يبدو ان الهجمات التي قامت بها المقاومة اللبنانية قد اثمرت قبل ان يأتي الربيع الذي وعد به رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك جيشه بالانسحاب من الجنوب اللبناني وحدده في شهر يوليو من العام الجاري, فثمرة المقاومة اللبنانية سرعان ما ظهرت بانسحاب ميليشيا جيش لبنان الجنوبي العميلة لاسرائيل من موقع (سجد) المشرف على اقليم التفاح في جنوب لبنان ورغم موقعه الاستراتيجي بالنسبة لميليشيا الجنوبي واسرائيل معا, فموقع سجد يعتبر رأس حربة للقوتين ويشرف على معظم الممرات والاودية اضافة الى حصانته الطبيعية فقد حصنته اسرائيل باجهزة رادار كاشفة للافراد ومع ذلك فقد كان عرضة لهجمات المقاومة اللبنانية التي تكللت بالنجاح مما طرح اسئلة كبيرة حول الوضع الاسرائيلي في لبنان وتشابكه مع الاوضاع الاقليمية المختلفة وخاصة ان هذا الانسحاب كان الثاني من نوعه خلال اسابيع ثلاثة حينما انسحب الجيش الجنوبي من كفر صونا المجاورة لجزين اضافة الى القتلى الاسرائيليين على ايدي رجال المقاومة والذي بلغ عددهم خلال الشهر الماضي اربعة قتلى وعميلهم الرجل الثاني في ميليشيا الجنوبي عقل هاشم مع 258 عملية للمقاومة اللبنانية. كل ذلك اربك وقبل كل شيء الحكومة الاسرائيلية بزعامة باراك الذي وعد وتوعد اثناء الانتخابات الاخيرة ليحصل على اصواته من خلال لغة الامن التي فرشها امام ارجل منتخبيه مركزا على ثلاث قضايا تشغل الشارع الاسرائيلي وهي الخروج من لبنان في يوليو من العام الحالي وباتفاق اسرائيلي لبناني واستئناف المفاوضات مع سوريا واتمام المراحل النهائية والاتفاق الكامل مع الفلسطينيين وكل ذلك كما وعد باراك سيكون برؤية اسرائيلية فهل كانت الاشهر السبعة التي عاشها في رئاسة الوزراء تنفذ ما وعد به, ام انها كانت كارثة سياسية على رجل خبر العسكر اكثر من السياسة؟! الواقع ان الوعد فيما يخص لبنان قد وضع اسرائيل امام حتمية صراعية لم تتوقعها فالضربات الاخيرة لحزب الله جعلت الحكومة الاسرائيلية والشارع الاسرائيلي في صراع داخلي ضمن الحكومة ومع الشارع بل ان الصراع امتد حول توقف المباحثات السورية الاسرائيلية وفشلها مع الجانب الفلسطيني مما زاد الحبل تضيقا حول رقبة باراك وجعله يقف حائرا امام ضرب البنى التحتية للبنان ولعله تذكر بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء السابق حينما هاجم البنى التحتية اللبنانية فكانت نهايته السياسية ولكن هل تذكر ان (تفاهم نيسان) يحظر على اسرائيل ان تهاجم اهدافا مدنية واهداف البنية التحتية وهو الذي كان وزيرا للدفاع اثناء عقد الاتفاق؟! وفي الحالتين فان اسرائيل لم تتوان يوما وتقف متفرجة امام هجمات المقاومة اللبنانية مع تناسيها الدائم لكل الاتفاقات حتى الدولية منها فهل ينتظر لبنان الرد الاسرائيلي؟ من هنا تتضارب الرؤية الاسرائيلية حول الرد وشكله وزمانه ومكانه وخاصة ان اسرائيل تعاني من ضعف معلوماتي عن حزب الله والمقاومة اللبنانية كونها لم تفلح في جاسوسيتها التي باتت مكشوفة في الآونة الاخيرة امام تحصين المقاومة منها مما يدفع اسرائيل للتريث وضبط النفس امام الاسراع في ضرب البنى التحتية ما دامت غير قادرة على ضرب حزب الله والمقاومة اللبنانية ضربة مؤثرة او حتى استعراضية ترضي الشارع الاسرائيلي قبل سلطته التي ارتبكت بآرائها حول الرد على الهجمات فرئيس الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز يدعوا الى رد عنيف وسريع وحاسم ضد حزب الله اما نائب وزير الدفاع افرايم سنية فيضطر للقول: (ليس في نيتنا الهرب من جنوب لبنان, ففي الشرق الاوسط الضعيف يداس وكل من يهرب يلاحقونه, وحزب الله سيواصل تنفيذ العمليات ضدنا حتى ان لم يتواجد اي جندي على ارض لبنان اما الميليشيا