اقتربت ساعة الحسم الديمقراطي للصراع بين المحافظين والاصلاحيين في ايران, وبطريقة ستلجم اي نزعة للجموح وتجاوز ارادة الناخب الايراني, فمثلما انصاع الجميع ـ وهذه حسنة لا تنكر للجميع ـ لكلمة صناديق الانتخاب المفاجئة والساحقة يفوز الرئيس محمد خاتمي على خصمه العنيد القوي المستريح لقوة المحافظين وبأغلبية كاسحة, فمن المتوقع ان يتوافق الهرم السياسي الايراني على المضي قدماً على المسار الانتخابي, واحترام الارادة الشعبية. ففي ايران, تجري حالياً معركة عنيفة, اشد شراسة من معارك القنابل والرصاص والقذائف, واكثر حسماً وتحديداً للمسار الذي ستختاره ايران في المستقبل. فالمعركة الجارية في ايران أدواتها الافكار ضد الرصاص, البرامج الانتخابية التي تلخص مطالب وطموحات الشعب الايراني والنخب المثقفة والسياسية, التي تدعي انها تمثله او الأحق بتمثيله وحكمه طبعاً. ولخطورة قرار الحسم الانتخابي يترقب الجميع في ايران بعد غد الجمعة 18 فبراير وعيونهم على صناديق الانتخاب, فالاصلاحيون الذين يشكلون كتلة سياسية غير متجانسة متعددة الالوان, والمشارب, ولكنهم ملتفون حول هدف مشترك يتمثل في تخطي العقبات الكؤود التي تعترض المشروع الاصلاحي لتجديد ايران وتغيير هيكلية حكمها وتجسير الفجوة بين رجل الشارع والحكام, هؤلاء الاصلاحيون تنقطع انفاسهم في الماراثون الانتخابي, لانتزاع الاغلبية من خصومهم المحافظين المسيطرين على مجلس الشورى, وفتح الطريق المغلق امام عربة الاصلاح المنطلقة منذ فوز خاتمي بالرئاسة على مسار متعرج ما بين الهبوط والصعود, وببطء شديد. اما المحافظون المسيطرون على المفاصل الحيوية للسلطة التشريعية والسلطة القضائية, فيعضون على نواجذهم, ويضعون ايديهم على قلوبهم خشية ان ينتزع منهم الاصلاحيون زمام المبادرة. وما بين الاصلاحيين والمحافظين يقف الشارع الايراني بقواه الاجتماعية المختلفة ليقول كلمته الحاسمة امام صناديق الانتخابات البرلمانية الاولى في ظل رئاسة خاتمي. وفي ساحة المعركة الانتخابية تتحول البرامج والقضايا الى ذخيرة حية للمتصارعين على كسب ثقة الناخب, وفي ايران تحددت البرامج وطرحت القضايا مبكراً لتشكل تحدياً لقدرة المرشحين على حسم مواقفهم مع من وضد من. ولخطورة هذا الموقف الاستثنائي الذي تشكلت برامجه الانتخابية على ارض الشارع والواقع حذر الجنرال رحيم صفوي قائد الحرس الثوري والموالي للمحافظين من انقلاب ديمقراطي يتم التحضير له بأيدي الاصلاحيين معبراً عن خوف حقيقي وربما غير مشروع من نتائج الانتخابات. من المسئول الحقيقي؟ ووسط ضجة الشعارات والقوائم الانتخابية واللافتات والبيانات, يثور سؤال حقيقي ومحرج للمحافظين الذين فوجئوا بأن ملف الاغتيالات ما زال مفتوحاً, واعيد طرحه ليكون على رأس أجندة انتخابات مجلس الشورى, ففي اعادة فتح ملف اغتيالات المثقفين الايرانيين الاربعة, بخلاف 80 آخرين تحدث اتحاد كتاب ايران عنهم, سيصيب حملة المحافظين للفوز بالأغلبية البرلمانية في مقتل, وسيضع ظهرهم الى الحائط, في محاولة يائسة للدفاع والتهرب من المسئولية, وهي ستقود حتماً