راجت في الكويت توقعات برلمانية وصحفية بقرب تعديل وزاري محدود يشمل ما بين اربعة الى خمسة مناصب وزارية بديلاً عن استقالة الحكومة بكاملها, واضطرار الحكومة الجديدة الى تقديم برنامج عمل جديد الى مجلس الأمة الكويتي. واستقبل البرلمان الاستقالة الجماعية للوزراء بترحيب شديد, باعتبار انها حتمية ونتيجة لأسلوب العمل الحكومي الموصوف برلمانياً بالتناقض وغياب التنسيق. وحدد النواب مطالبهم بأن تشمل التشكيلة الحكومية الجديدة وزراء قادرين اكفاء على التعامل مع البرلمان, الذي يفتخرون بأنه الاقوى في تاريخ الحياة البرلمانية الكويتية. وذكرت مصادر وزارية ان الشيخ سعد العبدالله ولي العهد ورئيس الحكومة ابدى رغبته في الاستقالة خلال انتقال الوزراء الى منزله في غياب النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد الذي لم يحضر جلسة مجلس الامة لأسباب صحية. وذكرت مصادر وزارية ان الشيخ سعد ابلغ الى الوزراء خلال الاجتماع استياءه من بعض الكلمات التي قيلت خلال الجلسة والاوصاف التي نعتت بها الحكومة ورغبته في الاستقالة, الا ان الوزراء اقترحوا على الشيخ سعد بدلاً من ذلك ان يضعوا استقالاتهم في تصرفه, وبالفعل, وقع جميع الوزراء الحاضرين على ورقة واحدة يعلنون فيها وضعهم استقالاتهم في تصرفه. ونقل اعضاء في لجنة الشئون الخارجية في مجلس الامة عن الشيخ صباح على اثر اجتماعهم معه تأكيده ان الوزراء وضعوا استقالاتهم في تصرف الشيخ سعد, لكنه حرص على ان يؤكد ان الشيخ سعد لم يقدم استقالته, وكان لافتاً قول الشيخ صباح لزواره ان الامر لا يعدو كونه (زوبعة في فنجان) . ولاحظ اعضاء اللجنة ان الشيخ صباح (بدا منزعجاً مما حصل ومما دار خلال جلسة مجلس الامة تحديداً) وافادوا انه (ابدى عتبه على طريقة طرح الموضوع في المجلس) واكد انه لو كان حاضراً (لما حصل ما حصل) , واكد للنواب استعداده (لحل اي موضوع ونمد ايدينا للتعاون من اجل مصلحة الكويت) . وتساءل:(اذا حلت الحكومة فأين نجد اشخاصاً يتحملون الضغط الذي يواجههم من المجلس والشارع في آن واحد) . وتوقعت مصادر مطلعة ان يقدم الشيخ سعد على الخطوة التالية السبت, وهي واحدة من اثنتين: اما ان يقدم استقالات الوزراء مرفقة باستقالته, او ان يقبل استقالات بعض الوزراء ويجري تعديلاً وتدويراً في صفوف حكومته ورجحت هذه المصادر الخيار الثاني اذ يجنب الحكومة اعداد برنامج جديد. ورأت هذه المصادر جلسة مجلس الامة كانت بمثابة ذريعة للاقدام على الهزة الحكومية التي يجري الحديث عنها منذ مدة, وخصوصاً ان احداث اليومين الاخيرين اظهرت عدم انسجام داخل الحكومة عكسه تعاطيها مع موضوع نشر (السياسة) و(الوطن) خبراً مختلقاً عن زيادة رواتب العسكريين. وبدا عدم الانسجام وغياب التنسيق في جلسة البرلمان اذ اصر الوزراء الحاضرون, بازاء انتقادات النواب, على ان لا قراراً حكومياً في شأن الصحيفتين, لكن امر الامير بالغاء الاجراءات في حق الصحيفتين جاء ليوقع في حرج وتناقض, برره وزير الاعلام سعد بن طفلة بأن (مجلس الوزراء طرح خيارات حول الاجراءات التي ستتخذ في حق الجريدتين, والآراء تباينت, وعندها رفعت الآراء بموجب 152 الى الامير لكن الوزير نفسه كان قال في بداية الجلسة ان قرار اغلاق الصحيفتين (ليس واقعياً بل تكهنات) . ووصف النواب ما تردد عن سحب ترخيص (السياسة) وتوقيف (الوطن) سنتين ثم عن توقيف الاولى ثلاثة اشهر والثانية شهرا واحداً بأنه (تصرف مجنون) يدفع البلد الى الهاوية) كان وراءه (شخص مريض) وطالب عدد منهم وخصوصاً احمد الربعي وسامي المنيس واحمد السعدون ومحمد الصقر وسيد حسين القلاف وسواهم بتطبيق المادة 102 من الدستور واعلان عدم التعاون مع الحكومة, في حين طالب آخرون الحكومة بالرحيل والوزراء بالاستقالة. وحمل عدد من النواب بشدة على حضور وزير النفط والمالية السابق علي الخليفة الصباح اجتماع اللجنة الوزارية الاقتصادية رغم انه محال على محكمة الوزراء للتحقيق معه في قضية الاختلاسات من شركة ناقلات النفط باعتبار ان واقعة الاختلاسات قد حدثت ابان توليه حقيبة وزارة النفط. وانتقد النواب دعوته للمشاركة في اصلاح المسار الاقتصادي, وادخاله في عضوية اللجنة الاقتصادية, ووجه النائب عبدالله النيباري سؤالاً برلمانياً في هذا الشأن متسائلاً:(بأي صفة تمت دعوة علي الخليفة لذلك الاجتماع وما الحكمة من دعوته الى اجتماع لمعالجة المصاعب الاقتصادية التي تواجهها البلد) ؟ وتعليقاً على ما دار قال رئيس مجلس الامة جاسم الخرافي ان (كل ما في الامر انه كان هناك تداول لدى الحكومة حول التعامل مع الصحف ولم يكن هناك اتجاه محدد للقرارات التي يطمحون الى الوصول اليها) , مشيراً الى انه ابدى ملاحظاته فيما يتعلق بالقرارات المختلفة التي كانت مطروحة على اعضاء الحكومة و(لا نعرف ماذا تم التوصل اليه) . وعن موقف مجلس الامة الحازم ازاء القرارات التي اتخذت من قبل الحكومة ضد الصحافة ولم تعلن قال الخرافي: (لا احب اسلوب التهديد والوعيد وهو ليس الاسلوب الكويتي المعتاد, نحن كلنا, مجلساً وحكومة نبحث عن المصلحة العامة وعلينا ان نتحاور ونتحادث ونبحث عما هو انسب للكويت واهل الكويت وسمعة الكويت ومن خلال الهدف الواحد انا لا اعتقد اننا نختلف في كيفية الوصول الى هذا الهدف السامي الذي كلنا نسعى اليه) . واضاف: (يجب الا يكون هناك تهديدات من الحكومة للمجلس او من المجلس للحكومة) . واشار الى ان المادة 35 محل الخلاف لا تزال تنظر في اللجنة التعليمية في المجلس مؤكداً انه واثق بأنه سيتم التوصل الى (ما فيه خير ومصلحة الكويت) , وقال (سنعالج موضوع المادة 35 لأنه اذا عولجت واتفقنا جميعاً ان يحال كل ذلك على السلطة القضائية فالكل يرتاح, الحكومة ترتاح من عدم انزعاج في تقرير الفترات والتدقيق والاستعجال في القرار وايضاً الصحافة ترتاح لأن في النهاية سيكون القرار للسلطة القضائية التي الكل يعرفها ويثق بها) . في غضون ذلك, افرجت السلطات الأمنية الكويتية امس عن مدير تحرير جريدة (السياسة) الزميل شوكت الحكيم الذي كان محتجزاً لديها منذ يوم الاحد الماضي للتحقيق معه في ملابسات الخبر الذي نشرته صحيفة (السياسة) حول المرسوم الاميري المختلق. وعلى صعيد مواقف النواب قال النائب مبارك صنيدح العجمي: ان تقديم الوزراء استقالاتهم هو افضل ما يمكن ان يقوموا به حفاظاً لماء وجوههم, مؤكداً ان الوضع كان يستلزم التغيير منذ تشكيل هذه الوزارة التي لم تستطع مجابهة المجلس والتعامل معه. ونفى صنيدح ان تكون هناك اي تحركات للنواب من قبيلة العجمان لدعم د. سعد بن طفلة والابقاء عليه في الحكومة, وقال انني اطالب بتغيير جميع الوجوه والاتيان بوجوه قوية قادرة على التعامل والتخطيط ووضع القرار وتنفيذه. وكذلك رحب النائب د. ناصر الصائغ بهذه الاستقالة وقال ان الاسباب وراءها تناقض العمل الوزاري وتذبذب القرار الحكومي وضياع المسئولية لدرجة عدم التنسيق. واضاف ان احداث الايام الاخيرة كانت تشير الى هذه النتيجة مشيراً الى التحفظ النيابي على بعض الوجوه في الحكومة المشكلة مع بداية الفصل التشريعي الحالي. واضاف الصانع ان تعيين الوزراء حق للأمير ولا نملك منه شيئاً الا اننا نتمنى ان يأتي التشكيل الوزاري الجديد على ضوء سلبيات سلفه لمعالجتها. ومن جانبه, اكد النائب حسين مزيد ان مثل هذا الامر كان متوقعاً بل ومطلوباً لاستمرار تسيير الحياة السياسية في الكويت والتي وقفت الوزارة حجر عثرة في طريقها بما عملت به من عدم تنسيق وتوافق في العمل الوزاري وصل الى حد الحضور الى مجلس الامة دون تنسيق مسبق على جدول الاعمال وما يحمل من مشاريع. واضاف مزيد اننا نتطلع الى وزارة لها من القوة ما يؤهلها للتعامل مع مجلس الامة الذي هو الاقوى في الحياة البرلمانية, بل وان تكون لها من الصلاحيات ما يؤهل وزراءها للعمل والتخطيط والتنفيذ وفقاً لتشريعات مجلس الامة مصدر التشريعات, اما النائب فيصل الشايع فقال: ان جلسة الثلاثاء قد كشفت آخر ما تبقى مما يغطي ضعف الوزارة الامر الذي يتحتم معه تقديم الاستقالة. واضاف ان الوزارة تحتوي بين وزرائها من هم اكفاء الا انها بحاجة لمزيد من التنسيق والتطعيم بوجوه جديدة قادرة على العمل والتعاون مع مجلس الامة. واختتم الشايع بأن هذه الاستقالة كانت متوقعة حيث لوحظ تناقض الوزراء في عملهم تحت قبة البرلمان, مشيراً الى دور النواب في حسم هذا الامر من خلال جلسة اتسمت بالدفاع عن الحريات الصحفية. الكويت ـ أنور الياسين