في رسالة صيغت بلهجة حادة, رد جون قرنق رئيس (الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان) الذي يقاتل في جنوب البلاد على رسالة المكاشفة التي بعث اليه بها رئيس الوزراء السابق زعيم حزب الأمة والتي نشرت البيان نصها أمس . ولم يكتف قرنق في رسالته التي حصلت (البيان) على نصها المكتوب بالانجليزية بتفنيد (المآخذ) التي وجهها المهدي لحركته بل تجاوز السياق وعمد بدوره الى توجيه اتهامات صريحة لحزب المهدي مفرغا كل ما كان كامنا من ثارات دفينة مضى على بعض فصولها عقود من الزمان. ولدواعي التوثيق وتعميم الفائدة تقدم (البيان) فيما يلي استعراضا موسعا ـ عبر ترجمة رسمية ـ لنص الرسالة: استهل قرنق رسالته مخاطبا المهدي بالقول: (كنت أود ألا أصدق ما جاء في رسالتكم التي قمتم بتوزيعها على نطاق واسع حتى قبل أن تصلني) ملمحا الى أنه وطالما أن الغرض من الرسالة كان النشر والعرض فإنه يجد نفسه مضطرا للرد عليها (خاصة وان الرسالة غارقة في التشويش وتعاني من فقدان المصداقية وتحتوي على قدر هائل من الملاحظات والدعاوى الدعائية) مؤكدا أنه إن لم يفعل ذلك فإن الأمر برمته يبدو استخفافا به. وبدأ زعيم الحركة الشعبية بتفنيد ما اسماه بـ (الادعاءات الفاضحة حول اعتراف حزب المهدي بالأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية للأزمات السودانية التي صاحبت الحرب الأهلية) , مذكرا بأن المهدي ترأس حكومتين منذ العام 1964 (وما من سياسي أو حزب سوداني في تاريخ السودان استطاع أن يهدر فرصتين لاصلاح الاوضاع في السودان.. و(بالتالي) ما كان يمكن للسودان أن يدخل في غمار حربين) . وقال (ان الانسان السوداني لا يعاني من فقدان ذاكرة بل يلم بالحقائق) . ودعا قرنق المهدي لمراجعة الاحداث التي تلت العام 1964 الذي يعرف في تاريخ الحرب الأهلية في السودان بعام ثورة أكتوبر ومؤتمر المائدة المستديرة حول ما يسمى مشكلة جنوب السودان ونتائج ذلك المؤتمر, مشيرا إلى أنه (لو كانت هناك حكومة واحدة تتحمل مسئولية الفشل في عدم تنفيذ القرارات التي اتخذها المؤتمر, مهما كانت قيمتها, فهي حكومة حزب الأمة) , وشدد على ان المهدي (يتحمل قسطا وافرا من اللوم) لأنه اصطف الى جانب الترابي بالمناداة لأول مرة في تاريخ السودان الحديث بالدستور الاسلامي في بلد متعدد الديانات والثقافات مثل السودان. وأضاف: (منذ ذلك التاريخ تدهورت الاوضاع السياسية في السودان حتى وصلت إلى قاع الهاوية العام 1989 بقيام النظام الفاشي للجبهة الاسلامية) . وتوقف قرنق في رسالته فيما أسماه بـ (الدعاوى الزائفة التي ساقها المهدي حول ريادة حزبه, تحت قيادته في تبني أطروحات التفكير الجديد حول موضوع التنوع) , وتساءل قرنق عن (من هو المسئول عن الأفكار القديمة؟ اذ يصعب نعت رجل وحزب بصاحب الأفكار الجديدة في الوقت الذي كان يسعى فيه على الدوام لتعريب وأسلمة جنوب السودان) , وذكر المهدي بمحاضرة قال إن الأخير ألقاها (بمنطقة الخليج في وقت غير بعيد) وتحدث فيها بعلانية حول الأسباب التي تدعو لتعريب وأسلمة الجنوب, وهي الأفكار نفسها التي ضمنها المهدي في كتابه (مستقبل الاسلام والعروبة في السودان) . وجاء في الرسالة: (إن الأفكار الخاصة بالسودان الجديد, التي يحاول المهدي التغول عليها, طرحها داخل الخرطوم الذين كانت حكومة المهدي تصفهم بالطابور الخامس) . وقال قرنق: (الشعب السوداني يمكن أن يغفر العثرات والأخطاء إلا أنه شعب لا ينسى ولا يزال التاريخ ومضابطه تحتفظ بأحداث الفترتين اللتين كان فيهما المهدي على رأس الوزارة, تماما كما يحتفظ بأحداث المهدية التي يتمنى العديد من السودانيين, خاصة الجنوبيين عدم تذكرها) . وهاجم قرنق بضراوة المحاولات التي قال المهدي إنه قام بها لحل خلافات قبائل نقاط التماس. واعتبر قرنق أن المهدي (لعب دورا هاما, كرئيس للوزراء في اذكاء الصراعات في تلك المناطق بإنشاء الميليشيات القبلية... وكل ما فعلته الجبهة الاسلامية بعد ذلك هو السير على النهج نفسه وانشاء ميليشيات حكومية قبلية محل ما كان يعرف بـ (القوات الصديقة)) . وتطرقت الرسالة (إلى المجازر التي ارتكبت في حق عناصر قبيلة الدينكا بمدينة الضعين وتفشي تجارة الرقيق في حدود مناطق شمال بحر الغزال, وذلك لا يدعو للاستغراب طالما كان منسجما مع خط المهدي) . وعرج زعيم الحركة الشعبية على ما ذكره المهدي عن التعاون بين (الأمة) و(الحركة) لمصلحة السلام والديمقراطية وإعادة بناء السودان واحترام المهدي للاتفاقات التي تم التوصل إليها في هذا الصدد. وعبر قرنق عن أسفه لأن ما أورده المهدي من حديث (لا تدعمه الحقائق.. لأن العلاقة بين الطرفين لم تبدأ مع الاعلان عن قيام التجمع الوطني الديمقراطي وانما تعود جذورها الى مرحلة سابقة اتسمت بالكثير من الشد والجذب) . وذكّر المهدي في هذا الصدد بلقاء كوكادام 1986 ومبادرة حزبه في التوقيع على اعلان كوكادام و(تنكر) المهدي له بعد أن أصبح رئيسا للوزراء, وإلى اتفاقية الميرغني ـ قرنق 1988 و(التي لقيت قبولا واسعا أكده الاستقبال الجماهيري للميرغني لدى عودته الى الخرطوم ولم تجد فيه أجهزة الاعلام آنذاك ما يستحق التغطية) وإلى (مماطلة) حكومة المهدي في تنفيذ الاتفاقية (ما سمح للجبهة الاسلامية باستغلال تلك المماطلة في تنفيذ انقلابها) . وأكد قرنق في رسالته أن حزب الأمة لعب دورا هاما بالتعاون مع الفعاليات الأخرى في التوصل لاتفاق أسمرا العام 1995, الا أنه نفى صحة (ادعاءات) المهدي بأنه هو وحزبه كانا وراء قبول الحركة الشعبية لتحرير السودان في التجمع, واصفا ما أورده المهدي في هذا الصدد بأنه (تزييف خطير للتاريخ) . ورفض قرنق (افتراءات) المهدي بتقديم الحركة الشعبية للرأي العام العربي, مشيرا إلى أنه قام بزيارة كل من مصر وليبيا واليمن دون أن يلعب المهدي أو حزبه أي دور في تلك الزيارات, متهما المهدي بتقديم صورة سلبية للحركة في العالم العربي, ما دعا العديد في الفعاليات العربية في