المقاومة الوطنية في لبنان بمختلف توجهاتها دخلت التاريخ من اوسع ابوابه واشرفها.. وسوف يسجل تاريخ الصراع العربي الصهيوني ان بلدا صغير المساحة شديد العزيمة مثل لبنان, وعبر قلة من مواطنيه نجح في تقليل حجم الهزيمة العربية الشاملة, وغسل بعض العار الذي لحق بنا , سيسجل التاريخ ايضا ان (بندقية المقاومة) حققت عبر بضعة عمليات ما فشلت فيه طاولة المفاوضات طوال حقبة التسعينات بأكملها. ومنذ وصول المهانة العربية الى ذروتها حينما اجتاحت اسرائيل لبنان واحتلت اول عاصمة عربية عام ,1982 وسط صمت غير مسبوق, فان هذه المقاومة ظلت نقطة الضوء الوحيدة في نفق الليل العربي الطويل باستثناء انتفاضة الحجارة الباسلة في فلسطين المحتلة, والتي جرى اهدار دماء شهدائها في متاهات مدريد ودهاليز اوسلو. وخلال الاسبوع الماضي نجحت المقاومة اللبنانية في (مرمغة كرامة اسرائيل في الوحل) وهو ما فعلته مئات المرات خلال نضالها ضد الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان الذي بدأ عام 1978ر نعرف جميعا ان بلطجة اسرائيلة قائمة اولا واخيرا على ماتسميه سلاح الردع واليد الطولى, والضرب في اي مكان وزمان, وعدم احترام المفاوضين والمطبعين والمهرولين, ولذلك عندما يجيء اقل من ثلاثة الاف مقاتل في الجنوب اللبناني لا يملكون لا الاسلحة الخفيفة والكلاشينكوف والقنابل اليدوية وبضعة صواريخ كاتيوشا, تحمل على الكتف.. وبهذه الامكانيات شديدة التواضع يتمكنون من اذلال اسرائيل.. هنا تسقط هيبة اسرائيل تماما ليس فقط بين مواطنيها, ولكن وهذا هو الاهم بين جيرانها الذين تتنمر عليهم كل يوم, يهدد مستقبلها في المنطقة, بل بما يدعو الذين يتفاوضون الان في التفكير والايمان بأن طريق البندقية ربما كان افضل مليون مرة من الطريق الى اوسلو او وادي عربة او واي بلانتيشن وشيردز تاون, وما يستجد من اماكن سرية وعلنية للمفاوضات.. ذلك باختصار هو ما يرعب اسرائيل وليس مجرد سقوط بضعة قتلى لها او خسارتها لبعض المعدات. والآن من هم هؤلاء المقاومين الذين صعدوا الى واجهة الاحداث هذا الاسبوع مثلما دخلوا قلوب كل العرب والمسلمين منذ بدأوا نضالهم ضد الاحتلال ونجحوا بصورة منقطعة النظير في قلب كل معادلات الصراع العربي الاسرائيلي؟ الاجابة لا تعني آليا اننا سنتحدث عن (حزب الله) بل علينا أولا ازالة بعض الالتباسات فيما يتعلق بالمقاومة والمقاومين في لبنان. اول هذه الالتباسات ان كثيرين يظنون ان الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني بدأ عام 1982 بالاجتياح والصحيح ان هذا الاحتلال حدث في 14 مارس 1978 حينما اجتاح 25 الف جندي صهيوني جنوب لبنان بحجة الرد على هجوم شنته مجموعة فلسطينية قرب تل ابيب.. هذه العملية التي ادت لمقتل 400 شهيد وتهجير 400 الف من الجنوب باتجاه بيروت اطلقت عليها اسرائيل عملية الليطاني, مدعية ان هدفها حماية مناطقها الشمالية من هجمات منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت المسيطر الفعلي على الجنوب منذ هجرتها من الاردن بعد احداث ايلول الاسود وحتى خروجها من لبنان بفعل اجتياح 1982 بعد هذه العملية مباشرة جاء قرار مجلس الامن الشهير رقم 425 في 19 مارس 1978 وليس عام 1982 