في بداية الثمانينيات تظاهر أكثر من 400 ألف اسرائيلي احتجاجا على الاجتياح العسكري للبنان, وطالبوا الحكومة الاسرائيلية آنذاك بسحب قواتها فورا, ليس خوفا وحزنا على المجازر التي ارتكبها الجنود الاسرائيليون بحق المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين بل خوفا عليهم من ضربات المقاومة . هذه الجموع الكبيرة كانت تعي المخاطر التي سوف يشكلها وجود الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان مستقبلا, ومنذ ذلك التاريخ تعتبر هذه التظاهرة الأكبر في تاريخ الدولة العبرية حتى الآن مرجعا لكافة القوى السياسية في اسرائيل لرسم سياساتها المستقبلية تجاه لبنان وان كانت حكومات ما قبل عقد التسعينيات تجاهلت ولو ظاهريا هذا الأمر, إلا ان ازدياد أعداد القتلى في أوساط جنود الاحتلال الاسرائيلي واشتداد ضربات المقاومة اللبنانية, التي كان الرهان الاسرائيلي يصر دوما على سحقها فإذا هي تكبر وتتسع داخليا وخارجيا, وتدفع بالقوى السياسية الحاكمة أو المعارضة إلى تبني استراتيجية جديدة لمعالجة المشكلة التي وضعت نفسها بها, سياسة متلونة بين التهديد والقصف دوما ونداءات ودعوات سحب جنودها من الجزء المحتل. اتفاق على الانسحاب تتفق جميع الأحزاب الاسرائيلية على بعض المسائل المتعلقة بوضع قواتها في جنوب لبنان من بينها مسألة الانسحاب عن المنطقة الأمنية التي أقامتها في أعقاب اجتياحها الثاني عام 1982 للبنان, فهذه المسألة تحظى بموافقة جميع الأحزاب السياسية وان كانت هناك بعض الاختلافات المتعلقة بشروط الانسحاب وتوقيته والمراحل التي ستنفذ طبقا لها. حزب العمل بقيادة باراك تعهد في حملته الانتخابية ولازال حتى الآن بسحب قوات جيشه من جنوب لبنان خلال شهر يوليو المقبل كحد أقصى في اطار اتفاق مع سوريا مع ان تصريحات صحفية لبعض أعضاء حكومته وحزبه ذكرت انه ربما يجري من طرف واحد لوضع سوريا ولبنان أمام مأزق وبالتالي سحب الورقة اللبنانية من طاولة المفاوضات السلمية كما تعتقد تل أبيب, إلا ان المراد بذلك التعهد والذي يشكل بالونة اختبار عزل المسار السوري عن المسار اللبناني والعودة إلى مرحلة تفتيت المسارات كما حدث مع المسارين الفلسطيني والأردني. على الطرف الآخر يتقبل حزب الليكود بقيادة زعيمه ارييل شارون قائد اجتياح عام 1982 فكرة الانسحاب من جنوب لبنان مفضلا ان يتم ذلك في اطار اتفاق مع لبنان وسوريا لوقف هجمات حزب الله وخلال حكومة نتانياهو السابقة اشتهر شارون بدعواته للانسحاب من جانب واحد وعلى عدة مراحل, مع قيام الجيش الاسرائيلي بتنفيذ هجمات قوية تستهدف البنى المدنية في المدن اللبنانية في حال تعرض القوات الاسرائيلية للضرب أثناء انسحابها أو بعده, وذهبت أوساط الحزب إلى أبعد من ذلك حين هددت بضرب القوات السورية العاملة في لبنان. ولكن هل دعوات الانسحاب الصادرة من الأحزاب السياسية أدى إلى حالة من التهدئة والاستقرار العسكري في جنوب لبنان؟! يبدو مفيدا أكثر لو استعرضنا معا بداية حكومة باراك التي قيل عنها انها حكومة السلام وعول عليها لممارسة سياسية جديدة في المنطقة, فهذه الحكومة قامت بقصف واغتيالات وذلك استمرارا لسياسة اسرائيل المطبقة أثناء حكم نتانياهو والهادفة إلى تصعيد الوضع العسكري وتسخين الوضع السياسي في المنطقة على الدوام. وبذلك فالسياسة الاسرائيلية تجاه لبنان بقيت واحدة باستثناء تحديد موعد لسحب الجيش الاسرائيلي من مأزق اسمه جنوب لبنان, مع اعتقادنا ان هذا الموعد سيستخدم كورقة في أوساط الناخبين الاسرائيليين وحكومات الدول الغربية فالدولة العبرية تسرق المياه اللبنانية والتراب وتستخدم الجنوب