كل المعطيات على الساحة العربية تشير الى الانتكاسة, نتيجة تراجع المفاوضات الثنائية بين العرب واسرائيل, وبغض النظر عن اعتبار البعض لذلك نوعا من التشاؤم او الحظر المسبق على ما يمكن ان تسفر عنه المفاوضات بين الطرفين, فان الجنوب اللبناني يظل هو الموقع الوحيد الذي يثبت ان هناك ارضا يريد أهلها اعادتها بالحرب من جهة, وان الاعلان عن الوجه الحقيقي للقائمين بالعمل الجهادي او النضالي او تحت اي مسمى آخر أهم ما يميز هذه الحرب التي تعد حرب استنزاف حقيقية بالنسبة للطرفين من جهة اخرى, ومع ذلك كله فهناك اطراف عدة تحاول الطعن في مشروعية العمل الفدائي لحزب الله وللمقاومة اللبنانية عموما, وذلك ضمن ثقافة كونية يتصارع فيها المقدس مع غير المقدس في حرب قد تكون طويلة الامد, فما تجلياتها؟ وما احتمال تغيرها في المستقبل على صعيد الممارسة في الاطار المحلي وفي الاطار القومي العام؟ الواقع ان الحرب الحالية في الجنوب اللبناني تتواصل يوميا بقوة الدفع الذاتي, وايضا بقوة مشروعية العمل الفدائي, ليس فقط لكون المقاومة اللبنانية تدفاع عن الارض محاولة استعادتها, وانما لكون عقيدة الحرب لاتزال مستمرة في ظل تدهور عربي معاد للحرب على مستوى المفهوم كتنظير, وعلى مستوى الممارسة كحل لابد منه حتى لو كانت الامة تمثل الطرف الاضعف, لذلك تعي اسرائيل ومن ورائها الدول الغربية ان المشكلة لا تتعلق اساسا بحدوث سلام في المنطقة, بما في ذلك الجنوب, وانما بانتهاء طرح افكار المقاومة او حتى الاعتقاد باحتمال استمرار المواجهة في المستقبل, ونتيجة لذلك فان السلام المزمع, يبلور ثقافته من منطلق انتهاء المقدس في عمل الشعوب العربية, ومنها بالطبع الشعب اللبناني, لذلك لا غرو حين نجد محاولة الاختراق متكررة لهذا الشعب الصغير المناضل من خلال القضاء على انتاجه الثقافي, وزرع الطائفية واذكاء نار الفتنة بغض النظر على مدى استعداد المجتمع اللبناني للقبول بمثل هذه الاعمال. الواضح ان مسألة المقدس ـ ان جاز تسمية الحرب بذلك ـ تريدها اسرائيل حكرا عليها, فان تسعى الى تحقيق ارضها الممتدة, الارض المقدسة والحلم الموعود, متجاوزة بذلك فلسطين, يعد بالنسبة لها امرا مطلوبا وضروريا تؤكده ادبيات الاحزاب الاسرائيلية وجماعاتها العنصرية, اما ان تحاول المقاومة اللبنانية استرجاع الارض فان ذلك يعد غير مقدسا, وتحاول تعميم مفهومها ذاك ليشمل دولا كثيرة من العالم مناصرة لها, ومع ذلك كله فان الاختراقات او عدم الاعتراف باتفاق (ابريل) مثلا يعتبر في الغالب رد فعل على تلك الأعمال التي يقوم بها حزب الله, مع ان اعمال هذا الأخير هي من البداية مجرد رد فعل على ما حصل من احتلال للارض اللبنانية, ولا شك انه قد حدث تطورا في الذهنية العربية, على مستوى الجبهة اللبنانية, حيث لا تضع الحرب أوزارها الا بالتخلي عن الارض, مع ان عدة اطراف ومنها عربية ترى ان المقاومة اللبنانية هي من الناحية السياسية تشكل ضغوطا على اسرائيل, بهدف تأييد المفاوض السوري ثم اللبناني. وتبدو محاولة التضليل جلية لمن يتابع حالة التخوف من الخلط بين المقاومة كعمل فدائي وعنف المشروع وبين الارهاب الذي جمعت دول العالم قوتها لمواجهته يعطي ايحاء اوليا باحتمال طغيان المفاهيم السياسية الدولية على العمل الوطني