كأنني على موعد مع القدر.. فها آنذا أتيحت لي الفرصة لألتقي مرة أخرى بـ (فرجينيا) جميلة الجميلات في مسلسل (نسر الشرق) الذي أذيع مؤخرا, فرجينيا تلك الشخصية المبهرة التي جسدتها في فيلم (الناصر صلاح الدين) .هذا الفيلم العظيم أفخر بأنني عملت به.. ليس لأنه فقط على مستوى فني عال ولكن لأنه أكد على انتمائي للوطن العربي رغم أنه انتماء بالميلاد ولكنه أقوى من ذلك .. فهو انتماء الحياة والاختيار والحب والعشق دون أدنى مبالغة. فقد ولدت بمدينة (فتى كوباتيك) التركية حيث كان والداي ينتميان لإحدى الأسر العريقة بتركيا.. وكان والدي تاجرا كبيرا في مجال المنسوجات وأحب أن يتوسع في نشاطه التجاري في الشام ومصر وحقق من خلال نشاطه التجاري نجاحا كبيرا.. وكانت الفرصة لي للاستقرار في القاهرة وتحقيق حلم حياتي بالعمل في الحقل الفني وخصوصا التمثيل الذي كنت أسعى إليه بشغف.. وأتيحت لي الفرصة الأولى بلقائي مع المخرج الكبير الراحل نيازي مصطفي الذي أعجب ببراءتي عندما رآني لأول مرة كطفلة موهوبة فقدمني في دور صغير من خلال فيلم (مصنع الزوجات) عام 1941 ثم رآني المخرج محمد كريم في ستوديو مصر وأعجب بأدائي في هذا الفيلم واختارني للمشاركة في فيلم (ممنوع الحب) مع الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب الذي شعرت بالرهبة لأنني سأمثل أمامه فقد كان عملاقا وقلت لنفسي كيف لتلميذة صغيرة مثلي أن تقف أمام عملاق كبير مثل عبد الوهاب؟ ولكن المخرج محمد كريم استطاع أن يخرجني من دائرة الخوف ويعرفني بعبد الوهاب.. فوجدته إنسانا بسيطا متعاونا وصارت بيننا صداقة بعد (ممنوع الحب) ثم اختارني محمد كريم بعد ذلك في فيلمين مع عبد الوهاب وهما (رصاصة في القلب) و(لست ملاكا) واستفدت كثيرا من عبد الوهاب حيث كان يوجهني دائما وكذلك المخرج محمد كريم الذي كان يعلمني كيفية الوقوف أمام الكاميرا أو التعايش مع الشخصية التي أجسدها.. وبعد نجاحي في هذه الأفلام الثلاثة انطلقت فنيا من خلال أفلام نجحت نجاحا كبيرا مثل (علي بابا والأربعين حرامى) أمام علي الكسار وإخراج توجو مزراحي و(محطة الأنس) إخراج عبد الفتاح حسن.. و ( أخيرا تزوجت) إخراج جمال مدكور. نجاحي في السينما منحني ثقة كبيرة في نفسي.. وصرت أكثر انتماء لوطني العربي وخصوصا مصر التي لم ترفضن أبدا وأصبحت ـ ومازلت طبعا ـ ابنة بارة تتمنى أن تفعل أي شيء في سبيل التضحية من أجلها. وفي هذا الإطار رفضت أن أتزوج إلا من مصري.. ورغم أنني كنت صغيرة جدا إلا أنني تزوجت الفنان الراحل عزيز عثمان.. كان عزيز عثمان صديقا للعائلة وكان يلتقي مع والدي دائما وأعجب بي وطلبني من والدي فوافق وكان عمري حينذاك عشرين عاما وعمره واحد وخمسين عاما وتزوجنا عام 1948 ولم أكن سعيدة بهذا الزواج.. فلم يكن على حب للفرق الشاسع من ناحية السن فقد كان يكبرني بـ 31 سنة.. واستمر زواجي معه ست سنوات وتم الطلاق. بعد ذلك طلبني الفنان أنور وجدي للزواج.. وكان