جاء الى الكويت يوم الاثنين الماضي الرئيس السوداني الفريق عمر البشير الذي يزور الكويت لاول مرة, واستقبله الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح استقبالا وديا بعد قطيعة تسع سنوات تأخرت فيها العلاقات الكويتية ـ السودانية حتى وصلت الى حد القطيعة والجفاء . ظلت العلاقات الكويتية ـ السودانية دائما في احسن حالاتها منذ استقلال الكويت ومساهمة السودان بقوات رمزية في اطار الجامعة العربية خلال حكم عبدالكريم قاسم في بغداد, ولم تتعثر المسيرة السهلة لهذه العلاقات خلال عهد النميري او خلال فترة صادق المهدي, قبل الاطاحة به من قبل جبهة الانقاذ الاسلامية. ومع الغزو العراقي واحتلال الكويت, جاء مؤتمر القمة العربي في العاشر من اغسطس 1990 لبحث الوضع الخطير في اعقاب ذلك الغزو, وكان موقف السودان في ذلك المؤتمر ـ صدمة للكويتيين ولاهل الخليج ولكل المتمسكين بالعدالة وسيادة القانون ولكل مبادىء الشرعية الدولية والعربية, حيث امتنع السودان عن تأييد القرار الذي ادان الاحتلال, وايد الكويت في خطواتها للتحرير, ولم يكتف السودان بالامتناع في المؤتمر وانما ساهم الرئيس البشير نفسه بتدخلات خلال مداولات المؤتمر في غاية السلبية, المشككة في حق المظلومين باللجوء الى القدرات العالمية لازالة الظلم عنهم, ويمكن انه ذهب في سلبيته الى حد بعيد اثار حفيظة المسئولين الخليجيين الكبار الذين استغربوا الموقف المتوتر للرئيس السوداني واستغربوا اندفاعه في تصعيد الاجواء داخل القمة بدلا من السعي للتهدئة. وانقطعت الاتصالات منذ ذلك الوقت بين الكويت والسودان في عهد جبهة الانقاذ التي مارس الدكتور حسن الترابي السلطة من خلالها ورسم السياسة السودانية الخارجية وفق توجهاته, المعادية للمواقف الغربية, والمشككة في الحضارة الاوروبية واتباع سياسة التقارب مع ايران الثورة, وبغداد البعث دون اي اعتبار للمبادىء والمواثيق وحقوق الشرعية الدولية. وقد ا خرجت السياسة السودان من لائحة الدول ذات الاعتبار والتقدير في السلوك الدولي, وادخلت تلك السياسة الخرطوم في صدامات حادة مع الولايات المتحدة بالذات, ومع مصر الجارة المقربة من التاريخ والوجدان السوداني. وشهد السودان حقبة سيئة في تاريخه الحديث بتبني جبهة الانقاذ تجمعات سياسية اسلامية لجأت الى العنف, للتعبير عن مواقفها وللحصول على مكاسب استراتيجية وسياسية, ومن تلك المجموعات خرج اسامة بن لادن الذي كان له صولات وجولات على ارض السودان, وخرجت المجموعة التي حاولت اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك. وكلنا يعرف قصة السودان في عهد زعامة الترابي صاحب النهج المتطرف في التعامل مع الخصوم, ذلك النهج الذي جلب الاذى والدمار للشعب السوداني النبيل. وقد تابعت مواقف السودان في مؤتمرات عديدة خلال فترة الغزو في عدم الانحياز, وفي الامم المتحدة والمؤتمر الاسلامي, ورأيت الكثير من المشاهد العجيبة من ممثلي السودان الذين حاولوا في تلك الظروف المريرة, ان يعطلوا اجماع تلك اللقاءات في ادانة العدوان العراقي, تحت ذرائع وهمية مثل التواجد الاجنبي والتدخل الامبريالي ضد المسلمين. وكانت تلك المفردات تأتي من اشخاص تعاملنا معهم وعرفناهم اصدقاء قبل الغزو, نرتاح لهم, ولكننا لم نكن نعرف بانهم اصدقاء المناسبات السعيدة فقط. ظلت العلاقات متوترة رغم انها لم تنقطع حيث بقي القائم بالاعمال الكويتي في الخرطوم يواصل اتصالاته مع قطاعات واسعة من كتاب ورجال ثقافة وفكر وممثلي الجالية السودانية التي عاشت في الكويت. وقد كان هؤلاء من الذين رفضوا منطق الترابي في تقاعسه عن ادانة العدوان وفي تقديمه مبررات فلسفية حول سياسة السودان. كان الترابي, في تبريراته, يلجأ الى ما كان يسميه (فقه المصالح) الذي جعله الترابي المحور الجوهري في سياسة السودان الخارجية دون اعتبار لمبادىء القانون الدولي وحقوق العدالة وحق الشعوب في حماية حريتها واستقلالها وسيادتها. وقد عانى السودان من تلك الفلسفة التي وضعته في عزلة اقليمية ودولية لم يشهدها في تاريخه. كانت علاقته بدول الجوار بما فيها مصر, سيئة جدا, لانه لم يأخذ في الاعتبار حقوق هذه الدول في تأمين سلامتها واستقلالها ولم يثق في نواياها, وخاصم زعماء السودان ورجالها ودفع اهل السياسة الى اللجوء الى تشكيل جبهة واسعة من المعارضة لاسقاط الحكم الفردي المتمثل في جبهة الانقاذ. ولم يتحرك الرئيس عمر البشير