منذ فوزه في الانتخابات البرلمانية ووصوله الى السلطة في يونيو 1999 وايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي يسعى للانسحاب من الجنوب اللبناني لسببين رئسيين هما:ـ الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها على نفسه للاسرائليين بهدف وقف نزيف الدم الاسرائيلي في الجنوب اللبناني . ـ الضغط على الرئيس السوري حافظ الاسد وجره الى طاولة المفاوضات والتوقيع على اتفاق سلام نهائي مع اسرائيل. ولذلك فاننا نلاحظ بندول الاحداث المتسارعة سواء على جبهة الحرب او السلام يدور حول هذين الهدفين. إن باراك لا يستطيع المضي قدما في مشروعاته التسويية بدون دعم من الكنيست والائتلاف الحكومي, كما انه بحاجة الى اصوات الناخبين سواء في الاستفتاء المقترح او في حالة اللجوء الى انتخابات برلمانية مبكرة او اعتيادية فهذا الرجل يعيش تحت ضغط الطموح السياسي في الزعامة الطويلة الامد داخل المؤسسة السياسية والعسكرية التي تحكم اسرائيل, ويزعجه كثيرا مسائل داخلية مثل سحب الثقة او انفراط عقد الائتلاف الحكومي او تنامي اصوات المعارضة او غضب قيادات المستوطنين المتطرفين, ولذلك فان باراك حاول منذ بداية توليد الحكم في اسرائيل الى ارضاء كل هذه الاطراف بالعمل على الانسحاب التدريجي (التكتيكي) من جنوب لبنان وهدد علانية في اوقات متفاوتة طيلة العام الماضي وحتى الآن بالانسحاب من طرف واحد اي بدون ابرام اتفاق زمني لجدولة الانسحاب مع لبنان او سوريا, وفي واقع الامر ان باراك يريد من وراء هذه التهديدات طمأنة الاسرائيليين الذين خسروا خلال فترة حكم باراك 17 قتيلا وعشرات الجرحى بالاضافة الى سقوط 16 من جنود الميليشيات اللبنانية العميلة في عمليات متلاحقة للمقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله, وكانت عملية مقتل عقل هشام الرجل الثاني في الميليشيا العميلة ضربة موجعة ليس للعملاء فحسب وانما لباراك شخصيا الذي فشل كوزير للدفاع في تأمين قادة الميليشيات العملية او اجهاض خطط المقاومة الوطنية. ووقف قصف المستوطنات الاسرائيلية شمال فلسطين المحتلة. ولذلك ليس غريبا ان يبادر باراك بشن غارات عدوانية انتقامية على مدن وقرى ومخيمات الجنوب اللبناني تستهدف المدنيين قبل العسكريين, فهو يريد حفظ ماء الوجه لذاته امام معارضيه ومنتقديه, باعتباره المسئول عن تأخير الانسحاب الاسرائيلي من جانب واحد, ويبدو ان العمليات العدوانية الاسرائيلية لباراك في الجنوب هدفها انتقائي ـ انتقامي ـ آني للوصول الى نتائج مؤقتة تمهد لحلول اشمل تضمن له فترة اطول من البقاء في قلب الحياة السياسية كطرف فاعل رئيسي فيها اكثر من غيره من ساسة وجنرالات اسرائىل السابقين فهو الرجل صاحب الابتسامة الغامضة ذو الـ (بيبي فيس) اي الوجه الطفولي لدى البعض, او هكذا عكست بعض وسائل الاعلام الدولية صورته للرأي العام الدولي ونسيت ان يديه ملطختان بالدماء العربية البريئة! حسابات باراك لا شك ان باراك حاول ان يفاجىء القيادة السورية حينما هدد بالانسحاب من الجنوب اللبناني من طرف واحد, ويبدو انه نجح في ذلك, خاصة بعدما وافقت القيادة السورية استئناف المفاوضات مع اسرائىل من النقطة التي توقفت عندها, فسوريا تخشى بالفعل حدوث انسحاب اسرائيلي من طرف واحد لان مثل هذه الخطوة تسحب من سوريا شرعية وجودها العسكري في لبنان فالمبرر لهذا الوجود هو الاحتلال الاسرائيلي الذي يهدد الأمن اللبناني والعمق السوري في آن واحد, ولذلك فإن القيادة السورية تعاملت مع تهديدات باراك بنوع من الجدية والالتزام وبادرت