في الوقت الذي بدأت فيه تحركات فعلية على مسار مفاوضات السلام بين سوريا واسرائيل تصاعدت اعمال المقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني ونشطت تحركات حزب الله ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي وقوات ميليشيا لحد الموالية لاسرائيل في الجنوب, الامر الذي وضع مفاوضات السلام مع سوريا في خيار صعب ما بين الاستمرار وتكثيف المفاوضات لحل القضية الاسرائيلية السورية, وما بين التوقف على امل اسرائيلي في ان تمارس سوريا ضغوطا على لبنان لايقاف نشاط المقاومة اللبنانية خاصة بعد الاتهامات التي وجهتها اسرائيل لسوريا بانها لاتقدر على لجم عناصر حزب الله وتحركاتهم الانتقامية. فما هو مستقبل المفاوضات السورية في ظل اعمال المقاومة اللبنانية؟ وما تأثير المقاومة على القضية الفلسطينية ومسار عملية التسوية؟ وماهو مستقبل الجولان والجنوب اللبناني في ظل التصعيد الراهن؟ هذه الاسفسارات وغيرها توجه بها (الملف السياسي) الى نخبة من الاخصائيين ومراقبي السياسة الدولية والعربية في لاهاي وبروكسل. تاليا نص الحوار: ونسأل (هارم فان سفيدين) متخصص شئون الشرق الاوسط بمركز المعلومات والدراسات الاستراتيجية بهولندا حول تداعيات اشتعال الموقف مجددا في الجنوب اللبناني وتأثير ذلك على مسار السلام في اتجاهاته الثلاثة الفلسطينية واللبنانية والسورية؟ ـ من وجهة نظر استراتيجية فان تصعيد اعمال العنف ضد اسرائيل في الجنوب اللبناني يأتي في توقيت غير ملائم لمسارات التفاوض مع اسرائيل, فقد تدفع هذه الاعمال بالمفاوض الاسرائيلي الى التوقف والتجمد في المفاوضات التي يمكن ان نقول انها متعثرة مع سوريا, مع الوضع في الاعتبار ان اسرائيل تعتبر سوريا ذات تأثير قوي على عناصر حزب الله المقاومة لاسرائيل وانه بامكان سوريا احكام قبضتها على حزب الله وتحجيم النشاط العسكري المقاوم, وللعرب تجارب سابقة مع اسرائيل في هذا هذا الصدد, فقد سبق ان توقفت مفاوضات السلام وتجمدت تماما أكثر من مرة مع اسرائيل بسبب بعض العمليات التي تنفذها عناصر حركة حماس داخل اسرائيل, إذن محصلة التجربة العربية في مفاوضات السلام مع اسرائيل تؤكد ان تصعيد أعمال العنف لا يشكل ضغوطا على اسرائيل كما يحاول البعض ان يصور الآن بأن اشتعال الموقف في الجنوب ضد اسرائيل سوف يمثل نوعا من الضغط عليها للتعجيل بالمفاوضات مع سوريا, بل في تصوري ان النقيض يمكن ان يحدث تماما. * لكن ألا يمثل مقتل عقل هاشم ضربة موجعة لاسرائيل و دعما للمفاوض السوري واللبناني؟ ـ الكل يعلم ان عقل هاشم هو الرجل الثاني في ميليشيا لحد الموالية لاسرائيل, واسرائيل تعتبر مقتله خسارة كبيرة لها في الجنوب اللبناني, حتى ان وزير الدفاع الاسرائيلي قد أطلق تهديدات غير حذرة ضد سوريا ولبنان وتوعد بالرد في عمليات انتقامية لمقتل عقل في حينه, وهذا يؤكد أهمية هذا الرجل لاسرائيل وفداحة خسارتها بمقتله, وقد ردت اسرائيل على مقتله بغارات جوية وضربات صاروخية مما زاد من اشتعال الموقف ورد حزب الله بعمليات أخرى انتقامية, واستمرار تبادل الضربات والعمليات الانتقامية من قبل الجانبين حتى الآن يؤكد ان ما يحدث ليس في صالح مفاوضات السلام ومقتل عقل لن يكون مطلقا في صالح المفاوض اللبناني والسوري, لأنه يطلق العنان لقضية الأمن من عقالها وهي القضية التي تعلق عليها اسرائيل أهمية كبرى في مفاوضاتها مع العرب. ونسأل الدكتور (محمد الزهيري) أستاذ العلوم السياسية المنتدب لجامعة اوتريخت, وعضو منظمة حقوق الانسان الهولندية عن الصورة المستقبلية