كما يعتقد الكثيرون والداعي لانسحاب اسرائيل الفوري من الجنوب وارسال قوات طوارئ دولية مازالت موجودة حتى الآن, والغريب ان خريطة انتشار الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب من عام 1978 جاءت مطابقة لمطالب الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان (والد الرئس الحالي) وزير الخارجية البريطاني عام 1920 مطالبا اياه بمد حدود (اسرائيل المقترحة) الى الليطاني للتمكن من السيطرة على منابع المياه التي تمارس اسرائيل سرقتها علنا الآن من لبنان وسوريا والاردن وفلسطين. الالتباس الثاني والرئيسي ان كثيرين يعتقدون ان المقاومة ضد اسرائيل قاصرة فقط على (حزب الله) وانها لم تبدأ الا بظهور هذا الحزب.. وبدون انتقاص من دور هذا الحزب الذي سنتحدث عنه وعن دوره البطولي لاحقا وبالتفصيل, فان كل اللبنانيين ما عدا العملاء وبعض القوى المحدودة يستحقون صفة مقاومين, فالمقاومة ليست فقط قاصرة على منفذي العمليات الفدائية, بل ان من يهدم بيته في الجنوب مثلا بفعل القصف الاسرائيلي, او تحمل تحرشات العملاء صابرا في انتظار التحرير ولم ينضم لميليشيات العملاء هو مقاوم وان اختلفت درجته عن الفدائي. ليس ذلك فقط بل ان جنسيات عربية كثيرة تطوعت للقتال مع اللبنانيين منذ الاجتياح الثاني عام 1982 ومازال بعض هؤلاء يمارسون العمل الفدائي, ونظرة سريعة على الاسرى في معتقل الخيام بالجنوب والمعتقلات الاسرائيلية توضح وجود مصريين وسوريين وجنسيات عربية من المحيط للخليج, جذبها النموذج المقاوم, فودعت حياة الدعة لتضمن لنفسها مكانا في تاريخ عربي اكثر شرفا. وبمناسبة الجنسيات فان الفلسطينيين تحديدا ساهموا في النصيب الاكبر من عمليات المقاومة انطلاقا من الجنوب اللبناني خاصة في المرحلة التي سبقت اوسلو, وليس صحيحا ان كل الوجود الفلسطيني في لبنان منذ عام 1969 وحتى 1982 يمكن اختزاله في (جمهورية الفكهاني) التي تباهى بها عرفات مخطئا ذات مرة, وامثلة المقاومين الفلسطينيين لا يمكن حصرها, ولكن تكفي الاشارة الى العملية الناجحة حينما استطاع خالد اكرا وبعض رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) ا لتي يتزعمها احمد جبريل في قيادة طائرة شراعية واختراق الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة في النصف الثاني من الثمانينيات ثم هبطوا بالطائرة في احد معسكرات لواء نخبة اسرائيلي وتمكنوا من قتل العشرات من جنود الاحتلال.. وبمفردها فان الجبهة الشعبية قدمت اكثر من 3000 شهيد في صراعها مع العدو الصهيوني, معظمهم سقطوا على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة, وهو ما فعلته منظمات فلسطينية عديدة في مقدمتها حركة فتح وهنا لا ننسى العملية الجريئة لدلال المغربي قبيل الانتفاضة, واخيرا فان غالبية القوى اللبنانية لعبت دورا بارزا في هذه المقاومة البطولية ضد المحتلين وعملاءهم.. هل لاحد منا ان ينسى العملية الجريئة لسهى بشارة المنتمية للحزب الشيوعي اللبناني حينما وصلت الى عمق منزل كبير العملاء انطوان لحد في خريف عام 1988 واصابته اصابات متنوعة قضت بسببها عشر سنوات في سجون الاحتلال قبل ان يفرج عنها مؤخرا, وهل ننسى لولا المصري رفيقتها في نفس