خلال عام واحد من 7 فبراير 1999 ـ يوم رحيل الملك حسين ومبايعة ابنه الملك عبد الله ـ الى 7 فبراير ,2000 الذى بدأ فيه الملك الشاب عامه الثانى في الحكم انتقل الاردن من موجة ترقب, وقلق في انتظار المجهول, الى وضع يجد نفسه فيه الآن مع بداية قرن جديد, في حالة بحث اجبارية عن ذاته وعن دوره في مستقبل لا يملك كل مفاتيحه ! وعلى مدى سنة بأكملها اختلطت مشاعر التفاؤل ببداية صفحة مختلفة في تاريخ الاردن بأحاسيس التعاطف مع الملك الجديد الذى ورث فجأة تركة صعبة, مع طوفان من أمنيات الذين رأوا ان الاصلاح السياسى قد تأخر طويلا, وان السلام لم يبدأ بالفعل مع اسرائيل (او على الاقل ان ثماره لم تظهر بعد على اشجار الاردن), كما أن حقائق الاقتصاد كانت قاسية أكثر مما ينبغى على البلد الذى ظلمته الجغرافيا.. الى آخر الاسئلة التى وجد الملك نفسه مطالبا بالاجابة عليها ـ مع نهاية مرحلة وبداية عهد جديد ـ بما في ذلك مستقبل العلاقات مع اسرائيل والاستحقاقات المؤجلة للديمقراطية والبدائل المحدودة لتغيير صورة المستقبل. ومع ذلك فإن الخطوات الأولى الناجحة التى قطعها الملك الشاب ـ وبايقاع سريع ـ خلال عامه الأول في الحكم ستتطلب للانصاف بعض الوقت والصبر قبل أن تظهر نتائجها, لأن التحديات ليست سهلة بأى حال, ولأن تعقيدات الواقع لا تسمح لكل الامال المعلقة على التغيير في الاردن بالتحليق عاليا كما تريد, ومن بينها رغبات الملك نفسه في التحديث وبدء مرحلة من التطور الاقتصادى والاجتماعى يحاول أن ينقل فيها الاردن الى قرن جديد وصيغة لهويته وأوراقه تتواءم مع حقائق عالم متغير, فضلا عن رهانه على جيل جديد من الشباب الذين أكد الملك في حواره معه ضرورة بذل جهد كاف لفهم مشاكلهم وتطلعاتهم. وهو ماحدده بنفسه بقوله 60% من شعبى أصغر منى عمرا, واذا اردنا أى نجاح في المستقبل فانه يجب أن نكون على نفس الموجة معهم. والكثيرون من الذين يمكن ان تلتقى بهم في أى زيارة الى عمان عندهم تفسيرهم الجاهز لتأخر أى بوادر ملموسة للاصلاح, وهو في جملة واحدة: المقاومة التقليدية للتغيير من جانب الحرس القديم, الذين وصفهم صحفي أردنى كبير بأنهم مزيد من الساسة ورجال العشائر والتجار لا يسعدهم بالتأكيد أن يتراجع نفوذهم.. وهناك بطبيعة الحال البيروقراطية التى أعلن الملك الحرب عليها والتى لا تتخلى في العادة عن معاقلها بسهولة في أى مكان. وهناك اشارات بالتحديد الى أن محاولات التعجيل بعمليات الخصخصة وبرنامج الاصلاح بموجب صندوق النقد الدولى ايقظت مخاوف الذين يخشون من الفاتورة السياسية والاجتماعية الثقيلة اذا ما تخلت الدولة عن دور (الأم التقليدى الذى عودت عليه الناس لمدة نصف قرن) . وربما كانت المواجهة الأخيرة في البرلمان قبل اسابيع حول مشروع المدينة الاعلامية الحرة والتى انتهت بتعثر الفكرة ـ برغم التحمس الشديد لها من جانب الحكومة ـ واحدة من العلامات الاوضح على وجود معسكرين أو تيارين للتفكير في الاردن. ورغم أن هناك اجماعا على أهمية التركيز على تحريك عجلة الاقتصاد ـ والذى كان البند الأول على جدول اعمال الملك في عامه الأول ـ فإن هناك في المقابل من يرى أن أى تغيير سيظل يسير ببطء وبقدم واحدة ما لم تتواز معه في الوقت نفسه عملية اصلاح سياسى تفتح الباب لمزيد من الديمقراطية والليبرالية, بما في ذلك البحث عن اسلوب يتوافق عليه الجميع لتفعيل الأحزاب وتغيير قانون الانتخاب بما يضمن تمثيلا صحيحا لكل تيارات الاردن. غير أن مسئولا اردنيا سألناه عن رؤية الأردن لدوره