طرح الزعيم السوداني المعارض, رئيس الوزراء السابق, رئيس حزب الأمة, كل مآخذ حزبه على الحركة الرئيسية التي تقاتل في جنوب البلاد بزعامة العقيد جون قرنق. وضمن المهدي رسالة مكاشفة بعث بها الى (الدكتور) قرنق, انتقادات حادة لعدد من المواقف التي قال انها اضرت بمسيرة (التجمع الوطني الديمقراطي) الذي يتحالف الرجلان تحت اطاره ويضم كافة القوى المعارضة لنظام الخرطوم. وشرح المهدي في رسالته التي حصلت (البيان) على نصها الدوافع التي حدت به لتبني خط ايجاد تسوية سياسية شاملة للأزمة السودانية ودفعته الى توقيع اتفاق جيبوتي مع الرئيس السوداني عمر البشير, وكشف المهدي في هذا الصدد ان الاتفاق لم يكن مخططاً انما (فاجأه البشير بعرضه عليه خلال لقاء اجتماعي عادي فلم يجد بداً من قبوله) !. وواجه المهدي حليفه المفترض قرنق بعدة اتهامات صريحة منها ان حركته مسئولة عن انتهاكات حقوق الانسان (الأمر الذي يضعف موقف التجمع) , وان الحركة طرحت خيار الكونفيدرالية من وراء ظهر التجمع بجانب ان سجل الحركة فقير للغاية في امر الالتزام بمقررات (التجمع) . وختم المهدي رسالته بتصور لحل الأزمة السياسية يمكن من تشكيل حكومة انتقالية (قومية) يعقب عقد مؤتمر وطني جامع يضم كل الاحزاب ويعد لوفاق سياسي شامل. وفيما يلي ترجمة غير رسمية لنص رسالة المهدي المكتوبة بالانجليزية ووجهت الى قرنق في الثاني والعشرين من ديسمبر الماضي: أكد المهدي في صدد رسالته على الثوابت التي توصل لها حزب الامة منذ العام 1964 والتي تمثلت في اقراره بالخصائص السياسية والثقافية والاقتصادية التي يتميز بها السودان, وفي ريادته في طرح الافكار الجيدة التي شكلت العلاقة ما بين انماط التفكير التقليدية والجديدة خاصة الاعتراف بالتعدد الثقافي واقامة الحقوق الدستورية على اساس المواطنة واحترام حقوق الانسان التي تشكل اهم محاور دستور البلاد في المستقبل والسعي للتوصل لاتفاقيات سلام بين قبائل نقاط التماس لمنع الجبهة الاسلامية من تجنيد افرادها في حربها الجهادية والمبادرة الخاصة بعضوية الحركة الشعبية في التجمع الوطني الديمقراطي وتقديم الحركة الشعبية للعالم العربي في ظل شكوك متبادلة. واضاف انه ومنذ بداية تعاوننا لمصلحة السلام والديمقراطية واعادة هيكلة السودان دأبنا على اقامة علاقات مشرفة اكدتها الاتفاقيات التي توصلنا اليها والادوات التي اتفقنا عليها لتحقيق قراراتنا بما يرضي التطلعات المشروعة لشعب السودان. واشار المهدي في خطابه الى عدم اتفاق الجانبين على مسائل معينة حددها في التالي: ـ دعوتنا لتحديث مبادرة الايجاد وتوسيعها لتأخذ في اعتبارها بعض الجوانب التي لم تتطرق اليها ولم تكن الحركة متحمسة لهذا الاتجاه. ـ شجعنا ودعمنا المبادرة الليبية ـ المصرية المشتركة كأداة ضرورية لمعالجة نواقص الايجاد وللتكامل معها, وقد رحبتم مبدئياً بالمبادرة ثم اعدتم النظر حولها, اما مراجعة الايجاد التي اقترحتموها كبديل, لم تكن عادلة الامر الذي لا يجعل رفضنا لها يبدو امراً مستغرباً. ـ تزايدت مخاوفنا وشكوكنا اواخر العام 1998 من اتخاذ قرارات دولية ضد شعب السودان, واتجاه