الحزب. وهل يمكن ان ننسى سناء محيدلي المنتمية للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قدم عشرات النماذج الفدائية. وهل ننسى الابطال الذين فجروا مقر القيادات العسكرية لامريكا وفرنسا واسرائيل عام 1983 مما اسقط اتفاق مايو الشهير في عام 1984 الذي فرضته دبابات الاحتلال على ال الجميل في لبنان.. هؤلاء الابطال لم يعرف تحديدا الى اي فصيل ينتمون.. لكنهم في النهاية يندرجون في الخانة الواسعة للمقاومة الوطنية التي لولا الدعم السوري القوي ما كان لها ان تحقق هذه النجاحات النوعية, اضافة بالطبع الى دعم اقتصادي من دول وشخصيات عربية واسلامية متنوعة. ما سبق ليس مقدمة, لكنه صلب الموضوع, ومشكلتنا كعرب احيانا اننا ننسى بسرعة, ونهيل التراب على صفحات ناصعة في تاريخ مقاومتنا للمحتل العنصري, وقبل الحديث عن دور حزب الله فهناك اشارة لابد منها الى الظروف والبيئة التي خرج منها هذا العملاق ليحول نهار اسرائيل الساطع في المنطقة الى ظلام دامس يعيشه مستوطنوها في كريات شمونة والجليل الغربي. وفي نهاية يوم 5 يونيو 1982 (لاحظ اختيار اسرائيل لمغزى التاريخ) , اجتاح الجيش الاسرائيلي لبنان بحجة الرد على منظمة التحرير الفلسطينية التي اتهمها بمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن.. العملية اطلق عليها (سلام الجليل) وادت عمليا الى احتلال القوات الاسرائيلية لبيروت نفسها واستشهاد عشرين الف واصابة ثلاثين الف لبناني وفلسطيني وخروج ياسر عرفات و11 الف مقاتل لمنظمة التحرير. من لبنان الى تونس وارتكاب مذابح صبرا وشاتيلا بواسطة ارئيل شارون والمليشيات المسيحية المارونية التي كانت تحت امرة بشير الجميل الذي لقي قدره المحتوم بعدها بايام عندما قتل بانفجار في مقر حزبه الكتائب ليحل محله شقيقه امين الجميل. بعد الكارثة التي تعد الاسوأ عربيا بعد نكبة 1948 ومأساة يونيو ,1967 انتهت مرحلة في التاريخ العربية وبدأت اخرى عنوانها بدء البلطجة الاسرائيلية في كل المنطقة خاصة بعد خروج مصر من معادلة الصراع بفعل اتفاقيات كامب ديفيد, وعدم قدرة سوريا على تحقيق شعارها المتمثل في (تحقيق التكافؤ في موازين القوى مع العدو لتحديد زمن ومكان المعركة المقبلة) ومن ضمن نتائج وافرازات هذه المرحلة تراجع دور القوى القومية والعلمانية في مواجهة المشروع الصهيوني, وبدء صعود ما سمي بالاسلام السياسي خاصة ان هذه المرحلة كانت متزامنة مع انتصار الجمهورية الاسلامية في ايران بعد اسقاط الشاه. ومن بين القوى العربية والاسلامية التي شاركت في المعركة الشعبية لمقاومة الاجتياح الاسرائيلي للبنان, كانت هناك مجموعة من حراس الثورة الاسلامية الايرانية (الباسدران) الذين تولوا تدريب مجموعة من اللبنانيين على حرب العصابات في ضاحية بعلبك اللبنانية القريبة من البقاع.. وهنا كانت نشأة حزب الله عام 1983 الذي تتمركز معظم عناصره في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت واقليم التفاح وبعلبك, هذه العناصر مختلطة بالسكان. ولذلك قيل ان مشكلة اسرائيل مع هذا الحزب انها تقاتل (جيشا غير مرئي) , حيث ان افراده لا يقيمون في مواقع ثابتة يسهل رصدها وبالتالي ضربها, وربما لهذا السبب يمكن تفسير الفشل