منذ انطلاقة مسيرة التسوية السلمية في مدريد قبل عشر سنوات تتعامل اسرائيل مع لبنان وكأنه وحده صاحب مسار الحرب وكأن الباقين هم اصحاب مسار السلم, فتشن عليه الاعتداءات المتلاحقة على مواقعه العسكرية بصورة دائمة, وعلى منشآته المدنية الحيوية من حين الى آخر , هكذا كان الحال قبل انطلاق تلك المسيرة, وهكذا هو الحال خلالها, وهكذا كان الوضع قبل استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, وهكذا هو الحال بعده. اعتادت اسرائيل ان تستبيح اجواء لبنان, وهي تعتقد ان كل شيء مسموح لها فيه, وانها قادرة ان تقفز فوق المواجهات اليومية مع عناصر المقاومة فتضرب المنشآت المدنية للترويح عن ضيق نفسها وتضميد جراحها المعنوية والتعويض عن خسائرها البشرية. تصورت لحظة ان ايهود باراك لن يقع في مأزق اسلافه من مناحيم بيجن الى بنيامين نتانياهو, غير انه تصرف وكأنه فقد اعصابه واضاع فرصة تعديل قواعد اللعبة باتجاه التسوية, بدل الاستمرار في لعبة الموت المجاني. اما الولايات المتحدة فلم تبدل موقفها فهي تتفهم على الدوام خلفيات الاعتداءات الاسرائيلية في لبنان, ولا ندري كيف تتقبل واشنطن ان تدمر الطائرات الاسرائيلية المنشآت المدنية في لبنان لمجرد ان الجيش الاسرائيلي يقف عاجزا امام ضربات المقاومة؟ والى اي حد تقبل ان تنتقم اسرائيل من شعب برمته لانها فقدت جنديا لها وهي تحتل ارض لبنان؟ ان واشنطن وتل ابيب ترتكبان خطأ فادحا اذا ما اعتقدنا ان تدمير البنى التحتية سيحمل الدولة اللبنانية على تبديل موقفها تجاه المقاومة, ان لفي هذا الاعتقاد جهالة كبرى برئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود الذي كرر غير مرة بان الجيش اللبناني لن يكون شرطيا لاسرائيل, وياليت الولايات المتحدة, تتفهم موقف الدولة اللبنانية ومقاومتها بقدر تفهمها الموقف الاسرائيلي, فما يطالب به لبنان هو حق من حقوقه الدولية, وما تتذرع به اسرائيل يخرج عن كل الحقوق والقوانين والمواثيق. ولا يخفف من خطأ واشنطن في تغطية الاعتداءات الاسرائيلية الاخيرة ضد لبنان انها تسعى الى انقاذ ايهود باراك من الاحتراق السياسي, علما بان احراق لبنان لن ينقذ ايهود باراك من الاحتراق, بل على العكس قد يقربه من النار الحارقة. لقد ساق ايهود باراك نفسه الى الاحتراق عندما رضخ لطبول المعارضة الاسرائيلية وقرر تعليق المفاوضات على المسار السوري الى حين يعوم نفسه اسرائيليا, واستغل الهجمات الناجحة التي نفذتها المقاومة في جنوب لبنان للاعلان عن توقف المفاوضات مع سوريا, ظنا منه ان هذا التدبير يعيد الاعتبار الى شخصه فيظهره مجددا بمظهر الحريص على امن جنوده وامن اسرائيل عبر الانقضاض على المنشآت الحيوية في لبنان لكن الاعتداءات الاسرائيلية اعادت في الواقع الاعتبار الى المعارضة, ووقع ايهود باراك مرة اخرى في حبائلها وفي رفضها لسلوكه السلمي في المنطقة, سواء اكان هذا السلوك حقيقيا ام مجرد مخادعة. خيل لايهود باراك انه وجد في احراق لبنان وسيلته الفضلى لينقذ بها نفسه من الاحتراق, غير اني ارى ان اعتداءاته الاخيرة ضد لبنان لن تنقذه من الاحتراق, بل سوف تزيده احتراقا, ولن تعيد تعويمه في الشارع الاسرائيلي, بل سوف تزيده غرقا في حبائل المعارضة, لقد اهتزت صورته البراقة وصار اعجز من ان يواجه مشاكله الداخلية مع المعارضة ومع القضاء, واعجز من ان يستكمل المفاوضات على المسار السوري, واعجز من ان ينفذ وعده الانتخابي بسحب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان. لقد اوهم باراك المجتمعين الدولي والعربي بانه يمسك بزمام الامور في اسرائيل, وبانه قادر على صنع السلام مع سوريا, وبانه قادر على سحب الجيش الاسرائيلي من لبنان, وتبين مع الوقت والتجارب بانه اضعف من الامساك بزمام الأمور الداخلية ومن الانسحاب من الجولان الى حدود الرابع من يونيو 1967. والسؤال الكبير المطروح في كل من بيروت ودمشق هو: هل كل ما وعد به ايهود باراك يدخل في دائرة الوهم؟ لن يستغرق الامر طويلا لنتبين الجواب. فنحن مازلنا نعتقد ان المفاوضات السورية ـ اللبنانية مرشحة للاستئناف, وبان الانسحاب من لبنان واقع في الربيع المقبل.