال له: ست يا بن الكلب ده انا اقدر اجيب اربعة) .. ويمضي فوزي في رواية الحكاية عن والده مضيفا: (على كوبري أم درمان شوهد ضابط مصري (أبي) يمسك سيفه ويجري وراء القومندان الانجليزي الذي يركب الحصان ثم ألقى بالسيف و سار على قدميه يريد ان يضربه.. وانتهت المسألة باحالته الى الاستيداع, وبعد ذلك عاد وتوفي بكباشيا (رتبة نقيب حاليا)) . لم يكن والد الفريق أول محمد فوزي هو الأول من سلالة العائلة ضابطا في الجيش, وانما كان الجد ايضا ضابطا ذهب الى حملة اكس, ويقول الفريق فوزي: (السيرة كلها في العائلة ان جدي لم يعد من السودان.. وان جدتي وقعت تحت طائلة النصابين ممن يقولون لها انه في بحر الغزال أو في المكان الفلاني وكانت تعطي النقود للدجالين بحثا عن جدي) . هذه الخلفية في حياة الفريق أول محمد فوزي يتشابك فيها توارث الاجيال في العائلة عسكريا, وكذلك توارثها في كره الانجليزي, وتأسيسا على ذلك كما يقول فوزي كانت كلمة الوطنية عنده قبل الثورة تعني (مقاومة الانجليز) ولهذا اشتركت في المظاهرات اعوام 34 و35 و36 ضد الانجليز واشتركت كشاب صغير في ضربهم, كما شاركت في اعمال لا يجوز ان يتحدث الانسان فيها عن نفسه.. لكن هي اعمال خطر مخالفة للقانون, كان هذا شعورا وطنيا جارفا لدى المصريين جميعا. ارتبط اسم الفريق أول محمد فوزي بسلاح المدفعية المضادة للطائرات منذ انخراطه في صفوف الجيش المصري.. وفي الحرب العالمية الثانية كان فوزي ضابطا في هذا السلاح في الاسكندرية, وسجل وزملاؤه بطولات قوية اسفرت عن نتائج هامة حيث كان لعناصر الدفاع المضادة للطائرات فضل كبير في المعاونة في حماية سماء الاسكندرية بالاشتراك مع عناصر بطاريات الأنوار الكاشفة التي كانت تبحث عن طائرات المحور في السماء, وتسلط عليها الاضواء تمهيدا لاصطيادها بدبابات المدفعية المضادة للطائرات.. حتى جاءت بطولاته في حرب 1948. يروي الفريق فوزي جانبا من ذكرياته عن مشاركته في حرب 1948.. تلك الحرب التي كانت المحطة الأولى نحو بناء جمال عبدالناصر لتنظيم الضباط الاحرار الذي قاد ثورة يوليو 1952.. وكان فوزي احد افراده.. يقول فوزي: (كان نصيبي في حرب 1948 مستعمرة اخذتها كهدف تدريبي اتضرب عليه.. اراد العدو الانتقام من مصدر هذه النيران بتدميره, فأخرجوا دورية مقاتلة قوامها 30 فردا عبرت داخل اسلاك حديقة برتقال الى جنوب المكتب حيث كنا معسكرين, وهجموا على الموقع الذي كنت موجودا فيه, وكانوا يقصدونني بالذات.. هنا تبين لي ان دقة المعلومات الموجودة عن اليهود تأتي بوسائل مختلفة ونتيجة تسرب المعلومات عن فلان وعن فلان, ولقد أنقذنا الله وقمنا بعملية تلقائية من غير معلومات, حيث صرخت بأعلى صوتي في الأطقم (عمَّر.. اضرب الهدف) كنت اقول هذا دون ان اعرف.. على ماذا اضرب ولكنها نجحت, واستشهد منا نحو 13.. خسرناهم فعلا.. كانوا قد دخلوا من السلك بعد ان قطعوه بالاوكسجين واقتربوا من الموقع وكل فرد منهم مربوط بالحبل) . هذه العملية لفتت نظر الضباط الاحرار الموجودين في فلسطين ومنهم جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين, وصلاح سالم, وكمال الدين حسين, وهؤلاء كانوا زملاء الفريق أول محمد فوزي في الكلية الحربية.. كما لفت نظرهم ايضا الكفاءة الميدانية في حصار الفالوجا وكان عبدالناصر واحدا من الجنود والضباط في هذا الحصار. ويروي الفريق فوزي جانبا من هذا: عندما حوصرت الفالوجا جاءني امر بالانسحاب الى غزة على ان احرك مدافعي, فلم اقبل ان اعود الى غزة وأترك المدافع, مزقت امر الانسحاب, وقمنا بعملية تكتب في التاريخ, وهي سحب اربعة مدافع وزن كل واحد منها نحو 9.5 أطنان فوق رمال الشاطىء لمسافة 13 كيلومترا الى غزة, كنا نأخذ المدفع ونرفع الماسورة والقاعدة, وتربط بأربعة حبال متينة من حبال البحارة الكبار كل حبل عليه جندي أي 400 جندي على المدفع الواحد وأنا في مقدمتهم.. واستغرقت هذه العملية اربع ليال.. كل ليلة يتم فيها نقل مدفع.. وكان الطريق مزروعا بالألغام التي وضعها اليهود مما ادى الى اصابة جندي, واستشهاد آخر, وكان نصيبي شظية دخلت في اذني, اصبت على اثرها بإغماء وتم نقلي بواسطة عبدالتواب غنيم, وأبوالفضل الجيزاوي الى القيادة في غزة, ثم ذهبت لآخذ حماما عند محمود رياض, وكان مسئولا عن المخابرات وأعطاني الله عمرا جديدا حيث تمكن رياض من انقاذي. عاد محمد فوزي من حرب 48 بعد ان شاعت بطولاته, ويقول فوزي: (بعد كل ما حدث وضع جمال عبدالناصر عيناه عليّ منذ تلك الايام..) وفور عودته من فلسطين تم تعيينه قائد سرية طلبة في الكلية الحربية.. وأصبح طالبا في كلية اركان حرب في الجامعة في دفعة شملت عددا من القيادات السياسية فيما بعد مثل شعراوي جمعة وزير داخلية مصر في الستينيات, وفي هذه الكلية كان جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين وكمال الدين حسين يقومون بالتدريس في الكلية. بعد عودة الجيش المصري من فلسطين, والهزيمة المرة التي منيت بها الجيوش العربية على يد اسرائيل.. رأى عبدالناصر كما قال في فلسفة الثورة: (تأكدت ان تحرير فلسطين يبدأ من القاهرة..) في اشارة منه الى ضرورة وضع حد لحكم الملك الفاسد, واستمرار تواجد الاحتلال الانجليزي, وتأسيسا على ذلك قام عبدالناصر بتأسيس تنظيم الضباط الاحرار.. فأين كان الفريق أول محمد فوزي منه؟ فكرتي عن الحركة والتنظيم كانت موجودة, تصلني منشورات وأشارك في طبعها بالفلوس.. كانت الاحداث تدفع باتجاه الثورة.. وأنا على صلة بزكريا محيي الدين وجمال عبدالناصر.. في زيارات متقطعة وصباح يوم الثورة كنت اسكن في منشية البكري, فذهبت الى الكلية الحربية والى القيادة وقد تمت الثورة, واشتركت في تأمينها وأمضيت يوما في حراسة قصر, ثم نصف يوم على موقع 53 في طريق السويس.