الى فقدان ثقة الرأي العام. وتكمن خطورة فتح ملف اغتيالات المثقفين في تداعياته, واتساع دائرة كشف المستور من انتهاكات قيادات استخباراتية وعسكرية وأمنية, وربما تقود الى اقتحام سراديب يختبئ فيها صانعو القرار في هذه الجرائم, والذين لم يكشف عنهم حتى الآن. واللافت ان مساحة كشف المستور في جرائم اغتيالات المثقفين كانت هي المهماز الذي حرك ضمير الرأي العام الايراني, واجبرت صيحاته الغاضبة المحافظين على الصمت, ففي البداية تبددت سحابة الدخان التي نسبت الاغتيالات الى متآمرين عملاء للشيطان الاكبر والصهيونية وحتى عصابة المنافقين, وهي المشجب المفضل للتهرب دائماً من اي مسئولية, ومع كشف صحيفة (خرداد) عن الوقائع, فتحت التحقيقات, وتوالت الاعترافات حتى وصلت الى رؤوس كبيرة, وانتحر سعيد امامي نائب رئيس المخابرات السابق علي قلاحيان. وهكذا, امسك الاصلاحيون ومعهم الرأي العام الايراني بطرف الخيط الموصل الى مرتكبي جرائم الاغتيالات الحقيقيين, وصار هدف المعركة الانتخابية الدائرة الآن, هو الوصول الى الطرف الآخر, ونهاية الخيط لمعرفة من اصدر اوامر اغتيال المثقفين, وعدم الاكتفاء بمن اطلق الرصاص من الصغار اسفل هرم المسئولية. وبدأت الظواهر والشواهد تؤكد ان ملف اغتيالات المثقفين سيقود الحملة الانتخابية ويرسم مسارها الحقيقي, فمع بداية الترشيحات وجه تجمع للكتاب والادباء والمثقفين من اعضاء اتحاد الكتاب الايراني رسالة مفتوحة الى رئيس السلطة القضائية آية الله محمود شاهر ودي يطالبونه بتسريع الكشف عن حقائق تحقيقات ملف الاغتيالات. ولم يكتف المثقفون في رسالتهم المفتوحة بمطالبة رأس السلطة القضائية كشف نتائج التحقيقات او مرتكبي جرائم الاغتيالات الغامضة بل طالبوه بكشف الداعمين للمخطط والمتعاونين من الرموز ووسائل الاعلام مع القتلة. واسهب بيان المثقفين في سرد عمليات اغتيال لا حصر لها, وحالات الرعب والارهاب والتحقيقات غير الرسمية والمشوهة التي يتعرض لها الكتاب والمثقفون على يد من اسماهم البيان بـ(المحافل مجهولة الهوية) . ولم تقف تداعيات الملف عند حد بيان المثقفين بل صارت قضية ثانية تطرح نفسها على المرشحين في حملاتهم ومؤتمراتهم الانتخابية. ففي أول حوار مع الصحافة عقب ترشيحه لانتخابات البرلمان دافع علي فلاحيان رئيس المخابرات السابق عن نفسه, محاولاً ابراء ذمته من اغتيال المعارضين في الداخل, وفي الوقت نفسه معبراً عن مرارته من حكم القضاء الالماني بادانته في اغتيال معارضين ايرانيين في المانيا, وصدور امر دولي بالقبض عليه. وفي محاولة لاظهار دوره في ملاحقة المعارضين بالخارج, وكأنه من صميم عمله وفي سياق تنفيذ اوامر عليا قال فلاحيان ولم يكتب له التوفيق في تعبيره:(اذا كنت مضطراً للمثول امام محكمة بسبب اتهامي باغتيال معارضين في الخارج, فيجب على المسئول الاعلى ان يمثل معي) . ويظهر رد فلاحيان ان زمام الامور انفلت من ايدي المحافظين, وان مسعى كل مسئول لابراء ذمته, سيؤدي في النهاية الى ضياع فرصتهم ووقوفهم في قفص الاتهام امام صناديق الانتخاب. ففي تحول اكثر درامية, رافق ترشيح الرئيس الايراني السابق هاشمي رفسنجاني في آخر ايام التسجيل ووجه في مؤتمر صحفي بسؤال لا تلميح فيه, بل كلماته باترة: هل تورطت بدور ما في عملية اغتيالات المثقفين والمعارضين في الداخل والخارج؟ وبدا وكأن السؤال والمؤتمر الافتتاحي لحملة رفسنجاني الانتخابية استهدف انزال الستار نهائياً على ان محاولة لشد رفسنجاني الى ساحة الاتهام والدفاع, فلقد جاء رد قطب التوازنات العقلانية والملاذ الاخير للمتصارعين على تناقضهم حاسماً. وقال رفسنجاني: اولاً: الاغتيالات, جميعها وقعت بعد خروجي من سدة الرئاسة, ووقعت في فترة رئاسة خاتمي, والاغتيالات الخارجية تمت في رئاستي, لكن هناك 30 قيادياً ومسئولاً امنياً معتقلون لتورطهم في هذه الجرائم وكلهم تم تنصيبهم قبل تسلمي الرئاسة ولم اوقع قرارات تنصيبهم. ولم تقف فائزة رفسنجاني صامتة بل دخلت الساحة للدفاع عن والدها, مكررة النداء بالاسراع بانهاء التحقيقات واعلان نتائجها. وليس مرجحاً الكشف عن الغاز اغتيالات المثقفين قبل انتهاء الماراثون الانتخابي, ولكن سيظل الملف مفتوحاً, ويشكل احد مصادر الضغط الجماهيري الحقيقية على المحافظين, ونقاط الصعود النادرة للاصلاحيين المتعطشين للفوز بالأغلبية البرلمانية. اقتحام الجامعة ومظاهرات الطلبة يتصدر ملف مظاهرات الطلبة او (الانتفاضة الطلابية) اجندة الانتخابات الايرانية, بوصفه الساحة الأكثر سخونة ولكون طلاب الجامعات الايرانية هم تقليدياً (بارومتر) الحياة السياسية في ايران, ومؤشر على قوة التجاذبات بين اجنحة النظام الايراني, وليس ادل على تعاظم دور الطلاب من حادث احتلال السفارة الامريكية في طهران عام ,1979 وما تلاه من تداعيات دولية, ابرزها القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية الشاملة بين الولايات المتحدة وايران حتى الآن, ناهيك عن قفزة الطلاب الذين هندسوا عملية الاقتحام الى صدارة المشهد السياسي الايراني, على اختلاف ألوانه. وتتحدد عناصر الملف الطلابي على اجندة الانتخابات وفقاً لحالة الصراع والتداخل الحادث بين الاجنحة والتيارات المشاركة في الانتخابات التشريعية, والتي يتم اختزالها تبسيطاً الى اصلاحيين ومحافظين. فالاصلاحيون من جانبهم يستخدمون تجاوزات قوات الامن والباسيدج والعناصر المسلحة من انصار حزب الله, كورقة ضاغطة باتجاه تقليم انياب المتشددين الرافضين للمشروع الاصلاحي, واجبارهم على الانصياع للغة الحوار والقبول بالتعددية, والاقلاع عن نهج فرض الرأي الواحد بالقوة الغاشمة. ومن جانبهم يسعى المحافظون الى استخدام احداث المظاهرات, وما تخللها من شعارات دستها فئات على يسار الاصلاحيين ومن خارج بيت المشروع الخاتمي, تلك الشعارات التي طالت المرشد الاعلى ونالت من مصداقية مرجعية الحكم والثورة, كوسيلة للتشكيك في مصداقية تيار الاصلاح والتجديد, وربطه بأطراف مؤامرات خارجية. وعلى ارض الواقع وفي الشارع الايراني تبقى فرصة الاصلاحيين اقوى من خصومهم في توظيف احداث (الانتفاضة الطلابية) . فالذاكرة (الجمعية الايرانية) ما زالت تحتفظ بمشاهد كابوسية حية للوقائع