بوابة لمحاولة زرع الفتنة من جديد بين شرائح المجتمع اللبناني وتسريب المخدرات والفساد الأخلاقي, فهل تتنازل بسهولة عنه؟! هدف وحيد ما يعزز اعتقادنا الأحداث التي تلت مقتل العميل عقل هاشم وثلاثة جنود اسرائيليين مؤخرا, فالقوى السياسية في اسرائيل وحتى القيادة العسكرية دعت باراك إلى القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في لبنان تستهدف ضرب البنى التحتية وقدمت لذلك القيادة العسكرية السيناريوهات المحتملة التي تراوحت بين الشدة والاعتدال في الخسائر الاقتصادية والبشرية التي ينوي الجيش الاسرائيلي تكبيدها للبنان. وهذا ما عبر عنه مسئول اسرائيلي بالقول: لا ادري الى متى ستظل الجسور تربط بين بيروت وصيدا كما قال وزير الاتصالات بنيامين بن اليعاز في دعوة صريحة الى تنفيذ التهديدات: لا احد يتوقع ان تبقى اسرائىل ساكنة لاتفعل شيئا وكذلك وزير الدفاع السابق موشي ارينز من حزب الليكود الذي دعا الى مزيد من الغارات على البنى التحتية في لبنان لتوفير الامن لشمال اسرائيل والحزام الامني. بين لهجة باراك المخففة نوعا ما ودعوات اعضاء حزب الليكود والمتشددة ازاء كيفية التعامل مع الاحداث الاخيرة كان لافتا في تصريحات المسئولين الاسرائىليين تصريح وزير السياحة الجنرال السابق امنون شاحاك؛ الذي ينتمي الى حزب الوسط وتشكيكه بجدوى الغارات التي تشنها اسرائىل على البنى التحتية في لبنان وهو الذي كان في موقع المسئولية العسكرية ابان عدوان نيسان عام 1996ر الشكوك الصادرة عن شاحاك ناجمة عن خبرته السابقة, فعدوان ابريل 1996 لم يوقف هجمات المقاومة بل زادها واثار انتقادات واسعة لاسرائيل انذاك واوقفت الخطوط التي بدأت تفتح لاسرائيل في بعض الدول العربية وهذا لا يعني ان شاحاك يرغب في انصياع بلاده لمضمون القرارالدولي رقم 425 لكنه يبحث عن طريقة يخرج بها قواته ويحوز على مكاسب اضافية اقلها انصياع لبنان وسورية للمطالب الاسرائيلية! انصار السلام وخصوصا كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في الكنيست الاسرائيلي طالبت باراك تنفيذ انسحاب كامل من جنوب لبنان والامتناع عن تصعيد الاوضاع العسكرية وعدم تنفيذ عمليات جديدة من شأنها جر المنطقة الى حافة الانفجار. عدة مؤشرات تجعل الضربة العسكرية الاسرائيلية للبنان متوقعة وهي كما اجملها دبلوماسي غربي لوكالة الانباء الالمانية ان الانعكاس المباشر لمقتل هاشم على اسرائيل هو سلسلة مآزق ومطالبة من انصاره خصوصا ومن حلفائها في المنطقة المحتلة عموما برد موجع. فاذا فعلت فانها تهدد عملية التسوية مع سورية مباشرة واذا لم تفعل فانها تخسر حلفاءها الذين سيتهمونها بازدواجية المعايير والتمييز بينهم وبين جنودها الاسرائيلين. لكن تعي القيادة العسكرية الاسرائيلية ان تنفيذ اعتداءات جديدة ضد لبنان بكفاثة سيجعل الكاتيوشا تتساقط على المستعمرات شمال اسرائيل وربما تستخدم المقاومة اللبنانية اسلحة اخرى اكثر فعالية وهذا ما سيجعل العملية العسكرية تتسارع وتتسع لتقضي على العملية السلمية والامال المتزايدة باستئنافها قريبا في المقابل فإن صمت الحكومة الاسرائيلية واحجامها عن توجيه ضربة عسكرية واسعة واكتفاءها بغارات يومية سيجعل القوى السياسية الاخرى المعارضة وعلى رأسها حزب الليكود تتوجه الى الكنيست لتقديم اقتراح بحجب الثقة عن حكومة باراك وبالتالي فالاحزاب المشاركة فيها ستعيد حساباتها مليا وتجدها فرصة مناسبة للحصول من باراك على بعض التنازلات في القضايا والمصالح الداخلية لها... لكن تبقى السياسات الاسرائىلية مهما اختلفت الاحزاب التي تخطها واحدة ولصالح اسرائيل فقط! * صحفي سوري