المشروع, مادام هذا العمل لا يساند مواقفها ولا يساعد على تحقيق مصالحها, وذلك في النهاية خاضع للضغط والاكراه, ولتداول مصطلحات ثقافية حيث تقع كثير من التنظيمات والجماعات الاسلامية في هذا النوع من الاخطاء. من ناحية اخرى فان هناك تعميما لمفهوم الارهاب في عملية مقصودة, حيث يشمل كل من يواجه الدولة العبرية سواء أكان داخل فلسطين أما خارجها, وهذا ينطبق على تنظيم (الجهاد الاسلامي) وحركة المقاومة الاسلامية (حماس), وكذلك حزب الله, وسيطلق في المستقبل على كل من يعلن ولو فكريا عن عدائه لاسرائيل, مع ان العداوة الآن موجودة داخل المجتمعات العربية بشكل لم تشهد له مثيل فيما خلا من العقود. بجانب ذلك فان تعميم مفهوم الارهاب يعد ايضا محاولة واعية لافقاد المقدس قيمته, بحيث يصبح أي عمل جهادي لاسترجاع الحقوق مساو في ذلك بالجرائم السياسية, ويبدو ان مسألتي القوة والضعف لها تأثير على مجرى الاحداث, فاسرائيل وما تلقاه من دعم تنفي الآن ان يكون هناك مقدس خارج اطروحاتها وارائها وقناعتها رغم علمها ان المقاومة في الجنوب اللبناني تعد رقما صعبا لا يمكن استبعاده من أي تخطيط للمنطقة, حتى لو وافقت الاطراف الاخرى على الشروط الاسرائيلية المجحفة والتي غالبا ما تقل وتنتهي من خلال عملية التفاوض, والتفاوض عن كيفية التفاوض. يلاحظ ان الدول العربية في اختيارها للسلام باعتباره منطلقا استراتيجيا, وهدفا تسعى اليه لم تميز بين القوى الاجتماعية الموجودة, والجماعات المناهضة للعدو, ذلك أنه كان في مقدورها ان توظف أعمال تلك الجماعات للضغوط في المفاوضات. ويستثني من ذلك سوريا التي تدرك ان استمرار العمل المسلح في الجنوب اللبناني, هو الذي يجعلها ويجعل لبنان معها اقدر على التفاوض, وتلك تجربة نلاحظها في عدد من الدول من ذلك ما قامت به الولايات المتحدة الامريكية في فيتنام اثناء انسحابها مع انها كانت على باطل, وايضا ما تقوم به اسرائيل الآن في لبنان مع اعلانها عدة مرات عن انسحابها الصيف المقبل. لا يمكن في واقع الامر القبول بالتنازل عن الارض, وبالتخلي عن ما هو مقدس من منظور ديني او حتى عرفي, واذا كانت الظروف كلها ليست في صالح العرب في الوقت الراهن, فان الامة لن تكون مرهونة بما تمليه ارادة القوة لدى العدو, ومن ذلك ارادته في فرض ما يراه مقدسا ليلغي رؤيتنا لبعض القضايا او الانماط الحياتية, او العقائدية المقدسة بطبعها منبعا وهدفا ووصولا, وما سيتبع ذلك من تنازلات اخرى منها المشاركة الثقافية في النظر لمختلف القضايا بما في ذلك تبنينا لما يراه العدو مقدسا. على العموم فان الحرب الدائرة الآن في الجنوب اللبناني لها ما يبررها بالنسبة لحزب الله والمقاومة اللبنانية عموما على الاقل الحفاظ على بقاء قيم الامة ثابتة, وحتى يحكم التاريخ انه في الوقت الذي تنازلت فيه انظمة وقيادات عن الحقوق المشروعة بحجة التفاوض, والقبول بالآخر, بقيت جماعة مرابضة, ومناصرة, ومجسدة لقيم التاريخ وحركته, سواء من ناحية الخير في الأمة, او من ناحية الدفاع عن الوجود والبقاء, وباختصار فهي نموذج للصراع بين المقدس وغير المقدس في حرب طويلة المدى بين العرب واسرائيل, ان انتهت على جبهة او جبهات اليوم فستشتعل غدا على جبهات اخرى تشمل الاقتصاد والمجتمع. * كاتبة جزائرية مقيمة في مصر