أن تطرح على الحركة السؤال (ما المشكلة بينكم وبين رئيس الوزراء السابق؟) . وأشار قرنق إلى متانة العلاقة بين الحركة وحزب الأمة منذ مؤتمر أسمرا 1995, سواء داخل أو خارج اطار التجمع, إلا أنه اعتبر أن (الأوضاع تبدلت داخل التجمع منذ خروج المهدي من السودان حيث كان الأخير يرغب دائما في إلغاء كل الاتفاقات التي تم التوصل إليها وكل مؤسسات التجمع) , مشيرا إلى محاولات المهدي لاقناع التجمع بالموافقة على مصالحة مع نظام الجبهة, وهي (محاولات نجح التجمع في مقاومتها) . وقال قرنق إن العديد من السودانيين حذروه من أن المهدي ما هو إلا طابور خامس للجبهة الإسلامية داخل التجمع لكن التحركات الأخيرة ممثلة في لقاء جنيف واتفاقية جيبوتي وملاطفة لنظام الجبهة الإسلامية (قد يحمل ما يؤكد ذلك الاعتقاد) . وتطرق قرنق للمسائل الخلافية بين الجانبين مؤكدا امكانية احصاء المزيد منها. واعتبر أن (ادعاء) المهدي بتوسيع مبادرة الإيجاد لتتناول بعض الجوانب التي لم تهتم بها (ينطلق من فهم غريب للمبادرة) إذ أن ما لم تتناوله المبادرة ليس جوانب, انما طرف, أي وجود التجمع الوطني الديمقراطي في مفاوضات الايجاد, ووجود مصر كدولة لها مصالح واهتمامات مشروعة بالسودان, موضحا ان العنصر الأول أن هيئة قيادة التجمع توصلت إلى قرار واضح حول مسألة انضمام التجمع إلى المبادرة (مارس 1998), ووقعت الحركة على القرار مذكرة الجميع أن مسألة انضمام التجمع إلى المبادرة تتوقف على ثلاثة أطراف هي الوسطاء والطرفان المتفاوضان ـ الحركة ونظام الجبهة الإسلامية ـ ولهذا فليس من العدل اتهام الحركة بعدم التحمس لانضمام التجمع إلى مبادرة الايجاد, مؤكدا أنه مطمئن لموقف الوسطاء تجاه انضمام التجمع للمبادرة, إلا أنه غير متأكد من موقف نظام الخرطوم الذي وصفه للمهدي بـ (حلفائك الجدد) . وعرج قرنق على موضوع مشاركة مصر في مبادرة الايجاد والمبادرة المشتركة مؤكدا أن الحركة ومنذ العام 1997 سعت ومن خلال مشاورات مباشرة مع مصر إلى ضمها إلى منبر الايجاد للسلام. وأضاف: (الحركة لم تغير رأيها في المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة بل أكدت وبعبارات واضحة وقاطعة ثلاثة أمور هي عدم ضرورة وجود مبادرتين. في الوقت ذاته ودعت لتنسيق المبادرة المشتركة أو ربطها بمبادرة الايجاد وبضرورة استجابة نظام الجبهة الاسلامية لمطالب التجمع لخلق الظروف المواتية للحوار, بما في ذلك إلغاء قانون التوالي ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية, واتخاذ التجمع لموقف تفاوضي واحد مثل الدخول في حوار مع النظام) . وعرج قرنق على تناول ما أثاره المهدي حول الاتهامات الموجهة لكل من الحركة ونظام الخرطوم بإطالة أمد الحرب وانتهاك حقوق الإنسان مما قد يؤدي إلى تدخل دولي عسكري في السودان, فقال إن إثارة هذا الموضوع (انما تهدف إلى حشد الرأي العام في الشمال خلف تذرعات عرقية ودينية) , وتطرق إلى أحداث بور (التي وقعت خلال