البلاد نحو البلقنة, وقد لا تكون قد شعرت بتلك المخاوف والشكوك, ومع ذلك فإن محادثاتنا مع بعض اللاعبين الاساسيين في الساحة الدولية لم تترك لدينا اي شك في ان الحركة الشعبية والجيش الشعبي والحكومة مسئولة عن انتهاكات حقوق الانسان واستمرار الحرب, وبلقنة السودان لا ينظر اليها من خلال علاقات الشمال والجنوب بل هي ظاهرة. انت لست سبباً في تلك المخاوف ولكنك واحد من ضحاياها المحتملين. واهم سببين لاختلاف وجهات نظرنا هما وتيرة البحث عن اتفاق سياسي شامل في السودان وهامش التحرك الحزبي تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي. وعدد المهدي في خطابه بعض المحطات السياسية في منطقة القرن الافريقي وقبول حكومة الخرطوم لاعلان مبادئ ايجاد الامر الذي يعتبر تراجعاً في خطابها السياسي وقبولها بالمواطنة كحق دستوري والموافقة على بعض قرارات مؤتمر اسمرة 1995 خاصة مبدأ تقرير المصير للجنوب وانشاء لجنة قومية لصياغة دستور يكفل التعددية الحزبية وتراجع النظام عن اجندته الدولية واحتمالات البلقنة موضحاً ان كل تلك المتغيرات اجبرته على التحرك سريعاً بحثاً عن وفاق سياسي شامل يقوم على التطورات الجديدة. واشار المهدي الى ان الحركة الشعبية بالرغم من انها عضو في التجمع الوطني الديمقراطي الا انها لا تنتمي اليه, فقد حافظت على مسافة تنظيمية وسياسية, مؤكداً انه بذل جهداً كبيراً لانتشال التجمع من حالة التوهان التي يعيشها, وعدد المهدي المحاولات التي قام بها بادئاً بالبرنامج الذي طرحه في مارس 1997 والذي يتضمن 10 نقاط تسير جنباً الى جنب مع الانجازات العسكرية واقتراحه بتشكيل مجموعة عمل لتنفيذ ذلك البرنامج موضحاً انه تم قبول البرنامج الا ان تشكيل المجموعة قوبل بالرفض. وأوضح ان حزب الأمة انتقد في مؤتمره الرابع ـ فبراير 1998 البنية الهيكلية للتجمع وعدم فعاليته مقترحاً برامج اصلاحات لاعادة تأهيل الهياكل وتوسيع التجمع وتفعيل نجاحه, بلا جدوى. واشار الى انه وبعد عدة محاولات فاشلة في اصلاح وتفعيل التجمع قرر حزب الأمة التحرر من قيود وممارسة نشاطه في اطار القرارات التي تم الاتفاق عليها واوضح ان الحزب سيقتضي بأي انسان سعياً لتحقيق الوفاق الوطني الشامل. واشار المهدي الى لقاء جيبوتي مع الرئيس السوداني وتوقيع نداء السودان, مؤكداً انه كان اجتماعاً عادياً تم فيه تبادل وجهات النظر حول آليات تحريك المبادرة المصرية ـ الليبية وتوازن اجتماع جنيف مع الترابي (وفرصة لنا لتوضيح ضرورة اجراءات بناء الثقة) موضحاً بأنه تفاجأ من استعداد البشير للتوصل الى اتفاق, واستعداده للتوقيع على ملخص للمستند الذي يحدد موقفنا ولم يكن من المستغرب ان نقبل ذلك. وأوضح المهدي ان من نظر الى الجوانب الايجابية لاتفاق جيبوتي استوعب مضامينه وقدره, مبدياً عدم استغرابه من رد الفعل السلبي الذي صدر من اجتماع القاهرة (لأننا نعلم تماماً كيف تم الاعداد له) , واوضح المهدي انه وبالرغم من ترحيبه بموقف الحركة من تطوير مبادرة الايجاد والمبادرة المشتركة بعد عودة قرنق من واشنطن, الا انه فجع برد الفعل السلبي والقوي تجاه اتفاق جيبوتي