مضى الزعيم السوداني الدكتور الترابي قدما في حملة بدأها الأسبوع الماضي لوضع تفاصيل خلافه مع رئيس البلاد عمر البشير الى قواعد التيار السياسي اللذي يصطرعان على زعامته.وفي اطار محاولته لتأليب الرأي العام ضد البشير خاطب الترابي الليلة قبل الماضية ندوة مفتوحة في جامعة (القرآن الكريم) , صوب خلالها نيرانا كثيفة على رئيس البلاد وأعوانه المتنفذين الذين وصفهم بـ (الارتهان لشهوة السلطة والحسد والغيرة) , ناسبا الفضل لشخصه ومؤيديه في الانفراج السياسي والتحول النسبي للتعددية الديمقراطية رغم اعتراضات مناصري البشير الحاليين. ودعا الترابي الى تجاوز (أزمة الانقاذ الحالية بنظام حكم أكثر انسجاما) محذرا من احتمال حدوث انشقاقات داخل جسم الحركة الاسلامية (التي أخذت الأزمة حاليا جميع طاقاتها الفكرية والمادية وفتحت الباب أمام الفتن) . واكتظت ساحات جامعة (القرآن الكريم) التي تقع على شاطئ النيل بأم درمان (جنوب مبنى البرلمان) بمؤيدي الترابي بينما كانت دوريات الشرطة تجوب المكان, فضلا عن انتشار أفرادها حول الجامعة تحسبا لأية تظاهرات أو اعمال شغب معادية قد يلجأ اليها الطلاب. وكانت أجهزة الشرطة قد عملت منذ ساعات النهار على تغيير مجرى الحركة وتنظيم حركة مرور الأفراد من وإلى مباني الجامعة التي اكتظت ساحتها بأعداد كبيرة من المواطنين والطلاب. ودخل الترابي الى ساحة اللقاء بموكب ضخم من أنصاره في مقدمتهم الدكتور علي الحاج نائبه في الحزب الحاكم ومحمد الأمين خليفة وزير رئاسة مجلس الوزراء المستقيل الى جانب عدد من القيادات التاريخية للحركة الاسلامية. وبدأ الدكتور الترابي الحديث وسط هتافات حماسية مستعرضا المراحل المختلفة التي مرت بها الحركة الاسلامية حتى وصل الى عهد ما قبل الانقاذ. وكشف لأول مرة أن (المؤتمر الوطني) كتنظيم سياسي ظل حتى 1996 (مجرد واجهة سياسية لإقناع الناس بأنه الحزب الحاكم بينما كان عدد من القيادات المفوضة من قبل الحركة هي التي تصنع كل السياسات من وراء الكواليس) . واعترف بأن هذا (كان نفاقا واضحا لكنه كان ضروريا للحفاظ على دولة الاسلام الوليدة والتي لا يسمح الغرب لها بالاستمرار إن تم كشفها) . غير أن الترابي عاد لينتقد تركيبة حزب المؤتمر على تلك الشاكلة (والتي كانت تأذن لكل قادم بالدخول قد فتحت بابا آخر لدخول عناصر لا ولاء لها أو مجموعات متعددة الولاء من بينهم الطائفي والمايوي وغيرهما وكان كل قادم يأتي ومعه عصبياته القديمة. فأصبح المؤتمر الوطني كحزب للحكومة مجرد تنظيم فارغ ليس له فكر محدد أو حتى ولاء, فالذي يعادي مصر في حزبه القديم يأتي ويعاديها وهو في التنظيم الجديد والذي يؤيدها يواصل تأييده لها وهو معنا في المؤتمر الوطني الذي أنشأناه) . وقال إن فكرة التخلي عن المؤتمر الجامع كنظام للحكم وفتح المجال أمام التعددية قد مر بمنعطفات كثيرة قبل الموافقة عليه. وكشف الترابي أن القيادات السياسية والتي كانت تقوم بتوجيه النظام وصناعة سياسات قد دخلت في اجتماعات لمناقشة موضوع فتح المجال للأحزاب (إلا أن هذا الرأي قد واجه معارضة قوية من بعض المجموعات التي تقف الآن في الطرف الأخر والتي كانت تراهن على احتكار السلطة عبر استخدام القوة وقهر الخصوم, والغريب انها المجموعة ذاتها التي تحتكر السلطة الآن) . وأضاف أن الأمر بعد أن تم الاتفاق على اخضاعه للتصويت فاز الاتجاه المنادي بفتح الساحة للأحزاب بأغلبية الثلثين. وقال إن هذا كان في الواقع خطا ينسجم مع خط الحركة الاسلامية التي لا بد أن تخرج الى الساحة وإيصال طرحها عبر الدعوة العلنية وقبول المنافسة السياسية مع الأحزاب التقليدية التي امتدحها بأنها ذات جذور دينية. وقال إن دخولها البلاد سيحول حركة الدفع داخل المؤتمر الى مواجهة ومنافسة. وقال الدكتور الترابي إن الحركة الاسلامية قد واجهت منذ قيامها في الخمسينيات عددا من الابتلاءات حيث أملت ظروف السرية في السابق أن تهتدي بسنن الأقليات المسلمة, وكانت دعوتها تظهر ونظامها يستتر وقد سارت على هذا النهج في كل تحالفاتها منذ جبهة الميثاق الاسلامي مرورا بالجبهة الاسلامية الى قيام الانقاذ والتي