في المنطقة بعد أن يتحقق السلام وما اذا كانت هناك مخاوف من أن يصبح دولة على الهامش, قال لنا أن أهم ما فعله الملك خلال سنة هو أنه بذر نواة جيدة للتقدم الاقتصادى, ووضع قدميه على الطريق الصحيح لانطلاقة مختلفة وأضاف ان أى بلد لا يكون قويا الا باقتصاد قوي, فما فائدة أن يكون لك دور في المنطقة أو أن يصفك الاخرون بأن بلدك واحة للديمقراطية دون أن تحل مشكلة الجوع فيها وأى عاقل لا يمكن أن يرفض أن تكون الاولوية لرخاء الناس. المهم هو ان الهم الاقتصادى هو صفحة واحدة فقط في ملف حافل بالتحديات التى كتب على الاردن ان يواجهها في ظل الملك الراحل من قبل, وتعيد الان طرح نفسها على الملك الجديد. جدل ساخن في ظل هذا المناخ الفائر جاء طرح عدنان أبو عودة المستشار السياسى للملك عبد الله الثانى عاهل الاردن الذى يطالب فيه بصيغة جديدة للعلاقة بين المملكة الاردنية و (فلسطينييها) , ليثير نقاشا ساخنا في الاوساط السياسية والفكرية. فالطرح فيه كثير من الجرأة حول واحدة من أكثر القضايا اثارة لحساسيات سياسية ومعنوية بين الاردنيين من أصول تعود الى شرق الاردن وهؤلاء الذين يعودون الى أصول فلسطينية. يقول أبو عودة أن الاردن يستطيع أن يعزز أمنه الوطنى بالسماح للاردنيين من أصل فلسطينى بالمشاركة في القرار السياسى, وذلك على اعتبار ان الاندماج الديمغرافي بين الاردنيين ـ من شرق الأردن ـ والأردنيين الفلسطينيين سيوفر للاردن دورا اقليميا مهما طالما سعت اليه المملكة ونظرا لأن الكيان الفلسطينى هذه الايام واقع قائم كما هو الحال مع الاردن واسرائيل, فإن على الاعضاء الثلاثة التعايش في اطار علاقة يمكن أن تأخذ شكلا رسميا يخدم مصالحهم على الصعيدين الفردى والجماعى, وبما يعزز اعتماد المناطق الثلاثة على موارد مشتركة كالمياه والمسافات القصيرة بين التجمعات السكانية والمواقع السياحية. فكل هذه العوامل تعد منطلقات لتحقيق المصالح المتبادلة اذا اختارت الشعوب الثلاثة ذلك. وقد حدد أبو عودة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في الاردن في الاوجه التالية: أولا: مع أن الموقف الاقصائي من اللاجئين الفلسطينيين أمر متداول بين الشرق أردنيين فان الحقيقة تظل في أن معظمهم يعتبرون الشرق أردنيين والأردنيين الفلسطينيين شعبا واحدا. ثانيا: ان الاردن يستضيف حوالى 43%من اجمالى عدد اللاجئين الفلسطينيين. ثالثا: إنه اذا لم تحل قضية اللاجئين لن يكون هناك اى سلام شامل والعكس صحيح. رابعا: ان الاندماج الوطنى الديمقراطى بين الاردنيين والفلسطينيين في المجتمع الاردنى كمواطنين كاملى الحقوق سيوفر للاردن دورا اقليميا مهما طالما سعى الاردن اليه. لكن الأمر في رأيه ليس بهذه البساطة فهناك شروط خارجية وداخلية حددها أبوعودة للتغلب على أى محاولة من جانب غلاة الوطنيين الشرق أردنيين لتحريف مسار أى خطة حكومية لدمج اللاجئين في المجتمع الاردنى. فعلى الصعيد الخارجى هناك شرطان لهما أهمية خاصة اولهما أن اتفاقيات السلام الاقليمية والترتيبات الصادرة عنها ينبغى ان تعكس مبدأ المشاركة, وهذا يعنى من جملة أمور أخرى من بينها اقامة دولة فلسطينية, وتوزيع متكافيء لمصادر المياه وترتيبات أمنية مشتركة, كما يعنى اتخاذ قرار بتقسيم المسئولية لاستيعاب اللاجئين في المنطقة, على أن تشارك اسرائيل الدول العربية الأخرى في تحمل عبء تلك المسئولية. أما الشرط الثانى فهو اقامة أكبر عدد ممكن من البنى فوق الوطنية بالمنطقة سواء ما تعلق منها بالنواحى الاقتصادية او