الدامية التي رافقت اقتحام قوات الامن والباسيدج لمساكن طلبة جامعة طهران, والاعتداءات الوحشية التي تعرض لها الطلاب المتظاهرون تحت هراوات (الباسيدج) واحذية رجال الامن الثقيلة. ويصب في خانة الاصلاحيين, نجاحهم في لجم جموح المتظاهرين, ودفعهم الى التعقل وعدم الانسياق وراء محاولات التنظيمات الطلابية المتشددة لايقاعهم في فخ المصادمات, وتحويل الحدث السلمي الاحتجاجي, الى موقعة دامية, تنطمس فيها المعالم, وتضيع الحقيقة, ويسهل دفعها بصفة التخريب والعنف. صحيح ان المحافظين انتزعوا المبادرة بحكم سيطرتهم على ادوات ومفاصل الحكم, واقتادوا قادة الانتفاضة الى الزنازين, وقيدوا حريتهم بأحكام سريعة, وعزفوا على نغمة الاساءة للاسلام, والخروج على خط الثورة والتشكيك في مرجعية الحكم والمرشد وولاية القضية لفض حالة التلاحم الشعبي مع الانتفاضة واستغلال واقعة نشرة (موج) الطلابية محدودة التوزيع (200 نسخة) ونشرها نصاً مسرحياً, يستلهم الموروث الشعبي, ويعالج المزاج السائد الآن في ايران, ويدعو الى اعطاء الأولوية (للتكنوقراط) وأهل الخبرة على رجال الدين وأهل الثقة. وبمعالجات الترصد وعقلية اختلاق التهم, تحول النص المسرحي محدود التوزيع الى عريضة اتهام للاصلاحيين, لأن النص يتضمن حوارا خاطفا بين الطالب بطل المسرحية وراوية يتحدث باسم (الامام الغائب) . وعلى الجانب الآخر, ورغم خسائرهم التكتيكية حقق الاصلاحيون عدة انتصارات على خصومهم, فلقد انكشفت ابعاد المؤامرة ضد انتفاضة الطلاب, واضطرت السلطة القضائية وقوات الأمن الى تقديم العشرات من الضباط بينهم قائد امن العاصمة طهران الى المحاكمة في أقوى اعتراف بمشروعية الاحتجاج السلمي, وادانة لاستخدام العنف المؤسسي ضد الطلاب. وفي اتون المعركة الانتخابية ستلعب قضية الانتفاضة الطلابية وتجاوزات الامن والباسيدج والجماعات المسلحة المتشددة, دورا حاسما في تحديد انصبة كل من الاصلاحيين والمحافظين ولمن سيكون العدد الأكبر من مقاعد العاصمة طهران الثلاثين, وان كانت المؤشرات تؤكد ان اكثر من الثلثين (20 مقعدا) سيحتلها مرشحون من قائمة جبهة خرداد وحزب كوادر البناء, الذي اختار موقع الوسط ما بين الاصلاحيين والمحافظين. حرية الصحافة والتعددية السياسية ثالث القضايا الساخنة على الاجندة الانتخابية, وربما اخطرها هي قضية حرية التعبير والصحافة والتعددية السياسية, التي تعد احد المفاصل الحيوية لمشروع خاتمي الاصلاحي, وأحد أشد المنغصات لأصحاب الاطروحات المحافظة المتشددة, وفي نفس الوقت ساحة التجاذبات بين ألوان الطيف السياسي الوسطي ما بين جموع المحافظين للجمود, ونزق الراديكاليين للخروج المفاجىء غير المتدرج من تحت عباءة الحاضر. وساهمت قضية الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة (آزاد) الاصلاحية والتي تصور احد رجال الدين المحافظين على شكل تمساح يبكي حزنا على اختراق المخابرات الأمريكية للصحافة, ساهمت في اشعال قضية الصحافة, وتحويلها الى قضية رأي عام وصراع حقيقي في الشارع الايراني, بعد ان كانت قاصرة على تجاذبات المؤسسات