كان الغزو الاسرائيلي للبنان واحتلال الشريط الحدودي في الجنوب حالة عسكرية فريدة من نوعها في الشرق الأوسط, مثلما هو حالة سياسية واجتماعية لها خصائصها المميزة, سواء من ناحية توازن القوى بين أطراف الصراع, أو لجهة الادعاءات والمطالب المتمثلة في اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية, أو لجهة الحقوق الكاملة والقانونية والمتمثلة في الجنوب بحزب الله وسوريا من قريب والحكومة اللبنانية من بعيد التي هي موضوع الصراع والحقوق. ومن الطبيعي ان تشكل الظروف الصعبة والدقيقة جدا التي وضعها حزب الله لحظة اغتياله مساعد قائد جيش لبنان الجنوبي العميل (عقل هاشم) بتاريخ 30/1/2000م عوامل ضاغطة على مستقبل المفاوضات بين الحكومات الثلاث سوريا وفلسطين ولبنان واسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية مما دفع اسرائيل لمواصلة القصف الوحشي على الجنوب مستهدفة قتل المدنيين وهدم منازلهم. فالتركة الثقيلة التي خلفها (حزب الله) بعد هذه العملية كانت حاضرة على الدوام, كأحد الاعتبارات الأساسية في الموقف الشعبي العام في الشارع اللبناني, الذي يرى ضرورة تطهير جنوب لبنان من الوجود الاسرائيلي وحلفائه, بغض النظر عن المواقف الرسمية في هذه الفترة نتيجة عدة اعتبارات أساسية, منها ضمانة المصالح الاستراتيجية السورية في مفاوضاتها مع اسرائيل. فجميع اللبنانيين بعد حادثة الاغتيال الأخيرة والتصعيد الاسرائيلي الأخير في الجنوب اللبناني المحتل أمام حالة انتظار لما ستسفر عنه المفاوضات مع اسرائيل والصيغ المحددة لمثل مشكلة اللاجئين والحدود والمياه والتطبيع والترتيبات الأمنية وملفات الاقتصاد وفي مقدمتها ملف التعويضات اللبنانية من جراء العدوان في الفترة ما بين 1968م ـ 1999م والتي بلغت ثلاثة مليارات دولار, بالاضافة إلى ما سيؤسس له من احتمالات في اطار تقسيم العمل الجديد في المنطقة بعد دخول اسرائيل إلى خريطته الاقتصادية وما سيرافق ذلك من تقاسم نفوذ سياسي أيضا, ولبنان الذي يشكل سياسيا الطرف الأضعف في المفاوضات العامة مع اسرائيل يعيش الضغط الأقسى انتظارا لانتهاء المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية ووضوح نتائجها, وخاصة بعد صيحات الفريقين اللبنانيين, الذي يرى الأول منهم بضرورة تلازم المسارين اللبناني و السوري, والفريق الثاني الذي يطالب بفصل المسارين, وقد قدر واضعو الميثاق الوطني الذي يمثل الفريق الأول هذا الوضع الخطير في الجنوب فشرحوا سياستهم العربية خلال الميثاق وهو توثيق علاقاته مع سوريا, ويرى مصلحة لبنان والحفاظ على كيانه ووحدته الوطنية مرتبطة ارتباطا وثيقا مع المصلحة السورية, هذا بغض النظر عن الروابط التقليدية التي تربطه بالعالم العربي. وفي الوقت نفسه يرى الفريق الآخر المعارض, على ان الاتفاق السوري اللبناني يجب ألا يدوم طويلا ويجب المصارحة المتعمقة مع السوريين, إذ يرون ان التطبيق العملي لهذه الفكرة سيثبت حسب رأيهم القدرة في المحافظة على التوازن في جميع المجالات وفي مقدمتها السياسية والعسكرية. أما الحكومة السورية فترى ان فكر الفريق الثاني الانعزالي في لبنان قد تجمد وسيواصل تجمده ضمن مفهوم غامض والذي يرون فيه صبغة لبنان بصبغة أوروبية, وانه يكفي وصف لبنان بأنه ذو وجه سوري دون الغوص في أعماق هذه الفكرة أو محاولة ايجاد قاعدة تبرر لون هذا الوجه والأسس التي ترتكز عليها سوريا هي الاندفاع الوطني التاريخ التي تتشخص فيه حركة بعث العروبة بين الحكومتين! وبناء على أفكار الفريقين المتخاصمين والرأي السوري المحافظ, برزت فكرة (لبنان الخالد) و (فلسطين الأزلية) و(سوريا السرمدية) لدى اسرائيل التي ترى انه منذ الحرب مع لبنان أصبح هناك تغييرا جوهريا في نوعية علاقات القوى بينها وبين لبنان, وبالتالي فإن التصعيد الذي يحدث في جنوب لبنان ما هو إلا سكين وضعت على رقبة الوضع الداخلي للبنان, ووضع العراقيل أمام الحكومة اللبنانية التي تبحث عن حل العديد من القضايا مع العدو الصهيوني وفي مقدمتها مشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي مازالت عالقة بين التوطين والعودة. أما مختلف القضايا الأخرى وعلى جميع المستويات الداخلية والخارجية, بدأت مؤشراتها تطرح سلسلة من الاشكاليات دون توفر أية امكانيات لتقديم الاجابات المطلوبة عليها في حدها الأدنى, لا من الحكومة اللبنانية ولا من حزب الله الذي يدافع عن مستقبله تحت شعار (الدور السياسي بعد جلاء آخر جندي اسرائيلي) . فأي دور للبنان على الصعيد السياسي وعلاقة ذلك بالمضمون الواقعي الذي سيحدد الوطنية في ظل الوجود الاسرائيلي من جهة والسوري من جهة أخرى؟ كيف ستكون الصيغة المحددة التي ستؤمن تحرير الأرض ومازالت اسرائيل تعبث كل يوم في علامات الحدود الدولية في الجنوب؟ ماذا سيرافقها من تدابير مختلفة. تطال المقاومة كفعل مباشر وتطال الحياة السياسية العامة كإطار مواجهة مستمرة؟ ماذا ستنتج المفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية من ترتيبات تطال الثروة الوطنية واسرائيل مازالت تسرق المياه اللبنانية وتحتكر مجاريها, بالاضافة إلى هدمها البنية التحتية يوما بعد يوم؟ ماذا سيترتب على لبنان من اثمان في هذا الاطار؟ وكيف سيتعايش لبنان في المرحلة المقبلة بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان على سبيل الافتراض مع الاوضاع الجديدة في ظل الحاجات الكبيرة التي تتطلبها اعادة بنائه واعماره وتأمين قدراته المستقبلية على احتلال موقع مقبول في اطار الخريطة الاقتصادية الجديد في المنطقة؟ وكيف سترتسم هذه الخريطة..؟ وللاجابة على هذه التساؤلات. لابد من النظر الى الواقع السياسي العالمي التي تتزعمه الولايات المتحدة الامريكية. فالازمة في جوهرها محكومة بطابع الحالة الانتظارية العامة التي تعيشها منطقة الشرق الاوسط ازاء سلسلة من المتغيرات العالقة التي تشهدها سوريا ولبنان وفلسطين. اما بخصوص وصف حالة لبنان ومستقبل المفاوضات مع اسرائيل, فاعتقد انها تحتاج الى تحليل الواقع اللبناني في الجنوب والداخل, فمثلا الحالة التي تعيشها مختلف قوى المعارضة متناقضة تماما فيما بينها, فالمسلمين في لبنان باطنيا ليسوا مقتنعين بالمقاومة اللبنانية التي يتزعمها (حزب الله) ولكنهم يساندونها ويقفون معها ظاهريا ضد من يتعرض لها حتى في وجه الحكومة لانها هي الوحيدة الآن في غياب ومراقبة بعض الدول العربية والآسيوية التي تربط بينهم. اما بخصوص الحكومة اللبنانية رغم اتفاقها مع المقاومة فهي تساعد في القضاء على الفدائيين الذين لا تعجبهم تصرفاتهم احيانا, وتستخلق الاسباب لذلك وما يمنعهم حاليا خوفهم من اتساع الفتنة الطائفية في البلاد وقد جربتها السنوات العشرين الماضية, ولما شعرت خطورتها اصبح من العسير عليها وقف نزيف الدم. اما القضايا الاساسية الاخرى وما ستؤول اليه, فالحكومة اللبنانية تنتظر بفارغ الصبر بعد نجاح مفاوضاتها, اعادة بناء الدولة, والصيغ المحددة التي ستستقر عليها العلاقة مع مختلف التطورات العامة وبالارتباط مع سلسلة التناقضات الداخلية التي واجهها النظام طوال السنوات الماضية. فالتغيرات العميقة التي ستطاول كل من الاطار الاسرائيلي والامريكي والسوري لابد ستترك تأثيراتها المباشرة والمتنوعة على منطق تطور التناقضات الداخلية ومواقع القوى فيها ابتداء من (حزب الله) الذي يمثل المقاومة, وانتهاء بالاحزاب والقوى الاخرى فيها ووجه هذا التطور ومحصلاته المحتملة. كما ستترك تأثيراتها العميقة على المسألة المركزية المتعلقة بالوضع الراهن وتطوره للعلاقة اللبنانية ـ السورية من جهة والازدواجية الاسرائيلية ـ الامريكية من جهة اخرى. كما ان للازمة وجوها اخرى لا تتحكم فيها فقط الحالة الانتظارية الراهنة فهي تطال وجه منها المواقع الفكرية نفسها لمختلف قوى المعارضة التي منها تقرأ ما يجري وتصيغ مهمات مواجهته وتستشرق مستقبل تطوره المحتمل. وهذا الوجه يطال مختلف المواقع دون استثناء ـ حسب تقديرنا ـ فهو يطال الفكر الماركسي والفكر القومي والفكر الديني. في ضوء ما تقدم ـ نخلص القول ـ ان ما يحصل في لبنان وجنوبه على هامش المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية ـ والفلسطينية ـ الاسرائيلية ليس مجرد تعديلات جزئية او قطاعية. بل لبنان امام تحول من نمط حياة القصور الذاتي السياسي الجغرافي المشروط الى نمط حياة السيادة السياسية والجغرافية والحقوقية الكاملة غير المشروطة في مفاوضاتها المقبلة مع اسرائيل. * كاتب وباحث من الامارات