قال إن الكثيرين لا يعرفون أنها في الواقع ثورة اسلامية وليست مجرد انقلاب عسكري. وأنها لكي تتطور من الصفوية الى حركة جماهيرية كان عليها أن تنفتح غير أنها كانت تواجه خوف القمع المبكر, لذلك تركت الأمر لقيادات بعينها لتسيير الأمور, وعملت على فتح الباب لكن النتيجة جاءت لصالح (الكم) خصما على (الكيف) فاختل ميزان الاختيار للمنصب وكان في السابق من يطلب السلطة تسقط أهليته عندنا أما الآن فتغيرت الأخلاق وضعفت الأمانة. وجدد الدكتور الترابي اتهامه للبشير بالانقلاب على النظام الفيدرالي وحذر من أن (ينعكس ذلك سلبا على تماسك الوحدة كرد فعل للانقلاب السياسي والأمني) . وأكد أن الأزمة الأخيرة داخل الانقاذ (جاءت بسبب شهوة السلطة والحسد والغيرة) لأن من في السلطة يأخذه الطاغوت الفرعوني وهذا يؤدي الى اضعاف الولاء لحزب المؤتمر الوطني.وحذر الترابي في الوقت ذاته من انشقاق (قد يكون بائنا في صفوف الحركة الاسلامية ينتج عنه سقوط كامل لأركان الدولة التي تقوم الآن) . وقال الترابي ردا على موضوع البيعة إن الحركة الاسلامية لم تعرف مبايعة الأشخاص عبر تاريخها حتى بيعة الرئيس نميري كان الهدف منها محاربة الخمر والربا لأننا على يقين أن الأمر يجب ألا يسلم لأحد (لن نسلم نفسنا لأحد إلا الله) ولعلنا مؤخرا رفضنا حتى كلمة رئيس للحزب وأسميناه (الأمين العام) حتى لا يكون هناك تميز لأحد. أما البيعة للرئيس البشير فقد أعلن الدكتور الترابي أنها كانت بيعة (تعويضية) وبيعة للحركة وللبرنامج وليست للأشخاص. وقال الدكتور الترابي إن الدستور الذي جرى تعليق لبعض بنوده من قبل البشير الذي وصفه بـ (الجار الذي أغلق أبوابه) كان عهدا لكن بعض القيادات العليا التي تم تقديمها اتضح أنها لا تأبه للعهود لأنها جاءت من بيئات تخضع للرئيس وللزعيم. واعتبر أن حكومة الانقاذ عندما جاءت (كانت على انسجام كامل بين كافة أجنحتها وكانت الخطة الأولى التي تم وضعها بعد 30 يونيو 89 محددة بـ 6 أشهر ثم تلتها خطة ثانية لسنتين ثم ثلاث أما الخطة الثالثة فإنه لا يعلم بها أحد) . وقال الترابي إن الحكومة الحالية باتت تواجه ضغوطا كثيرة وتستجيب لها (وقد شرعت حاليا في اخراج بعض اخواتنا المسلمين الذين جاءونا من بعض الدول, كما انه لم يعد لها أي رأي محدد في الكثير من القضايا المطروحة في الساحة الاسلامية حاليا كما انها أصبحت تفتقد تدريجيا اتجاهات العمل التأصيلي وأصبح الجيش يقاتل ليس بدوافع التدين وانما طاعة لأوامر قائده الأعلى) . وحذر من غزو أجنبي يأتي من الخارج الى تعاظم هذا الخلاف, كما أن الخطر يمكن أن يأتي من الداخل إذا علمنا أن الشارع يستجيب أحيانا لمثل هذه الدعوات ويؤازرها حتى وإن كان ذلك من باب (الغوغائية والمكايدة) والمناهضة لنظام ربما يرون أن غيره يتيح لهم كل المحظورات التي منعوا منها الآن. وأضاف أيضا أنه الى جانب خذر الانشقاقات فإن المؤتمر الوطني وبداخله الحركة الاسلامية سيجد نفسه محرجا وهو يواجه منافسة قوية من الأحزاب الأخرى والتي ربما نجحت في اغراء قواعده الهشة على خلفية هذه الخلافات التي لابد من تجاوزها بعمل جديد يعطي الأمل لأنه لا يستطيع أن يكذب ويقول إن الخلاف قد تم حسمه. وقال إن المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) بشكله الحالي قد أضعف الحركة الاسلامية وان الصراع داخله سيقود لإسقاط الدولة بعد أن كانت قوية. وقال إن تجربة الاسلام في السودان امتدت لتشمل حتى دول الجوار الأفريقي قائلا إن السودان مول انتخابات لفوز انتخابات لفوز رؤساء إسلاميين أفارقة ولم يعلم (أغبياء) الغرب أن هؤلاء الرؤساء مسلمين وأن تمويلهم تم من أرض السودان كاشفا أن رؤية قيام دولة إسلامية في السودان كانت منذ منتصف السبعينيات أثناء الحكم المايوي. واعتبر المؤتمر الوطني الذي يشغل منصب أمينه العام حاليا انه يمر بمرحلة انتقالية لا يمكن ان تستمر طويلا ولابد من ظهور قوة جديدة لم يسمها. وقال رأيت في هذه البلاد قادة يستقبلهم الشعب بعشرات الآلاف (وهم لا يدرون أنهم غدا ينقلبون) وعندما تدور عليهم الدوائر لا يتذكرهم العشرات. الخرطوم ـ التيجاني السيد