والهيئات الحاكمة. والقضية اساسا, اثارها المحافظون منذ تولي الرئيس خاتمي مقاليد الرئاسة, واطلاقه مشروعاً لتوسيع حريات التعبير, واثراء الحوار الحضاري, ودعم مؤسسات المجتمع المدني, الصيحة التي اثمرت حالة من التوالد السريع لمنابر صحفية اصلاحية زاد عددها على نحو عشرين صحيفة حاليا, ناهيك عن ثلاث صحف تم اغلاقها بأحكام من محكمة جرائم الصحافة وهي محكمة دينية, وأكثر من عشرين صحيفة أغلقت بفعل الحصار المالي والقيود. فلقد تبنى المحافظون شعار (الاغلاق) كسلاح لتكميم أفواه الاصلاحيين والراغبين في التجديد, وكانت حججهم دائما اصطياد بعض المقالات والرسوم وتصويرها على انها اساءة للاسلام وتطاول على المرجعيات, حدث هذا مع ثلاث صحف اصدرها ما شاء الله شمس الواعظين القابع خلف زنازين سجن آفرين بجوار عبدالله نوري وزير الداخلية السابق الذي اغلقت له صحيفة (سلام) اثر فضحها مخطط المخابرات وتورط قادته ومنهم سعيد امامي في اغتيالات المثقفين, واعترافات بعضهم بوجود علاقات لهم مع اجهزة المخابرات الامريكية. ويقف وراء ترصد المحافظين للصحف الاصلاحية دافع عملي وآخر ايديولوجي, اما الدافع العملي الحركي فهو رغبتهم الجارفة في تجريد الاصلاحيين وعلى الاخص حزب المشاركة (العمود الفقري) لجبهة الثاني من خردار من اخطر اسلحته الاعلامية, والتي توفر له قناة اتصال جماهيرية مباشرة مع الشارع, فالصحف تتيح للاصلاحيين التأثير في الرأي العام وتنويره واعادة تشكيله, وتهيئة الاجواء لنشوء تكتلات مناوئة للتركيبة التقليدية للمؤسسات السياسية. وتأججت نقمة المحافظين على الصحف الاصلاحية عندما تحولت الى سلاح اعلامي سياسي, ومدفعية ثقيلة تدك حصونا منيعة, كان يستعصي على احد الاقتراب من اسوارها الشائكة المفخخة, فهي في نظرهم التي حشدت وجيشت الطلاب خلف المشروع الاصلاحي وهي التي حولت غلام حسين كرباتشي مدير الحملة الانتخابية لخاتمي وذراعه الأيمن وعمدة طهران الى بطل شعبي, وهي ايضا التي حصدت منهم الاجماع الشعبي وحولتهم الى فصيل يصارع امواج التغيير, بعد ان تحولت الى صحف جماهيرية تحقق اعلى الارقام توزيعا, وتضبط حركة الشارع على ايقاعها, وتفجر الفضيحة تلو الاخرى في وجوههم. ورأى المحافظون في (الاغلاق) سلاحا نافذا, الا انه سرعان ما انقلب عليهم, فاذا كانوا هم يسيطرون على السلطة القضائية, ومحكمة الصحافة التي يرأسها سعيد مرتضوي, فإن الاصلاحيين ابرزوا لهم سلاحا مضادا, تمثل في الرد على الاغلاق باصدار المزيد من الصحف, واستصدار رخص جديدة من وزارة الثقافة والارشاد التي يتولاها عطاء الله مهاجراني احد قيادات حزب كوادر البناء. ولهذا كان طبيعيا ان يختلط الأمر على المحافظين خلال تسييرهم مظاهرات الحوزات العلمية للمطالبة باغلاق الصحف الاصلاحية وإقالة مهاجراني, فهم رغم حشودهم لطلاب الحوزات في قم وحضور قيادات بارزة من امثال آية الله مشكيني رئيس مجلس الخبراء, لم يحققوا هدفا واحدا, فلا مهاجراني استقال ولا الصحف اغلقت بل المظاهرات هي التي فرقت وتشتت بأمر من المرشد الاعلى علي خامنئي, الذي ادرك ان المحافظين