يصعق المرء احيانا من الوقاحة المباشرة رغم كونها مكرورة ومجترة وغير مفاجئة, بحث غير معمق عن سبب الدهشة غير المبررة ازاء صلافة متوقعة يتضح ان سببها ليس مضمون الوقاحة المتوقعة بل مدى العادية والانسياب في التعبير عنها دون اعتذار ولا حتى تبرير مضمر. هذا ـ ما وقع لي أمس الاول ـ مما يقع لمن يضطر ـ بضرورات شقه السياسي الا يكون غائبا عن الاعلام في ظروف الحرب التي تشنها اسرائيل على لبنان, ففي نهاية مقابلة تلفزيونية في منتصف ليلة الارهاب والدمار تلك .. في استوديوهات التلفزيون الاسرائيلي مع نائب آخر في الكنيست وصحافيين معلقين, اتصل مراسل التلفزيون الاسرائيلي على (الجبهة الشمالية) ليقول ببث حي ومباشر ان مخططات الجيش لجر حزب الله لقصف القرى والمدن الاسرائيلية الحدودية قد فشلت وان املهم قد خاب ... وهكذا والصحافيون يجلسون كأنهم يسمعون كلاما روتينيا, وما نفع حرية الصحافة اذا منع التكوين الذهني والنفسي الصحافي من رؤية وفهم الفضيحة! اسرائيل ترغب بجر حزب الله لقصف القرى الشمالية والجيش يبحث ولا يجد مبررا للاستمرار بقصف البنى التحتية اللبنانية, هذا كلام ينطبق به كأنه مجرد كلام عادي. اسرائيل تتهم سوريا بتشجيع حزب الله على أعمال المقاومة ضد الجنود الاسرائيليين ولكنها تريد جر حزب الله علنيا الى قصف المدنيين, مدنييها. واسرائيل تنشر نمطا من التفكير كأن حزب الله يتلقى اوامر من سوريا رغم انه حركة مقاومة وطنية لبنانية شرعية على الارض اللبنانية ضد جيش الاحتلال. ويثابر حزب الله بالعمليات الدقيقة والمدروسة برباطة جأش واستمرارية واضعا جدول اعمال سياسيا واستراتيجيا واضحا هو طرد المحتل من الارض اللبنانية, ولا يدع اسرائيل تنتزع منه زمام المبادرة او تتحكم بايقاع عملياته وتوقيتها. وكل من يعرف الصورة في لبنان وسوريا يعلم جيدا ان حزب الله لا يستأذن سوريا في كل كمين ينصبه ينجح تارة ولا ينجح اخرى ـ وانما العلاقة دعم متبادل وتنسيق سياسي ضمن صراع مع نفس العدو في نفس الفضاء الاستراتيجي ـ وقد يساهم هذا التنسيق بالتحكم في سلسلة ردود الفعل كي لا يتحول الى حرب شاملة على سبيل المثال لا الحصر. يبقى حزب الله, بغض النظر عن مصادر الدعم, حركة وطنية لبنانية, وهل وجدت حركة مقاومة في التاريخ لم يكن لها حلفاء واصدقاء تلقت منهم الدعم؟ لقد خرج باراك الى حربه الارهابية ضد لبنان شاهرا صواريخه ضد محطات توليد الكهرباء قاطعا الضوء عن الشعب اللبناني لانه, اي باراك, في ازمة. صحيح انه يرغب بتذكير السوريين وحزب الله بباراك الجنرال, الوجه الآخر لباراك المفاوض, وصحيح ايضا, ان هذا النمط من القصف ضد البنى التحتية هو نمط جاهز في ادراج الجيش الاسرائيلي لغرس الاوتاد في قلب التضامن بين المجتمع اللبناني والمقاومة اللبنانية وبين الشعب اللبناني وسوريا, وصحيح ايضا, انه يجازف بسد افق المفاوضات على المسار السوري ويسير بذلك على خيط رفيع قد يؤدي الى وقوعه في خيار الانسحاب من طرف واحد في يوليو, كل هذا صحيح, ولكن باراك ايضا في ازمة, ولذلك نضيف, ان فشل باراك بالمناورة على تناقض موهوم بين المسارين الفلسطيني والسوري جراء اصرار القيادة السورية على موقفها فيما يتعلق بترسيم حدود الرابع من يونيو والاستعداد الاسرائيلي الواضح للانسحاب الى هذه الحدود وصمود القيادة الفلسطينية برفض املاءات باراك فيما يتعلق باتفاق الاطار, هذا الفشل قد ادى الى دخول سياسة باراك التفاوضية طور الازمة, لقد تبين انه ليس لباراك ما يضيفه على المسار الفلسطيني لبرنامج نتانياهو للحل الدائم. وكذلك يشارك باراك نتانياهو تهربه من ترسيم الحدود في المسار السوري, ولذلك تؤدي به استراتيجيته التفاوضية كما ادت ببيريز الذي تبناها ايضا على عمليات اجرامية قد تنسف عملية السلام مع سوريا برمتها كما نسفتها في حينه عملية عناقيد الغضب. ولابد من اضافة عوامل اخرى لايعيرها اعتبارا اولئك الذين لايدركون مدى اهمية عنصر الشعبوية في عملية صنع القرار في النظام الديمقراطي الذي تحتل فيه مشهدية وسائل الاعلام حيزا اكبر فأكبر. لقد دخل باراك في مأزق سياسي داخلي ناجم عن عرض صور الجنود الجرحى في وسائل الاعلام الاسرائيلية ترافق ذلك جوقة من طبول الحرب وزعيق الداعين للحفاظ على الكرامة القومية. لقد ثبت للمرة الألف ان المجتمع الاسرائيلي والمؤسسة الاسرائيلية يبديان حساسية اكبر لمقتل الجنود كما لمقتل المدنيين لان اصابة الجنود هي مس بالحل العسكري التاريخي الذي تقدمه اسرائيل للمسألة اليهودية بشكل عام. وثبت للمرة الألف ان مقولة الارهاب بالنسبة لاسرائيل هي مقولة براجماتية سياسية. فالارهاب هو ما يقوم به (العدو) حتى لو كان مقاومة وطنية مشروعة ضد جنود الاحتلال, وان ما تقوم به اسرائيل مبرر دائما حتى لو قامت به ضد مدنيين عن سبق الاصرار والترصد. لقد خرج باراك بشكل معلن لمعاقبة الشعب اللبناني والاقتصاد اللبناني على عمليات قامت بها المقاومة اللبنانية ضد جنوده بهدف سياسي, لقد خرج باراك لينفذ سلسلة من العمليات الارهابية.