الثقافية او الاقتصادية أو السياسية أو البيئية أو القضايا الاخرى لتجسديد مبدأ المشاركة وتشجع نهج الاعتماد المتبادل, كما أنها من المحتمل أن تخفف من جنوح التطرف الوطنى لدى أى طرف من أطراف عملية السلام. ويرى أبو عودة أن الترويج الرسمى للوطنية الشرق أردنية يجب أن تطرح حاليا ليحل محلها ما كانت تتبناه الدولة قبل عام 1970 وهى أن كلا من الاردنيين الفلسطينيين والشرق أردنيين جزء من نفس المجتمع الاردنى الشامل, مشددا على أهمية الاسرة الملكية الهاشمية كضامن دائم للوحدة الوطنية. ومن أجل صهر المجتمعين الاردنى والفلسطينى معا اقترح المستشار السياسى للملك عبد الله الثانى المزيد من الديمقراطية التى يسود فيها حكم القانون وتصان بها الحريات الاساسية. ولكى تتاح هذه الفرصة أمام الديمقراطية لتحقيق مهمتها أكد على ضرورة توزيع المقاعد البرلمانية بشكل أكثر تناسبا مع التركيبة السكانية للبلد. وهو ما يخشى منه الوطنيون الشرق اردنيون لأنه يؤدى الى تزايد ثقل المجتمع الاردنى الفلسطينى الكبير. واقترح ابو عودة لتبديد هذا الخوف التوصل الى اتفاق حول البعد السياسى للذين نزحوا نتيجة حرب ,1967 ويقيمون منذ ذلك الحين في المملكة. وحتى تمضى عملية الدمج بيسر فمن الضرورى أن تتاح مكاسب السلام الاقتصادية للمواطنين العاديين في الاردن. وفي هذا الاطار, يجب في رأيه أن تركز جماعة المانحين على مساعدة الاردن على حل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية وخاصة البطالة والفقر, وذلك حتى يتزامن دمج الفلسطينيين مع حياة افضل للجميع ,وبالتالى تخف معارضة الشرق اردنيين. ومن بين أسس نجاح هذه العملية الدخول في صيغة الكونفدرالية التى تسمح للاردنيين والفلسطينيين بالحفاظ على هويتهما, وتبدو مثالية لتعزيز التحام الشعبين, فضلا عن أنها تمكن اعداداً من الاردنيين الفلسطينيين من التصويت لبرلمان فلسطينى وهم ما زالوا مقيمين في الاردن. كما أنه في ظل الكونفدرالية يمكن أن يكون الدفاع والشئون الداخلية والخارجية مجالات للتخطيط والتنفيذ المشتركين, وعلى ان يتناوب على رئاسة الاتحاد الكونفدرالى ملك الاردن ورئيس فلسطين. عاصفة من الاحتجاجات اثارت تلك الافكار عاصفة من النقد والاحتجاج وسارعت بعض الاقلام الصحفية الى مهاجمة الرجل بقسوة واتهمته بالتآمر ومخالفة الدستور, قبل ان تتدخل بعض الاقلام الاخرى لمساندته والدفاع عن حريته في ان يقول رأيه ومناقشة افكاره بروية. فقد أعترض البعض على توقيت اثارة هذه المسألة, متهما ابو عودة بالمخالفة الصريحة للدستور الامر الذى يستوجب مساءلته قانونيا, ذلك ان اقتراحه لتناوب السلطة في دولة الوحدة المقترحة يعد تجاوزا للدستور الاردنى الذى يحدد رئاسة السلطات في شخص الملك, والبعض الاخر رأى ان ابو عودة تأثر بالتوجهات الامريكية المتأثرة بالنفوذ الاسرائيلى الذى يفضل حل مشكلة الشعب الفلسطينى على حساب الاردن. ومن ثم فإن مثل هذه الافكار تعد تحويلا للقضية من مواجهة عربية اسرائيلية الى منافسة اردنية فلسطينية حول السلطة والمزايا والحقوق السياسية على ارض الاردن. ويضيف انصار هذا الرأى ان الاردن رفض التوطين وتمسك بحق العودة وعلى من يحاول فرض التوطين ان يعوضه, كما أن الاردنيين رفضوا الكونفدرالية, وبالتالى على من يحاول فرضها عليهم ان يلبى شروطهم, لا أن يجعلها هدفا مطلوبا لذاته, ويرفض هؤلاء الدعوة للكونفدرالية والتوطين لانها لا تخدم الاردن, ولا تتفق مع الموقف المعلن للقيادة الاردنية. ويخشى آخرون من ان تؤدى