مشيراً الى ان الكلمة التي القاها قرنق في كمبالا (8 ديسمبر 1999) كانت لاذعة وغير عادلة وهجوماً مشوشاً ضد حزب يمثل غالبية اهل السودان وله اليد العليا في صياغة السياسات الجديدة تجاه قضايا الاقليات السودانية المهمشة. واشار المهدي الى ان الحركة تقدمت اكثر من مرة للحكومة بخطة لقيام دولتين كونفيدراليتين اي تقسيم السلطات بين الحركة الشعبية ونظام الجبهة الاسلامية, كما رسمت حدود هاتين الدولتين, موضحاً ان هذا يتعارض تماماً مع مقررات اسمرة وكافة الاتفاقيات السابقة للتجمع. كما اشار الى ان الحركة كانت جزءاً من قرارات التجمع في مارس 1998 بتمثيل التجمع في مبادرة الايجاد وتوسيعها, موضحاً انه كان هناك افتراض ان النظام هو الذي لا يوافق على ذلك الا ان الايام كشفت ان الحركة هي التي لا توافق على مشاركة التجمع في مباحثات الايجاد, وعندما اقترح قرنق مشاركة التجمع انما كان يعبر عن وجهة النظر غير المقبول للموفد الامريكي جونستون. واشار الى الموافقة العلنية للحركة على المبادرة الليبية ـ المصرية المشتركة وتوقيعها على ميثاق طرابلس, ثم عدلت موقفها وأوشكت على رفض المبادرة برمتها, موضحاً انه وبالنظر في الالتزام بمرجعية قرارات التجمع فإن سجل الحركة يعتبر فقيراً للغاية موضحاً ان تقصي نشاطات حزب الامة خاصة فيما يتصل باتفاق جيبوتي سيؤكد على ان موقف الحزب ينسجم وتلك المرجعيات. واوضح ان سجل الحركة في مجال انتهاك حقوق الانسان وقف حائلاً دون نجاح حملة المعارضة ضد انتهاك نظام الجبهة الاسلامية لحقوق الانسان لأنه مليء بالانتهاكات, مشيراً الى حشد من التقارير الاجنبية التي تؤكد ذلك. واشار المهدي بأن الحزب سوف لن ينجرف عن خطه ويستجيب للهجوم غير العادي الذي تشنه عليه الحركة وسيظل ملتزماً بالسعي لتحقيق السلام العادل, والديمقراطية والاستقرار الاقليمي واعادة السودان الى المجتمع الدولي المتمدن. وتناول المهدي في خطابه اخفاق الجبهة الاسلامية في انعاش الاقتصاد وكسب الحرب واقتلاع المعارضة والتوسع في المنطقة واقامة دولة ومجتمع يمكن ان يقدم كنموذج اسلامي. كما نجحت المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية وردود الفعل الاقليمية والمجتمع الدولي في عزل ومحاصرة نظام الخرطوم. واشار الى ان ما يعانيه النظام داخلياً وخارجياً اجبره على تعديل مساره السياسي وخطابه الاقليمي واجندته الدولية كما تراجعت المساحة التي يتحرك فيها التجمع عسكرياً ودبلوماسياً, وزادت الحاجة الى عمل سياسي يمكن ان يقود الى حل النزاعات السودانية. واوضح ان جيران السودان سوف لن يحافظون على مواقفهم السابقة تجاه المعارضة السودانية نتيجة لتعديل اجندتهم تماشياً مع ما حدث من تغيير من سياسات النظام ونتيجة لأولويات امنية داخلية وما يحدث في القرن الافريقي والبحيرات العظمى من صراعات عسكرية وهم جيران شرفاء ادركوا ان لنا قضية عادلة وعليه فمن المعقول ان تتوقع منهم ربط تطبيع علاقاتهم بالسودان بحل مشاكل السودان الداخلية. واوضح المهدي انه قد تأكد لهم من خلال متابعتهم للأوضاع الداخلية والموقف الاقليمي والتطورات داخل