بالتوجه إلى طاولة المفاوضات في واشنطن للشروع في عملية تفاوضية طويلة ومعقدة تضمن لها استعادة الجولان المحتلة منذ عام 1967 في مقابل منح اسرائيل الحق في الوجود على أرض فلسطين العربية والاعتراف بالدولة الاسرائيلية رسميا. كما ان باراك أراد في الوقت نفسه ـ عدا عن جر سوريا إلى طاولة المفاوضات ـ أراد رفع الغطاء السوري الداعم عسكريا ولوجستيا للمقاومة اللبنانية بهدف تحجيم هذه المقاومة ومحاصرتها والقضاء عليها وتحويلها إلى مجرد أحزاب سياسية لا تملك سوى حق الكلام. ومازال رئيس الوزراء الاسرائيلي يتحرك ضمن هذا الاطار حتى الآن, اذ تفيد بعض المعلومات ان اسرائيل تعتزم سحب جزء كبير من قواتها من جنوب لبنان خلال الأيام القليلة المقبلة لتحقيق ثلاثة أهداف نوردها فيما يلي: 1ـ تخفيف حدة الخسائر في صفوف الجيش الاسرائيلي من جراء عمليات المقاومة اللبنانية المتصاعدة. 2ـ استفراد اسرائيل بالمسار السوري وفصله عن المسار اللبناني. 3ـ تعريض القوات السورية الموجودة في لبنان إلى مطالبات وضغوط لبنانية ودولية للانسحاب من الأراضي اللبنانية. وفي كل الحالات ستكون اسرائيل هي الطرف المستفيد من هذه المعادلة الأمنية العسكرية السياسية التي وضعها ايهود باراك وأركان حكومته العسكرية المصغرة منذ تصاعد عمليات المقاومة اللبنانية مطلع العام الحالي. ويبدو ان حكومة باراك المذكورة لن تنتظر طويلا, وبكلام آخر لن تنتظر خطوات دمشق التفاوضية المقبلة, فعلى الأرض نجد ان الانسحاب الاسرائيلي من موقع (سجد) في الجنوب اللبناني يوم (4/2/2000) مقدمة لانكفاء اسرائيلي وشيك على مواقع أخرى, لا سيما وان الانسحاب من موقع (سجد) الاستراتيجي فتح ثغرة كبيرة في الجدار الأمني الذي أقامته اسرائيل وأفسح المجال لأسئلة عن أهمية هذا الانكفاء. المقاومة وخطر التسوية صحيح ان عمليات المقاومة البطولية هي التي أدت إلى هذه النتائج الميدانية المثيرة وهي التي دفعت حكومة باراك لاتخاذ سيناريو مغاير لمجريات عملية التسوية السلمية, ولكننا نخشى ان تنقلب النتائج سلبا على المقاومة الوطنية في المستقبل القريب, لأن توقيع اتفاق سلام دائم ونهائي بين سوريا واسرائيل سيتم على أساس وقف الحروب وتحويل الجبهات المشتعلة إلى واحات للسلام والرخاء الموعود, والمحصلة النهائية لمثل هذا التحول المرتقب أو المتوقع مع حلول منتصف هذا العام هي وأد المقاومة بكافة أشكالها المسلحة وبكافة تنظيماتها العسكرية وتحويلها إلى أحزاب سياسية ذات دور اجتماعي محدود, مثلما حدث مع فصائل المقاومة الفلسطينية سواء التي وقعت اتفاق أوسلو أو تلك التي لحقت بركاب أسلو! أما الفصائل التي مازالت تنتظر فإن مصيرها لن يكون أكثر من التجميد أو الرحيل عن دمشق, ومنها من بدأ يبحث له عن مأوى جديد, فالديمقراطية قد تنتقل مع حواتمة إلى القاهرة والشعبية قد تذهب مع حبش إلى الأردن. وجماعة أبو موسى قد تذهب إلى ليبيا وحركة (حماس) والجهاد الاسلامي قد تنتقل إلى طهران, إذا وافقت الحكومية الايرانية. أما المقاومة اللبنانية فإنها ستدخل في مأزق خطير إذا أصرت على حمل السلاح بعد توقيع اتفاق السلام السوري ـ الاسرائيلي, فبعدما تكون سوريا قد استعادت الجولان وتكون اسرائيل قد انسحبت من جنوب لبنان, ماذا سيبقى للمقاومة لكي تقاوم, وتقاوم من ؟ وفي تصوري ان اسرائيل وأمريكا وكل القوى الداعمة للسلام في الشرق الأوسط ستقيم القيامة على المقاومة لو أصرت على الاستمرار في حمل السلاح ضد اسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان أو في أية بقعة أخرى. * اعلامي فلسطيني