لمعالجة الوضع الى ان وجد نفسه مشلولا مقيدا في ادارته لشئون الدولة, واشتكى من وضع السودان الذي قال عنه بان دولة لها رأسان, وحكومتان مختلفتان, الامر الذي جعل البشير يذهب في اجراءاته الى اعلان حالة الطوارىء, وتعليق الدستور, وحل البرلمان, والقضاء على ظاهرة الازدواجية. بدأت العلاقات الكويتية ـ السودانية في التحرك في آخر سنتين, بمبادرة من الشيخ صباح الاحمد الجابر, النائب الاول ووزير الخارجية في دولة الكويت, عندما اجتمع لاول مرة مع وزير خارجية السودان طه عثمان, النائب الاول الحالي للرئيس البشير, الذي زار الكويت زيارة قصيرة, ثم جاء العام الماضي وزير الخارجية السوداني د. مصطفى حاملا رسالة من البشير الى الشيخ جابر الاحمد امير الكويت, وتمكن من فتح السفارة السودانية في الكويت وتعيين قائم بالاعمال مقيم فيها, بعد رفع العلم السوداني. ويمكن القول ان مبادرة الشيخ صباح الاحمد في فتح القنوات مع كل من الاردن واليمن, والسودان ساهمت الى حد كبير في تهدئة الرأي العام الكويتي الذي ما زال يتذكر مواقف حكومة البشير بألم ممزوج بالغضب. وعندما جاءت اجراءات البشير الاخيرة كان لها وقع طيب لدى الرأي العام الكويتي الذي وضع اللوم على تطرف الترابي وانتهازيته في تعزيز مكاسبه الشخصية على حساب المصالح العليا للسودان وعلى حساب سمعته, على امل ان يتمكن الفريق البشير من بسط سيطرته الكاملة في صراعه مع حسن الترابي. منذ ايام كان لنا لقاء مع السفير ووكر ـ مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة لشئون الشرق الاوسط, خلال زيارته للكويت, وتحدثنا عن احداث السودان وقلنا بان زيارة البشير الى الكويت هي دعم له, في صراعه مع فلسفة الترابي, ومع نهجه التصادمي المؤدي الى عدم الاستقرار, وكان رد المسئول الامريكي بان الولايات المتحدة تريد المزيد من الخطوات الملموسة التي تخرج السودان من تهمة الارهاب وتجعله دولة اعتيادية لها علاقات طيبة مع الجميع. نحن في الكويت نتمنى ذلك, ونتمنى ايضا ان يفوز البشير ويخرج الترابي من الساحة السياسية السودانية التي عزلها واساء الى سمعتها. وبالطبع فان هناك من يتمنى عودة الترابي بقوته السابقة, وهؤلاء هم اعداء السودان الحقيقيون, الذين لم يثمنوا دور السودان السابق في التعامل العقلاني والاسهام الخيري. ومع ترحيبنا بالفريق البشير في الكويت, فاننا نود التذكير بحجم التحديات التي تواجه السودان والتي لابد ان يتعامل معها الفريق البشير بواقعية وجدية بعيدا عن الشعارات والمفردات العقيمة. واولها اتخاذ اجراءات اقتصادية صعبة لوضع برنامج الاصلاح الذي ينتظره السودان, وتحرير السياسة المالية وجعلها منسجمة مع التطورات العالمية ومع حقائق العولمة, والتوجه نحو التخصيص واخراج السودان من البيروقراطية ومن برامج الارتجال التي شهدها السودان وادت الى تدمير الحالة الاقتصادية السودانية. كما ان على السودان ان يبدأ في تحسين صورته العالمية سياسيا واقتصاديا من اجل اغراء الاستثمارات الاجنبية والعربية للدخول الى السودان والبدء في تبني النهج الانفتاحي الحديث الذي يمكن السودان من الاستفادة من الموارد المالية عربيا ودوليا. لقد استثمرت الكويت اكثر من خمسمئة مليون في مصانع السكر ومصانع اخرى يملكها القطاع الخاص الكويتي, كلها اختفت بالفساد والارتجال والتأميم. وتأتي المصالح السياسية التي لاتقل في الاهمية والحساسية عن الاصلاح الاقتصادي واهمية الدخول في حوار جدي مع المعارضة ومع الشخصيات الوطنية لوضع دستور حضاري دائم يستند على المكاشفة والديمقراطية والمساءلة والتداول, كما يركز على حقوق الانسان, وبناء المجتمع المدني الذي ينشده شعب السودان النبيل. وآخر التحديات التي امام الرئيس البشير هي مشكلة الجنوب التي لايمكن حلها بالقوة خاصة بعد ان اخذت ابعادا اقليمية ودولية ولابد من التعامل معها بما يحفظ تراب السودان ويحقق مصالح الشعب السوداني في الجنوب, وهي مشكلة لا يستطيع البشير حلها بمفرده, وانما تحتاج الى توافق شعبي عام يقر مبدأ الفيدرالية او الكونفدرالية دون انسلاخ الجنوب عن الشمال, لان ذلك سيؤدي الى خلق توتر واضطرابات لا تستطيع ان تتحملها المنطقة باسرها. ومع هذه الكلمات القصيرة نرجو ان يدخل السودان الفصل الجدي الحاسم في تاريخه ليتفق مع اهله على مشروع سياسي ـ اقتصادي ـ قانوني يعيد الى السودان حيويته ومساهمته وعافيته داخليا واقليميا ودوليا.