بمظاهراتهم وتركيزهم على مهاجراني احد قيادات (كوادر البناء) سيفسدون (طنجة الوفاق) التي يعدها هاشمي رفسنجاني لنزع فتيل الصدام, بوصفه قبة الميزان والجسر الآمن ما بين جناحي النظام. أما السبب الأيديولوجي لتركيز المحافظين على الصحافة فهو رفضهم القاطع للتعددية الثقافية والسياسية حتى داخل معطف الثورة وإصرارهم على نهج التمسك بادعاء امتلاك الحقيقة المقدسة والرأي الواحد والتفسير الواحد, تحت مزاعم شتى ابرزها الحفاظ على مرجعية الثورة ونقاء قيمها. فالمسألة في نظر المحافظين ومن لف لفهم, من غلاة المتشددين في شتى انحاء العالم وعلى اختلاف الملل والنحل, لاتخرج عن كونها معركة بقاء ووجود بين المدافعين عن حق الانسان الفرد في المعرفة, والاقرار بان الحقيقة ذات اوجه وان كل رأى يحتمل الصواب والخطأ, وان التجديد مهمة وفريضة دائمة لاينقطع القيام بها حتى حين أجل نهاية العالم, وهذا ما ينادي به الاصلاحيون ويعد في رأي المحافظين تجديفا وخروجا وافكا يجب محاربته, لانهم على النقيض يروون الحقيقة ملك بنانهم, وانه لا رأي سوى ما استقر عليه اجماعهم, وان كل تجديد هو من المنكرات والبدع والمستحدثات التي يقف وراءها متآمرون. وليس ادل على ذلك مما قاله بطل معركة (الكاريكاتير) رجل الدين يزدي بقوله: اذا قال لك احد ان هناك تفسيراً جديدا للدين فاصفعه على وجهه. الحوار الحضاري والرابطة الامريكية يخطىء كثيرون من المراقبين للشأن الداخلي الايراني بتأكيداتهم ان شعار الحوار مع امريكا من الاطروحات المرتبطة بالحقيقة الخاتمية فالصحيح خلافا لذلك, ان الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني هو اول من وضع يده على زناد التقارب مع واشنطن والغرب خلال فترة رئاسته, الا ان خاتمي منح سياسة التقارب اطارا نظريا وبعدا حضاريا اكثر شمولية من تعاطي رفسنجاني العملي. فقضية التقارب مع الغرب طرحت في عهد رفسنجاني من منطلق كسر العزلة التي فرضت على ايران, وفي سباق سعيه الدؤوب لحل المعضلة الاقتصادية وجلب المزيد من الاستثمارات لتحريك عجلة الركود, وخلق وظائف جديدة لمئات الالوف من الخريجين المتعطلين , وفي نفس الوقت, اعادة وضع قطار الدبلوماسية الايرانية على مساره الدولي المغلق. ونجح رفسنجاني في تحقيق نجاحات جزئية, بعضها عبر قنوات علنية, واخطرها عبر قنوات سرية ادت الى انفجار فضيحة كونترا جيت في وجهه عبر تسريب المحافظين لاسرار الاتصالات وصفقات التسليح الامريكية لايران خلال حرب الخليج الاولى مقابل الافراج عن رهائن امريكيين محتجزين في لبنان. لكن الامر مع خاتمي جاء في سياق مختلف تماما, فلقد طرح الرئيس الجديد مشروعا اصلاحيا واعدا يتسم بالاتساق في بنيانه النظري وقيمه الثقافية والدينية, ويطمح لحل الاشكالية المستعصية للتحديث في العالم الاسلامي وعلاقتها بالثوابت او مايصطلح عليه تبسيطا قضية الاصالة والمعاصرة. ففي نظر خاتمي سواء عبر خطبه ومقالاته ومن خبراته قبل تسنمه سدة الرئاسة او في حواراته مع شبكة (سي. ان. ان) الامريكية, فالامر سواء, لاخلاف بين خطابه العام وخطابه الرسمي, والهدف