الاسرائيلي شبه المتكرر في اصطياد العناصر البارزة داخل هذا الحزب. لكن حزب الله ايضا لم ينشأ من فراغ فقبله كانت ومازالت افواج المقاومة اللبنانية (امل) التي يترأسها حتى الآن نبيه بري رئي س مجلس النواب اللبنانية, امل كانت ذات دور فعال في عمليات المقاومة ضد المحتل منذ الاجتياح وحتى عام ,1985 ولكن يبدو ان المقاومة ايضا لم تسلم من بعض اعراض الحرب الاهلية اللبنانية المجنونة (1975 ـ 1989) وهكذا بدأ صراع مسلح بين امل وحزب الله في اقليم التفاح في منتصف الثمانينات تمحور حول منهج العمل ومن يكون المسيطر على الطائفة الشيعية في لبنان.. تم احتواء هذا الصراع العبثي, وبدأ حزب الله يركز عملياته ونشاطه وطاقة افراده ضد المحتل خاصة في النصف الثاني من الثمانينيات, ومع خروج غالبية الفلسطينيين من لبنان وحصار المخيمات من قبل الجيش اللبناني اصبح حزب الله الذي لا يزيد عدد افراده عن 3 الاف مقاتل طبقا للتقديرات المتاحة هو الذي يدير دفة الصراع المسلحة في الجبهة العربية الوحيدة التي ظلت مفتوحة مع العدو, وان كانت حركة امل وبعض الفصائل الفلسطينية تعلن من حين لاخر عن تبنيها لمسئولية بعض العمليات. مع بدء العمليات النوعية للمقاومة اضطرت اسرائيل للانسحاب من غالبية المناطق التي احتلتها خلال اجتياح 1982 لتقيم شريطا حدوديا في يونيو 1985 في منطقة بالجنوب تتراوح مساحته ما بين (850 ـ 1000) كم تمثل 10% من مساحة لبنان, وقد اخذت هذه المساحة تتقلص بفعل انسحابات اسرائيل المتوالية تحت ضغط ضربات المقاومة مثلما حدث مؤخرا في سجد وكفر عرمتا وقبل ذلك في ارنون وجزين ومواقع اخرى. وفي كل عملية نوعية لحزب الله تبدي وسائل الاعلام الغربية اندهاشها من الدقة والكفاءة في التنفيذ, هذه الاجهزة لا تدرك ان السلاح الرئيسي الذي يملكه حزب الله وسائر المقاومين هو الشهادة وان موت مشرف خير مليون مرة من حياة ذليلة تحت بطش الاحتلال.. سلاح الشهادة هذا المصحوب بالايمان والتضحية من اجل الوطن ورفعة الدين, يتم تعليمه وغرسه في نفوس الاطفال ثم الشباب. وطبقا لما تسرب عبر بعض مسئولي حزب الله فان هناك عملية غاية في التعقيد تسبق تنفيذ اي فدائي لعملية استشهادية بدءآ من اختيار الفرد مرورا بتعليمه وتلقيه وتدريبه واخيرا مرحلة التنفيذ, والمراحل كلها يمكن نسفها في اي لحظة مالم يكن ايمان كامل بالهدف, وهنا يبرز الفرق بين المقاتل العربي ونظيره الصهيوني, فبينما اعلن حزب الله ان مشكلته الراهنة هي كثرة عدد المتطوعين لتنفيذ عمليات استشهادية من بينهم كثير من المسيحيين الراغبين في الانضمام (لسرايا الدفاع) التي شكلا حزب الله مؤخرا نرى الروايات الاسرائيلية المتعددة عن هروب جنودها من جبهة الجنوب والوساطات والرشاوى التي تدفع لبعض العسكريين كي يتم ابعاد المجندين الصهاينة عن الذهاب لما اصبح شائعا (بفيتنام العربية) التي تبتلع الاسرائيليين والظريف ان حزب الله بدأ يشكو من كثرة الرسائل الواردة لموقعه على الانترنت من جنود اسرائيليين واسرهم يقولون فيها: (نرجوكم اوقفوا زرع العبوات ضدنا) اننا نحس ان الموت يترصدنا في كل خطوة بالجنوب) لكن مشكلة هؤلاء انهم لم يسألوا انفسهم لماذا جاءوا الى هذا المكان, واذا كانوا قد سألوا فلماذا