رئاستكم للحكومة في الستينيات والتي أدت إلى مقتل العشرات بمن فيهم آباء بعض القادة الحاليين في الحركة والذين يمكنهم الغفران, ولكن يستحيل عليهم نسيان تلك المجزرة) . وحول اتهام المهدي الحركة بأنها تتخذ مسافة بعيدة عن التجمع, طمأن جون قرنق المهدي بالتأكيد على التزام الحركة بنهج التجمع عسكريا وسياسيا (حيث تعتبر الأكبر والأقوى عسكريا, وذلك لم يتم من خلال النداءات المتكررة بالهجرة التي لم تجد أذنا صاغية بل من خلال التخطيط المتواصل والالتزام والقيادة) , وتحدى قرنق المهدي (الذي يلتزم بالعمل السياسي ويقدمه على ما عداه) أن يثبت له بالبراهين أن حزبه هو الأكبر في السودان كما ورد في رسالته إلى قائد الحركة. وأكد قرنق في رسالته للمهدي ضرورة أن تعمل القوى التي تشكل التجمع والتي وصفها زعيم حزب الأمة بـ (الخشب الميت) للسعي سويا نحو مرحلة ما بعد الفترة الانتقالية, مؤكدا انها القوى الوحيدة التي تستطيع انجاز ذلك (إلا إذا كان المهدي يؤمن بضرورة أن يحكم السودان حزب واحد, أو رجل واحد في واقع الأمر) . وعبّر قرنق عن استغرابه في إشارة المهدي في رسالته اللقاء الذي جمعه في جيبوتي مع رئيس النظام بأنه (اجتماع عادي تحول إلى شيء آخر) , كما عبّر عن دهشته من قدرة المهدي على (التوصل إلى اتفاق خلال ثلاث ساعات فقط في الوقت الذي لم يستطع الآخرون تحقيق ذلك خلال عشر سنوات) . ودافع قرنق عن لهجة الخطاب الذي ألقاه في اجتماع كمبالا نافيا أن يكون مشوشا أو غير منصف, إلا أنه أكد أنه كان لاذعا بالفعل, مطالبا المهدي بوقف محاولات (دس الرؤوس في الرمال وتأجيل النظر في الخلافات) , مؤكدا أنه لم يفعل شيئا (سوى دحض الادعاءات) التي ساقها المهدي. وأبدى قرنق اعجابه بمواقف حزب الأمة من قضايا الأقليات المهمشة, مؤكدا في الوقت ذاته حقيقة (إن كان هناك مهمشون فلابد من وجود مهمشين, متهما المهدي بأنه واحد منهم انطلاقا من ادعائه بأنه ساهم في العمل على حل قضاياهم) . وتناول قرنق ما اسماه (ادعاءات) المهدي بسعيه الاستراتيجي نحو السلام العادل والديمقراطية والاستقرار الاقليمي واعادة السودان إلى موقعه الطبيعي وسط العالم المتمدن, واصفا إياها (باللغو في ظل الأحداث التاريخية) التي سردها, وقال إن السودان الذي يلقى الاحترام الدولي اللائق (لا يتشكل من قبل أولئك الذين لا هم لهم إلا تزييت وتلميع الأفكار القديمة بإلباسها دثارات جديدة) . واعتبر ان الوفاق السياسي الشامل الذي يروج المهدي له (ما هو إلا مصالحة مع نظام الجبهة الإسلامية, وهي مصالحة ترقى إلى الاستسلام بخلاف المصالحة التي توصلت إليها مع النميري العام 1977) . وشدد قرنق في ختام رسالته على إيمان الحركة بالسلام وسعيها نحوها مدللا على ذلك بالمفاوضات التي أجراها مع الحكومات المتعاقبة منذ الحكم المايوي, بما في ذلك حكومة الصادق المهدي وحكومة الجبهة الإسلامية, مؤكدا على أن السلام هو الخيار الذي تسعى إليه الحركة. كتب مأمون الباقر