النظام احتمال التوصل الى اتفاق سياسي وبرنامج للتحول الديمقراطي وكافة ما تضمنته اجندة التجمع في اسمرة, ولم يتبق الا الاتفاق حول الآليات والاجراءات التي تكفل الالتزام به واجراءات التحول. واوضح المهدي ان هذا السيناريو ممكن الحدوث استجابة لتطلعات شعب السودان, موضحاً انه ان لم يستجب النظام لذلك يمكن عندها خلق دينامية سياسية لممارسة ضغوط يستحيل مقاومتها موضحاً ان ما سيحدث عندها سيكون احد اثنين من السيناريوهات. أ ـ اقتلاع النظام من جذوره بالتصدي الفاعل له, وبالرغم من ان هذا سيحقق احلام كل من عانى من هذا النظام, الا ان الأدوات غير متاحة وكل ما يمكن تحقيقه خلق حالة زعزعة وعدم استقرار متواصل داخل السودان, الامر الذي قد يؤدي الى تفكك الدولة والمجتمع والصوملة. ب ـ تعميق المأساة الانسانية في السودان وادامتها لخلق اوضاع مواتية لتدخل دولي محتمل, والتدخل ان حدث فسوف لن يهدف الى حل شامل لمشكلات السودان, وسيخلق حالة قريبة من كوسوفو او تيمور الشرقية. انه مدخل لاستقطاب وطني ودولي غاية في الخطورة. وقد تكون هذه القطبية مدخل أداة لعودة الاسلاميين اكثر فاعلية نتيجة للمعارضة التي سيلقاها من العالم الاسلامي, ان المبادرات الاجنبية الضيقة قد تعود بنتائج عكسية, وتسمح للنظام بأن يظهر نفسه كعدو للامبريالية الجديدة وكحائط دفاع للاسلام والسيادة الوطنية, واوضح المهدي ان كلا السيناريوهين مرعب وغير مقبول, مشيراً الى التحولات داخل السودان في اعقاب قرارات 12 ديسمبر 1929 يمكن ان تؤدي الى واحدة من الاوضاع التالية: ـ نجاح الترابي في المحافظة على الوضع كما هو. ـ تحول البشير الى ديكتاتور عسكري بعد النجاح الذي تحقق له. ـ لجوء الطرفين للقوة والمواجهة الشاملة, الامرالذي سيعجل بالصوملة. ـ المزيد من المآسي والمعاناة التي تحتم التدخل الاجنبي. وكل تلك الاحتمالات قائمة وكارثية بالنسبة للسودان, ويمكن تفاديها فقط من خلال استراتيجية واقعية وفعالة وممكنة تتبناها المعارضة. وحزب الأمة من خلال قراءته للاحداث والمشاورات التي اجراها مع اطراف اقليمية واعضاء في التجمع الدولي يطرح البرنامج التالي: أ ـ عقد مؤتمر وطني جامع لكل الاحزاب لمناقشة وحل النزاعات الوطنية والاعداد لوفاق سياسي شامل. ب ـ يسترشد المؤتمر الوطني باعلان مبادئ للوفاق السياسي الشامل. ج ـ يحدد الوسطاء تاريخ ومكان انعقاد المؤتمر وعضويته واوراق عمله من خلال التشاور مع اطراف النزاع على ان يضم ممثلين لجيراننا في شمال افريقيا (ممثلين) والقرن الافريقي (5 ممثلين) . د ـ حكم البلاد من خلال دستور انتقالي لحين توصل المؤتمر لاتفاق تعده لجنة فنية تستعين في عملها بالمصادر الآتية: ـ الدستور الذي وضعته اللجنة القومية (لجنة الحكومة) . ـ اعلان مبادئ هيئة الايجاد. ـ مقررات اسمرة 1995. ـ نداء الوطن. و ـ اجازة الدستور الانتقالي من قبل قمة تضم القيادة السياسية للبلاد بوصفها الجهاز التشريعي. ـ تشكيل حكومة قومية انتقالية لحكم البلاد لحين تنظيم استفتاء وانتخابات قومية عامة, بموجب الوفاق الوطني الذي يتوصل اليه المؤتمر الوطني الجامع. كتب مأمون الباقر