أنور التقى بي عام 1944 في فيلم (أنا الجاني) وبعد تصوير هذا الفيلم ذهب ليطلب يدي من والدي ولكنه رفض بشدة.. فقد كان أنور وجدي وقتها متزوجا من الفنانة ليلى مراد.. كان هذا الرفض سببا في غضب أنور وجدي الذي ذهب وانقطعت أخباره عني سنوات عديدة حتى عام 1954 بعد طلاقي من عزيز عثمان التقيته مرة أخرى وجمعنا العمل في فيلم (خطف مراتى) ورأيت أنور مازال يحبني ومتمسكا بي .. وتم زواجي منه في 6سبتمبر في عام 1954 بباريس لكن لم تستمر سعادتنا حيث توفي في عام 1955 بعد رحلة عذاب مع المرض. وفي عام 1960 تزوجت من زوجي الحبيب المذيع جلال معوض بعد قصة حب عشتها معه بدأت أيام برنامج (أضواء المدينة) الذي كان يقدمه جلال معوض من دمشق وكان شهود العقد عبد الحليم حافظ وكمال الطويل وحضر معهما مجدي العمروسي. وجلال معوض كان له شهرته وكان من أنجح المذيعين وأقربهم إلى الجمهور.. وأتذكر مثلا في حفلات السيدة أم كلثوم وعبد الحليم كان الناس يحبون سماع الشريط بصوته وهو يقدم أم كلثوم وعبد الحليم.. وبدون شك جلال معوض كان من أحلى الأصوات الإذاعية وحتى الآن الناس لا تنسى صوته المميز واعتباره من أحسن الأصوات.. ولم يأت صوت مثله فجلال معوض بصمة كبيرة في الإذاعة.. إلى جانب أنه إنسان بمعنى الكلمة.. وكان أشبه بالفرسان وكان نبيلا وملتزما.. وحياتي معه كانت حافلة بالسعادة والحب والوطن.. ففي كل دقيقة عشتها بجواره كنت أكتشف كل يوم معنى جديدا للوطن.. وخاصة أيام الزعيم جمال عبد الناصر الذي أحبه جلال وارتبط به جدا.. ولكننا بالطبع ارتبطنا به وأحببناه.. فلم يكن مجرد حاكم أو زعيم بل كان إنسانا يشعر ويحس بنا.. والتزامه وولاؤه كله للوطن. وعهد عبد الناصر كان من أفضل العهود التي شهدت نهضة فنية حقيقية في جميع المجالات من سينما وغناء وموسيقى.. فقد أنتجت أفلام عظيمة مازالت حتى الآن لها بصمتها في السينما المصرية ولا ننسى الأغاني الوطنية العريقة التي نحفظها عن ظهر قلب وظهرت في هذه الفترة .. فعهد جمال عبد الناصر لم يشهد فقط نهضة فنية وإنما أيضا رعاية حقيقية للفنان.. وأتذكر أننا كفنانين كنا نعبر عن حبنا للوطن بطرق كثيرة.. فمثلا كان هناك قطار الرحمة الذي كان مخصوصا لجمع التبرعات لمواجهة الكوارث ومساعدة المحتاجين.. وكان القطار يضم عددا كبيرا من الفنانين. فمثلا كان معي ليلى مراد وكمال الشناوي وحسن فايق وماري منيب وأميرة وأمير فؤاد جعفر وغيرهم كثيرون. وفي هذه الفترة قدمت أجمل أعمالي وعملت مع فنانين عظماء أمثال فريد الأطرش ومحمد فوزي ونادية لطفي وأحمد مظهر وغيرهم كثيرون. ويكفي أنني في ذلك الوقت قدمت أجمل أفلامي على الإطلاق وهو فيلم (الناصر صلاح الدين) الذي تزداد قيمته يوما بعد يوم.. وأعتز فيه وهو الملكة فرجينيا جميلة الجميلات. وأتذكر أن مجموعة العمل كانت متعاونة جدا.. وكنا نظل جالسين في الجبل من الفجر حتى غروب الشمس وكان كل واحد منا عليه غداء وكان فيه حب بيننا وكل شىء جميل.