لم يفعلوا شيئا كي يخرجوا من هذا المكان الذي يقولون عنه (المستنقع اللبناني) ونقول عنه (البقعة الاطهر) التي يغوص فيها الغزاة. تركيبة الحزب التنظيمية ذات مستويين.. الاول سياسي حيث ان الحزب له تمثيل في مجلس النواب اللبناني منذ عام 1992 عبر تسعة نواب (كتلة الوفاء للمقاومة) ويمارس عملا خدماتيا فعالا في المناطق التي ينتشر فيها, والثاني عسكري وهو غير معلن با لطبع, واقرب الى اسلوب الخلايا الصغيرة التي لا يعرف بعضها البعض ضمانا للسرية, لكن صحيفة (هآرتس) تقول ان قائد العمليات العسكرية لحزب الله في الجنوب هو خليل حرب الذي خطط لاغتيال كبير العملاء عقل هاشم مؤخرا واستطاع تحويل مقاتلي حزب الله قليلي العدد الى جيش صغير محترف. الحزب يرأسه الشيخ حسن نصر الله, الذي توى مهام منصبه عام 1992 بعد نجاح اسرائيل في اغتيال امينه العام عباس الموسوي في 16 فبراير من نفس العام, وهناك الشيخ محمد حسين فضل الله التي تقول وسائل الاعلام انه المرشد العام للحزب, لكن الرجل يرفض هذه التسمية قائلا انه لا يفضل ربط اسمه بحزب ما لكنه ينتمي لكل المسلمين واللبنانيين. حسن نصر الله طبقا لما يقوله عنه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي التقاه اكثر من مرة... محدث مقتدر ومقاتل يعرف كيف يبتسم, واقعي ومهتم باحتمالات ما بعد التسوية مع اسرائيل حتى لا يجد حزبه نفسه خارج المعادلة السياسية بعد انجاز هذه التسوية. والوصول الى مقر نصر الله على سبيل المثال مغامرة, فهو متغير كل مرة, تحيطه متاريس الحديد وبنادق الكلاشينكوف ولابد من كلمة سر كي يمر اي وفد او شخص, هذه الاجراءات شبه مطبقة على غالبية قادة حزب الله خاصة العسكريين. واذا كانت هناك مقاومة بطولية في منطقة ما, فهناك ايضا العمالة, ولولا العملاء على سبيل المثال ما نجحت اسرائىل في اغتيال عباس الموسوي, او اختطاف عبدالكريم عبيد من منزله عام ,1989 والشيخ مصطفى الديراني, الذي كان يرأس شئون الامن في حركة أمل في عام 1994 حيث تتهمه اسرائيل بانه المسئول عن اخفاء (رون اراد) هذا الطيار الصهيوني الذي اسقطت طائرته عام ,1986 وتعتقد تل ابيب انه مازال على قيد الحياة حتى الان. العمالة والعملاء في جنوب لبنان موضوع كبير ومتشعب ويستحق مناقشة خاصة منفصلة, واذا كانت المقاومة فخر كل لبناني وعربي, فجيش لبنان الجنوبي العميل نقطة سواد حالكة في التاريخ اللبناني, لكن احد نجاحات المقاومة المتنوعة انها ربما عبر عملياتها واصطيادها للعملاء كبيرهم وصغيرهم مثلما حدث لعقل هاشم مؤخرا ربما ساهمت في تحذير كل من ينوي الخيانة مستقبلا بان هناك ثمنا فادحا ينبغي دفعه جراء الخيانة. وربما يذكر التاريخ مستقبلا ان لبنان تحمل صابرا وصامدا عدوانا اسرائيليا شبه يومي منذ عام 1982 وبعيدا عن القصف اليومي هناك محطات عدوانية بارزة ربما كان معظمها مرتبطا بالمقاومة خاصة حزب الله والامثلة على ذلك متعددة مثل الغارة على مخيم عين الحلوة الفلسطيني في 5 سبتمبر 1987 حيث اوقعت 46 شهيدا, وغارات مارس 88 التي اسقطت مائة شهيد بعد حادث الهجوم على باص اسرائيلي في صحراء النقب, ثم عدوان 25 يوليو 1993 واسع النطاق, (عملية تصفية الحساب) , التي ادت لاستشهاد 132 لبنانيا