لجنوب لبنان واحتمالات الانسحاب الاسرائيلي منه فيقول: ـ بداية يجب ان نضع في الاعتبار ان اسرائيل تعتمد في الوقت الراهن تصعيد أعمال العنف ضد اللبنانيين, لتلغي من الأذهان ما سبق ان أعلنته عن احتمالات انسحابها من الجنوب في يوليو المقبل بهدف تأجيل ذلك لحين تحقيق أهدافها, ونجد ان ردود أفعالها مؤخرا ضد الضربات التي يوجهها حزب الله قد اتسمت بالقسوة وايذاء المدنيين وتوجيه ضرباتها الجوية ضدهم خاصة على الشريط الحدودي, وما ترتكبه اسرائيل مخالف للاتفاقات المعقودة بين لبنان واسرائيل منذ 4 سنوات وهي الاتفاقات التي تجمدت بعدها المفاوضات مع لبنان, والتي نصت على عدم توجيه ضربات للمدنيين خاصة على جانبي الحدود الفاصلة بين الجنوب اللبناني المحتل وبين لبنان, وقد نقول انه أصبح أمرا عاديا ان تنتهك اسرائل كل المعاهدات والاتفاقات والمواثيق, ولكن ما يجب ان نأخذه في الاعتبار أن تعمد اسرائيل تصعيد واطلاق التهديدات ضد لبنان انما ترمي من وراء ذلك الى تغطية مساعيها في تغيير خط الحدود الدولي مع لبنان, وهو امر يجب الا تسقطه عناصر المقاومة اللبنانية في اندفاعها وراء العمليات العسكرية التي تجرها اليها اسرائيل, وان تتمسك لبنان بحدودها حتى لا تكون الاحداث الجارية الان ذريعة لتغيير ترسيم هذه الحدود, وانا استبعد على المدى القريب ان يتم اي تطور متقدم في مسار السلام بين لبنان واسرائيل, أو ان توضع مسألة انسحاب اسرائيل من الجنوب في جدول اعمال قادم, فاسرائيل تحاول الان ممارسة ضغوطها على سوريا, واعتقد انها لن تبدأ في اية مفاوضات مع لبنان الا اذا انتهت قضيتها مع سوريا, واسرائيل تحاول الان ان تقبض مقدما ثمن احتمالات انسحابها من الجولان, فهي تفرض على دمشق ان تقبل بمسألة التطبيع وان تقدم ضمانات لترتيبات امنية تضعها اسرائيل في مقدمة الاولويات قبل ان يتم الاتفاق على الانسحاب من الجولان أو حتى الاتفاق على الحدود التي سيتم عندها الانسحاب, وسوريا تطالب بالعودة إلى الحدود التي كانت قائمة قبل اندلاع حرب يونيو ,1967 بينما تطالب اسرائيل بالتمسك بحدود جديدة وهو الامر الذي ترفضه سوريا, ويجب ان يتأكد المفاوض السوري ان اسرائيل لا تزال تعتبر اعادتها للجولان خسارة كبرى لها وهذا ما عبر عنه صراحة ساسة اسرائيل وفي مقدمتهم (ناتان شارنسكي) وزير الداخلية, (واريل شارون) رئيس حزب الليكود, (واسحق ليفي) , رئيس حزب المفدال ووزير الاسكان الذي اعلن صراحة ان اخلاء الجولان خسارة وخطأ تاريخي ستقع فيه اسرائيل, ومن هنا استطيع ان اؤكد ان مستقبل الجنوب اللبناني سيظل غامضا حتى تنتهي اسرائيل من مسألة الجولان وتحصل على ثمن انسحابها ثم تأتي قضية الجنوب اللبناني, ولا اتوقع ان يتم تسوية القضيتين في وقت احد, فاسرائيل من الذكاء الذي يمنعها ان تجلس على طاولة مفاوضات واحدة مع سوريا ولبنان وتتنازل عن الجولان وجنوب لبنان في ذات الوقت حتى لا يكون الثمن الذي ستحصل عليه ثمنا واحدا بل ثمنا مضاعفا, ويتأكد هذا مما اعلنه ايهود باراك مؤخرا حيث اكد ان تشكيل لجنة للمفاوضات مع لبنان برئاسة الجنرال (مناحيم عينان) الامر الذي لا يدع مجالا للشك بان اسرائيل ستفصل في كل الاحوال بين المسارين السوري واللبناني. * وما هي انعكاسات الوضع الحالي على القضية الفلسطينية؟ ـ من الواضح ان اسرائيل تعمد إلى اثارة التعقيدات في المفاوضات السورية لاطالة امد هذه المفاوضات وتنحية مفاوضات الحل النهائي مع فلسطين اطول فترة ممكنة, فكل ما تسعى اليه الان هو تحقيق المكاسب مع سوريا, ثم من بعدها لبنان, وسيكون هذا بالطبع على حساب مفاوضات المرحلة الاخيرة مع فلسطين, لانه من وجهة نظر اسرائيل لا يوجد مزيد من المكاسب يمكن ان تحققها مع فلسطين لان الوضع كله في يدها, بل استمرار المفاوضات مع فلسطين سيجعلها تخسر اجزاء من الاراضي المحتلة وتفقد جزءا من سيادتها, لذلك فانهاء الوضع مع فلسطين ليس مكسبا حاليا لاسرائيل بل المكسب الحقيقي الان يمكن ان تحققه مع لبنان وسوريا, لذلك يجب التشديد هنا على ضرورة تمسك سوريا ولبنان بتلازم المسارين في المفاوضات مع اسرائيل كما عليهما الا يسقطا فلسطين من حساباتهما في المفاوضات لان التعامل مع السلام كقضية شاملة هو الانفع للطرف العربي, ولنا في تجربة السلام المنفرد تجربة خاسرة واسرائيل تدرك ان انهاء الوضع مع سوريا ولبنان بسرعة سيجعلها مطالبة بالتنازل عن القدس بعد ذلك. وحول استمرار حرب الكاتيوشا ومستقبل ميليشيات لحد نسأل (جوريون دي فرييدا) المستشار للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي ببروكسل والمتخصص في شئون الشرق الاوسط فيقول: تصعيد حرب الكاتيوشا احد الاسباب التي تؤدي الآن الى ارجاء استئناف المفاوضات مع سوريا وكذلك تعطيل بدئها مع لبنان, فسوريا لها ضلع كبير في التأثير على حزب الله وكذلك لبنان لايقاف استمرار هذه الحرب واتصور ان يحدث تحرك سوري لبناني لايقاف هذه الحرب او على اقل تقدير تهدئتها لاستئناف مفاوضات السلام فلا يمكن ان يتم السلام تحت اصوات قصف الصواريخ والمدفعية وقد اثبتت تجربة الحرب وتصعيد الكفاح من قبل حزب الله انها لا تحقق الهدف في استعادة الاراضي الواقعة تحت نفوذ اسرائيل لذلك يمكن للمفاوض العربي ان يحقق مكاسب مع اسرائيل وهو على طاولة المفاوضات اكثر مما يمكن ان يحققه وهو في خضم هذه الحرب وتصعيد المواجهة, اما مستقبل ميليشيات لحد العميلة, فاتصور انه سيتم الاتفاق على تسوية اوضاعهم في المفاوضات مع لبنان, ولن تتركهم اسرائيل ليبقوا تحت نفوذ الحكومة اللبنانية حال انسحابها من الجنوب الا اذا ضمنت بوثيقة جادة عدم محاكمتهم او تعرضهم للايذاء من قبل لبنان وبالطبع سيكون باب الاراضي الاسرائيلية مفتوحا امام الراغبين في مغادرة الجنوب والحياة في اسرائىل بعد ان تنتهي اسباب وجود هذه الميليشيات وهناك سيناريو اخر محتمل هو بقاء هذه الميليشيات على الخط الحدودي كنوع من الضمان لاسرائيل وكخط دفاع امني , ولكنه سيناريو يأتي في المرتبة الثانية بعد احتمال تسوية اوضاعهم بموجب وثيقة اتفاق. * وما هو موقف امريكا من تصاعد الاحداث الآن ومن عملية التسوية؟ ـ امريكا كراع اول لعملية السلام والراعي للمفاوضات السورية الاسرائيلية الآن ترى ان سخونة الاحداث في الجنوب اللبناني انما تعرقل استمرار المفاوضات في النسق المطلوب او بالسرعة المأمولة, وتأسف امريكا لما يحدث الآن من احداث لان ذلك يعصف بجهودها الرامية لدفع عجلة السلام ويضعها في موقف العاجز لخروج نقطة التحكم من دائرتها, لذلك ترى امريكا ان الموقف الآن في يد اسرائىل ولبنان وسوريا اي ان الاطراف المتفاوضة هي وحدها التي تدفع المفاوضات بتهدئة الاوضاع في الجنوب والتوصل الى نقاط تفاهم ولا اتصور انه بوسع امريكا ممارسة ضغوط حقيقية على اي طرف الا اذا حدث توافق بين اهداف كل طرف, وضمن كل من هذه الاطراف تحقيق مكاسب من الجلوس على مائدة المفاوضات وتميل امريكا الى التسوية المنفردة اي مناقشة وحل كل قضية على حدة فهذا في تصورها اسرع لانهاء الوضع المعلق حيث ان التسوية الشاملة تؤدي الى تعقيد المطالب وتشابك الاهداف وتأجيل النتائج.