صادف يوم الاثنين الموافق 7/2/2000 انقضاء عام على وفاة المغفور له الملك الحسين بن طلال, ملك المملكة الاردنية الهاشمية, وفي عصر العولمة, عصر اختصار الزمان والمكان, تصبح الذاكرة قصيرة, ويأتي حدث ليطوي حدثا قبله, ويبرز مأساة تلتهم التي تقدمت عليها, وهكذا الزمان والمكان .. لا فواصل ولا مسافات, والذاكرة الانسانية تختزن في اجهزة ضخمة, ومعلومات مبوبة, ومودعة في مستودعات صغيرة, نسميها (ديسك), وتحفظ في خزانة انيقة مبوبة. ولكن الملك الراحل, الذي عرفته عن قرب وبعد, وعملت معه وتحت امرته, مباشرة وبشكل غير مباشر, كان يتميز بقدرة عظيمة على ضبط النفس, والصبر, والاناة, والقدرة الفائقة على قراءة افكار من حوله, ولعل اجمل ما يعلق في ذهن من عملوا معه, هو صفاته الانسانية العميقة, وقدرته على ان يأسر سامعيه وجلساءه, بنظرة, او ايماءة او كلمة. وذات مرة ثار بيننا نقاش حول نقطة ما, وبدا واضحا ان امرا هاما قد غاب عني. ولكنني صممت على موقفي فنظر الي نظرة عميقة نفاذة, وقال (سامحك الله يا اخي) فقلت له يا سيدي, ما الذي فعلته حتى استحق كل هذا الزعل؟ قال: اي زعل .. قلت لك سامحك الله يا اخي. فقلت ان سامحك الله منك هي بمثابة مسخ الله, او حل غضب الله عند غيرك, فضحك ضحكة مجلجلة. لقد كان عف اللسان, صبورا, واحترم كل صاحب رأي من الذين عملوا معه, حتى ولو انطوى الرأي على اختلاف واضح وكبير, واذا تحدث لم يعل صوته, واذا عارض تكلم بمنتهى ادب الحديث, واذا وافق اكتفى بايماءة او اشارة. ولا شك ان الاردنيين شعروا بنقص كبير بسبب غيابه, وازداد الشعور بذلك عمقا لما استبدل الامير الحسن الذي رافق اخاه اربعة وثلاثين عاما شاركه فيها الحكم والرأي وقاسمه الادوار, ولكن الملك عبدالله بن الحسين, والذي واجه التحدي برجولة وروح عملية, نجح الى حد كبير بطمأنة الاردنيين الى انه قادر على القيادة, وان تحت ازاره اكثر من عسكري عتيد, وان صمته انطوى على التأمل والتبصر. ومما لاشك فيه, ان اولويات الملك الجديد واضحة, وهي التركيز على انعاش الاقتصاد, ومحاربة الفقر, وتخفيف البطالة, وهذه تحديات في ظل الظروف السياسية الحالية ليست سهلة, ولكن الملك الجديد يريدها, وله موقف منها, ويسعى لتأكيد قدرة الاردن على المنافسة فيها. واما التحدي الثاني الماثل في الاصلاح الاداري, وتطوير المؤسسة الاردنية الرسمية لتتولى الدور الرقابي الذي ننشده, فهو ينسجم في نفس الوقت مع خطة الخصخصة التي تسير بقوة وثبات حاليا. اما التحدي الخارجي في العام المقبل, فيكمن في الدرجة الاساسية في متابعة عملية السلام .واستيعاب المؤثرات في العملية السلمية والوصول الى حل او عدم الوصول الى ذلك . لقد ورث الابن عن ابيه مؤسسات وتحديات ومستقبلا ليس بالهين, ومثلما نجح ابوه في قيادة الاردن في بحر متلاطم الموج, فان الابن قادر على ايصاله الى ميناء الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي, وهو يتعلم بسرعة, دون ان تلين ارادته الواقفة على المضي في الاصلاح.