وتهجير الآلاف, وفي 22 يونيو 1994 غارة على مخيم تدريب لحزب الله في البقاع قرب الحدود السورية تسفر عن استشهاد 32 شخصا. وفي ابريل 1996 جاءت عملية (عناقيد الغضب) التي شنها شيمون بيريز ضد حزب الله, 600 غارة في 16 يوما ادت لاستشهاد 175 شخصا منهم 105 اطفال وامرأة في قانا لكن هذه العملية البربرية أدت لنصر سياسي باهر لحزب الله متمثلا فيما سمي (لجنة تفاهم ابريل) التي قيدت من ضرب اسرائيل للمدنيين مقابل اطلاق يد حزب الله في مطاردة المحتلين والعملاء في المناطق المحتلة بالجنوب, وهذا الاتفاق حاول نتانياهو خرقه والتنصل منه اكثر من مرة لكنه فشل, ويحاول باراك الان عدم الاعتراف به ويبدو من سياق الحوادث انه سيفشل ايضا. واذا كانت عملية (سلام الجليل) قد كلفت شارون منصبه وسمعته عام 1982 واذا كانت عناقيد الغضب قد قذفت بشيمون بيريز الى مزبلة التاريخ فان عملية الانصارية التي تمكن فيها مقاتلوا حزب الله في 5 سبتمبر 1997 من اصطياد 12 عسكريا صهيونيا من وحدات الكوماندوس اسقطت شعار نتانياهو (الامن اولا) ولذلك حاول محو عاره اللبناني قبيل سقوطه انتخابيا بالعدوان الهمجي وتدمير محطات الكهرباء والجسور في بعلبك والدامور في 25 يونيو الماضي ردا على كاتيوشا حزب الله التي ارجعت سكان شمال فلسطين المحتلة. عملية الانصارية تحديدا ومعها اغتيال كبير العملاء منذ اسبوع (عقل هاشم) واصطياد قائد وحدة الارتباط الصهيوني ايرز غير شتاين في 28 فبراير,99 وبعض العمليات النوعية الاخرى هي التي دفعت بعض المحللين الاسرائيليين ومعهم غالبية المراقبين بالخارج الى القول ان حزب الله نجح في هزيمة اسرائيل في الميدان التي تدعي انها الاكثر تفوقا فيه وهو المخابرات, بل ان المقاومة فضحت العدو اكثر من مرة حينما كانت تقوم بتصوير عملياتها بالفيديو وتذيعها عبر (تلفزيون المنار) التابع لحزب الله بعد ان تكون اسرائيل قد كذبت حدوث هذه العمليات ورغم كل الاجهزة الالكترونية الكثيرة والطائرات بلا طيار والاسلحة المتقدمة فشلت اسرائىل في وقف النجاح النوعي لعمليات المقاومة وعلى حد تعبير احد كتابها, فانهم اصبحوا عاجزين عن معرفة من يقف مع المقاومة في الجنوب, وتزايد هروب العملاء ولجوئهم إلى بيروت أو للهجرة للخارج.. وهكذا فان هذا الفشل المخابراتي هو الذي دفع طائرات العدو لملاحقة سيارات المدنيين اللبنانيين على الطرق السريعة في الجنوب , واستعراض القوة الغاشمة لجيش الدفاع في ضرب محطات الكهرباء والبنية الاقتصادية كما فعل باراك الاسبوع الماضي. اجلا او عاجلا ستخرج اسرائيل من جنوب لبنان بفعل ضربات المقاومة وليس بتوسلات المفاوضين, وسيعود معتقلو الخيام الى منازلهم مرفوعي الرأس على وقع صواريخ الكاتيوشا وليس عبر مماحكات وتصنيفات الاسرى في دهاليز الغرف الباردة بواشنطن. تحية لكل لبناني ساهم ولو للحظة واحدة في فعل المقاومة وتحية لكل بلد عربي قدم دعما لهذه المقاومة, وتحية كبرى لحزب الله الذي يقود المقاومة الآن, كل اعضاء هذا الحزب عربي, لبنانيون ولذلك من الخطأ القاتل ان ننساق وراء صياغات وكالات الانباء الغربية حينما نقول (حزب الله المدعوم من ايران) . المجد للمقاومة.. اما العملاء فحسابهم لم يبدأ بعد. عماد الدين حسين