افكار عدنان ابو عودة الى تفجير جدليات عقيمة تكون الاقليمية عنوانها والعصبية القبلية منطقها, وبالتالى تؤدى الى شرخ النسيج الوطنى والكينونة الاردنية الفلسطينية التى نسجت في بوتقة وحدوية بناها الاجداد منذ مطلع الاربعينات حتى الوقت الحالى. مناصرون لحرية الرأى على الجانب الاخر وقف المناصرون الذين اعتبروا اطروحات ابو عودة جاءت في وقتها لاسباب كثيرة: فهى أولا تستند اساسا على مبدأ الاندماج بين مختلف المكونات الاجتماعية في الاردن, وعلى اعلاء شأن حقوق وواجبات المواطنة كمعيار يميز الدولة العصرية التى يسعى الاردن للحاق بركابها. وثانيا ان ما يطرحه عودة من فكرة قيام الا ردنيين من اصل فلسطينى بالانتخاب في دوائر بالضفة الغربية هى أحد الحلول التى كانت قد طرحت بأوائل السبعينات, وكان القصد منها الحفاظ على الاردن وهويته الوطنية وليس التوطين وغير ذلك وقد يكون هذا الحال لصالح الاردن. ونظرا لأنه قد مضى أكثر من خمسين عاما على قضية التوطين, ومثلما تغير العالم والعرب تغيرت وتبدلت ظروف اللاجئين كما تبدلت مفاهيم الصراع واشكاله بالمنطقة, مما يستوجب تغييرا وتطويرا في اساليب التفكير والعمل السياسى لمواجهة المشاكل الراهنة والمتوقعة التى قد نواجه الاردن بعد احلال السلام الشامل, والتى قد تهدد المصير والأمن الوطنى. وثالثا ان مثل هذا الطرح يتميز بالجرأة والاشارة الى حقائق معروفة يتم التعتيم عليها, فهناك بالفعل صنوف من التمييز وعدم المساواة يتعرض لها الاردنيون من اصل فلسطينى, مثل التمييز في الحصول على الوظائف, وعدم تمثيل حقيقى لقطاع واسع من المواطنين في مواقع صنع القرار وفي مجلس النواب, بعد أن أعد قانون الانتخاب للوصول الى الوضع الذى أصبح فيه المجلس لا يمثل الواقع الديمغرافي للناس على الارض. الفيدرالية.. حل أمثل لكن عبد الهادى المجالى رئيس مجلس النواب له تصور آخر, اذ يرى أن الوضع الديمغرافي على الساحة الاردنية يتسم بالتعقيد الشديد. فالفلسطينيون ينقسمون على الاراضى الاردنية الى ثلاثة اقسام: الأول لاجئو ,1948 وقد اعطتهم الحكومة الاردنية في اواخر الاربعينيات جوازات سفر اردنية, وبالتالى فهم من الناحية القانونية مواطنون اردنيون. الثانى هم النازحون بعد حرب ,1967 اما القسم الثالث فهم الذين سكنوا الضفة الشرقية نتيجة الوحدة الاردنية الفلسطينية. وهؤلاء الذين ينتمون الى الشريحة الأولى هم مواطنون اردنيون, لكن قضيتهم كلاجئين يجب أن تبقى حية حتى يتم التوصل الى تسوية نهائية فيما يتعلق بقضية اللاجئين. أما النازحون فيجب أن يعودوا الى الضفة الغربية لزيادة الوجود العربى الفلسطينى في هذه المنطقة. أما اعضاء الشريحة الثالثة فلهم الحرية في البقاء بالاردن أو الرحيل اذا ما قامت الدولة الفلسطينية. ومن وجهة نظر رئيس مجلس النواب فان عدنان أبو عودة يتحدث عن التمييز تجاه الاردنيين من أصل فلسطينى, وهو غير موجود على الساحة الاردنية. أما الكونفدرالية فليست هى الحل وإنما الفيدرالية هى الافضل, نظرا لأن من شأنها ان تحافظ على الهوية الفلسطينية والاردنية, فهى تجمع بين الحفاظ على الخصوصيات الوطنية من جهة وتحقيق الطموح القومى من جهة اخرى. وفي معظم التجارب الوحدوية العربية السابقة كان هناك اغفال للخصوصية الوطنية الأمر الذى اعاق نجاح هذه التجارب, الا أن الفيدرالية تستلزم ان يكون هناك حرية وديمقراطية ومشاركة من جانب الناس, والاعتقاد الغالب اننا كعرب لم نستعد بعد لهذا الوضع ونحتاج الى مجهود كبير في هذا الاطار.