يستعد مجلس الشعب المصري لإغلاق أبوابه وفض الدورة المقرر لها آخر يونيو ليتفرغ الاعضاء الى المعركة الانتخابية الجديدة في اكتوبر.. وليعودوا يحتلون مقاعدهم التي جاء بعضها بالحق, وبعضها بالباطل. ومجلس الشعب المصري هو أقدم برلمان في الوطن العربي فقد بدأ منذ القرن الماضي وتبدلت أسماؤه: مجلس شورى القوانين, مجلس شورى النواب, مجلس النواب ومجلس الشيوخ, مجلس الأمة.. وأخيرا كان الاسم الذي أطلقه عليه أنور السادات في خطاب علني ردد فيه كلمة مجلس الشعب ثم قال: (ما هو انتو دلوقت اسمكم مجلس الشعب) وبعدها صار ذلك هو الاسم الرسمي فالنطق (السامي!!) كان كفيلا بتغيير الاسم وصدور قانون يحدده! تبدلت الأسماء, وتبدل تركيب العضوية وحملت كل دورة سمات قد تختلف عما عداها. في الدورة الحالية, والمجلس مدته خمس سنوات, كان هناك خطأ متكرر. فقد تم تقديم اكثر من ألف طعن في صحة انتخابات وعضوية النواب, وشملت الطعون اكثر من مئة دائرة.. ومضت سنوات الانعقاد الخمسة وأوشك المجلس على الرحيل والنواب المطعون في صحة عضويتهم ينقسمون الى فريقين: فريق قضت محكمة النقض في تقاريرها ببطلان انتخابه.. وفريق لم تبت المحكمة في أمر انتخابه رغم مضي كل هذه المدة! والسؤال الذي يطرحه الرأي العام: أليس بين كل هذه الطعون التي تعني تزوير الانتخاب طعن واحد يمكن قبوله؟ والجواب يأتي: ان مجلس الشعب هو سيد قراره.. والنتيجة (يبقى الحال على ما هو عليه). يسود الاعتقاد ان المجلس قد جاء بالتزوير, ويرد الرئيس مبارك على ذلك بأن الانتخابات المقبلة لابد ان تكون نزيهة. ويسود الاعتقاد ان البرلمان قد بات غطاء لمن لا غطاء له.. ففي الدورة الماضية كان الأشهر هم نواب المخدرات والذين تم الحكم ضدهم وأسقطت عنهم العضوية.. وفي هذه الدورة كان الأشهر هم نواب القروض وبينهم وزير سابق وكلهم متهمون بتبديد المليارات من أموال البنوك المصرية, والقضية ما زالت امام المحكمة. هذه الانحرافات تحاول التدثر بعبارة الحصانة البرلمانية حتى اعتقد البعض ان انفاق الملايين من اجل مقعد برلماني استثمار جيد فالنائب سوف يعوض كل ذلك! الأخطر ان الانحرافات قد أتت من جانب نواب الحزب الحاكم (الوطني) ولم تأت من جانب نواب المعارضة وهو ما يثير قضية العلاقة بين الحكومة والبرلمان. طبقا للدستور فإن البرلمان رقيب على أعمال الحكومة.. يسأل, ويطلب الاحاطة, ويقدم الاستجواب, ويسحب الثقة من الوزير أو مجلس الوزراء ويوافق أو يرفض الميزانية السنوية التي تترجم كل أعمال الحكومة في كل عام. هو رقيب بحكم الدستور, وهو صاحب الحق في توجيه دفة المجتمع من خلال آلية التشريع وسن القوانين. هكذا يقول الدستور لكن الواقع وعلى مدار قرن وثلث القرن هو عمر البرلمانات المصرية, الواقع يقول ان السلطة التنفيذية كانت دائما هي الأقوى حتى تبدو بجوارها السلطة التشريعية وكأنها سلطة تابعة.. تصدر ما تريده الحكومة من قوانين, تناقش الوزراء وتستجوبهم لكنها تنتهي بشكر الحكومة والثناء على الوزير! وطوال الدورة الأخيرة, وما قبلها أيضا من دورات كانت المعارضة تتقدم باستجوابات صارخة تستند للوثائق والحقائق, ولكن الأغلبية المصنوعة التابعة لحزب الحكومة تنهي المناقشة بعبارة تقليدية (الانتقال لجدول الأعمال وشكر السيد الوزير). السؤال, ومصر بصدد انتخاب مجلس جديد: كيف تتحقق ديمقراطية حقيقية ومكتملة؟ كيف تتوازن أطراف معادلة السلطة ويتحقق مبدأ الفصل بين السلطات: تشريعية, وتنفيذية وقضائية؟ وكيف تصبح الحكومة هي حكومة البرلمان.. ولا يكون البرلمان مجلس الحكومة؟ القضية مطروحة الآن من جانب كل الأطراف, فالرئيس مبارك يشير لمسألة العنف في الانتخابات والتي أدت في المرة الأخيرة لعمليات تزوير واسعة تقول الحكومة انه لا شأن لها بها.. والمعارضة تثير مسألة التزوير الرسمي لنواب الحزب الوطني من خلال تصويت الغائبين والمتوفين ومن خلال اهدار حق الناخب والمرشح الرقابة على العملية الانتخابية.. ومن خلال عمليات بلطجة تحت سمع وبصر الشرطة! طرحت الحكومة قضية ان للعمال والفلاحين نصف المقاعد على الأقل.. ثم تراجعت عن ذلك بضغط من اتحاد العمال. وطرحت المعارضة قضية النظام الانتخابي والضمانات التي ينبغي ان تحيط بعملية الانتخابات لتكون معبرة عن ارادة الناخبين.. وقررت كل الأحزاب تقريبا دخول الانتخابات بشرط التأكد من وجود هذه الضمانات والتي قد تستجيب الحكومة لبعضها على ضوء تلميحات رئاسية لمسألة التمثيل الأوسع للمعارضة. وفي كل الأحوال فإن معادلة حكومة ومعارضة, أو معادلة برلمان وحكومة وما بينهما من خطوط فاصلة.. كل ذلك لن يتم بغير اصلاح ديمقراطي وتشريعي يبدأ بعملية الانتخاب واطلاق حرية الأحزاب. وأقول, وبالمقارنة بدول عربية كثيرة: (نعم.. في مصر ديمقراطية لكنها لم تكتمل) .