الخروج من كهف التفسيرات الجاهزة والجامدة, والانفتاح على الحضارات, والتماس الحكمة ايا كانت منابعها دينية او دنيوية, والتمسك بفضيلة التسامح في التعامل مع الآخر, والخوض في نهر الاجتهاد لحل معضلات الواقع, وقبل كل شيء تجريد الادعياء من (قدسية) لاتجوز الا للرسل ورفض ادعاء احد امتلاك الحقيقة, والتفرقة القاطعة بين ماهو حق في ذاته اي بين الاسلام وكتابه المنزل وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وبين تفسيراتنا له فالاول مقدس وثابت, والثاني نسبي ويحتمل التغيير والنقض, لانه من صنع البشر. هذه في عجالة فحوى الاطار الحضاري للمشروع الخاتمي لحوار الحضارات, والذي تأسست عليه الدعوة لفتح قنوات اتصال مع واشنطن وباقي العواصم الاوروبية. وخلال العامين الاولين لرئاسته نجح خاتمي في كسر طوق العزلة حول ايران, ونسج علاقات جيدة مع ايطاليا وفرنسا, واذاب الجليد مع المانيا وبريطانيا وبقدر مماثل مع معظم عواصم الاتحاد الاوروبي واجتذب شركات النفط العملاقة للعمل في مشروع الغاز ونفط بحر قزوين. وعلى قدر اقل وايقاع ابطأ سارت عربة الحوار مع واشنطن, حيث اقتصرت في البداية على تبادل وفود غير حكومية نسائية ورياضية واعلامية, وثقافية, وشهدت باريس اول حوار بين الخاطفين الايرانيين والرهائن الامريكيين الذين احتجزوا في السفارة الامريكية بطهران عام 1979, وكان من ابرز شهود الحوار عباس عبدي رئيس تحرير صحيفة (سلام) المغلقة واحد قيادات حزب المشاركة الاصلاحي وهو دليل على رمال التصنيفات السياسية الايرانية المتحركة, فلقد تحولت من اقصى اليمين الى اقصى اليسار خلال عقدين من الزمان وتبادلت مع واشنطن وفودا رياضية من فرق المصارعة فيما عرف باسم (دبلوماسية المصارعة) نسبة لمصطلح (دبلوماسية تنس الطاولة) الذي اطلقه هنري كيسنجر على سياسة التقارب مع الصين في مطلع السبعينيات. الا ان التقارب الامريكي الايراني ظل مراوحا مكانه على الساحة السياسية, لم يقطع خطوات ايجابية, لعدة اسباب اخطرها حالة التصارع بين الاجنحة وما سيجعل هذه القضية محورا ساخنا للاشتباك والجدل الانتخابي ولاسباب خاصة بهيكلية السياسة الامريكية دوليا واقليميا, التي تتخبط بعد انهيار سياسة الاحتواء المزدوج لكل من ايران والعراق, وتتقدم خطوة باتجاه التقارب وتتراجع خطوات عبر اتهام ايران بدعم الارهاب الدولي واصرار صناع السياسة الامريكية على ادراج اسرائيل ضمن حزمة خطوات التقارب مع ايران. وعلى اجندة المعركة الانتخابية سيفوت الاصلاحيون على المحافظين فرصة استخدام ورقة الحوار الحضاري والتقارب مع واشنطن لضربهم وتشويههم مثلما حدث مع الصحافة الاصلاحية واتهام احد رجال الدين لها بتلقي اموال من رجال المخابرات الامريكية الذين تقاطروا على طهران ضمن افواج سياحية. وسيدعم الاصلاحيين في المعركة ما حققته سياسة الحوار مع الغرب من مكاسب لايران التي استعادت حضورها الدولي, واجتذبت بالفعل الشركات والاستثمارات الاوروبية , وقبل كل شيء اعادت تجميل وجه ايران الدولي وفكت ارتباطها بصورة الارهابي القبيح. اعداد ـ سيد زهران