المتعاملة مع اسرائيل فباتت تطرح على نفسها سؤالا جديا بل لعله اصبح موضوعيا وهو (ما الذي نفعله الآن الى جانب اسرائيل وهي ستنسحب من لبنان في يوليو المقبل) وبالمقابل فلم تجد اسرائيل سوى تهدئة ميليشيا انطوان لحد وخاصة بعد مقتل عقل هاشم الرقم الثاني في الميليشيا التي باتت تتخوف من ان يطال البلل ذقنها المأجورة من قبل المستأجر نفسه وان كان باراك قد توعد حزب الله بالانتقام للميليشيا الجنوبية رغم عدم استجابته الحالية والسريعة للانتقام ولكن هذا الأمر يفتح أمام باراك احتمالات جديدة يفكر بها بعد فشله لعلها تعنش شعبيته التي أخذت بالاضمحلال خاصة بعد فشله بالمفاوضات مع سوريا الأمر الذي يجعله يتريث في اعادة ترتيب أوراقه مضيفا إليها ورقة الرد في لبنان وكأنه وجد ما يهدد به رغم انه يعلم ان المقاومة في الجنوب مسألة داخلية لبنانية لا يمكن بحثها مع سوريا لا في شيبردزتاون سابقا ولا في غيرها ان عادت المفاوضات السورية الاسرائيلية للاحياء من جديد, وبالمقابل فإن الأوساط الاسرائيلية ترى انه إن لم يكن هناك علاقة بين استئناف المفاوضات على المسار السوري ووقف اطلاق النار في الجنوب اللبناني بشكل ربطي فيجب على الجيش الاسرائيلي الانسحاب من الجنوب فورا غير منتظرين وعد باراك بحلول يوليو الذي قد يضاعف إلى ذلك التاريخ أعداد القتلى الاسرائيليين. وهنا تبدو لعبة المقامرة التي يقودها رئيس الوزراء الاسرائيلي لعبة ضعيفة تحاول تجميع الأوراق الرابحة كي يتمكن من المناورة خارج حدود المناورة الحقيقية فبات يختلق أشكالا واهية محاولا من خلالها الايفاء بوعوده التي لم تمطر حتى الآن قطرة ماء لتروي شوكها المتهالك والمدعوم من الولايات المتحدة الراعية لعملية السلام والتي ترى الحاجة الحيوية لاستئناف المفاوضات وخاصة أمام تدهور الوضع في الجنوب اللبناني مما قد يؤدي إلى تدهور اضافي إلى تدمير العملية السلمية برمتها خاصة ان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون سيغادر الرئاسة قريبا وان ايهود باراك مازال مؤمنا بجدوله الزمني للتوصل مع سوريا ولبنان إلى اتفاق قريب جدا لا يتجاوز منتصف العام الحالي. وأمام ذلك فإن عجز الدولة العبرية في الرد على المقاومة اللبنانية من جهة وفشلها في استمرار المفاوضات مع سوريا وعدم توصلها إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية من جهة اخرى جعلها تبحث عن مخرج آخر, تجلى هذه المرة بشكل مبطن في تلميحات اسرائيلية لترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل وهي التي لم تظهر موقفا واضحا من ترسيمه سابقا بل لعلها كانت تنتظر المفاوضات المقبلة لتقدم كعادتها ما تراه مناسبا لأمنها ولاقتصادها ولمياهها مما دعا رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص إلى الطلب من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان التدخل لوقف عمليات الضم واعادة تخطيط الحدود التي تقوم بها اسرائيل حاليا. ويبرز هنا السؤال الملح: لماذا بدأت اسرائيل في مسحها الطبوغرافي لترسيخ الحدود في هذه المرحلة بالذات؟ لاشك ان اسرائيل تسعى هنا الى هدفين رئيسيين الاول انقاذ حكومة باراك من الفراغ مما قد يرضي جيش لبنان الجنوبي الذي بدأ يشعر بغيابه به السياسي والعسكري عن الساحة مع تعاظم خسائر البشرية الكبيرة. والمعروف ان لبنان يطالب بتنفيذ القرار 425 الذي ينص على الانسحاب الى الحدود الدولية علما ان الحدود الدولية اقرتها عصبة الامم المتحدة التي استندت الى صك الانتداب الفرنسي البريطاني عام 1920 والمعدل باتفاق (بوليه ـ نيوكامب) عام 1922 وبموجبه ضمت القرى السبع وهي (تربيخا وصلحا والمالكية وقدس والنبي يوسع وهونين وابل قمح) والحقت بفلسطين المنتدب عليها من قبل بريطانيا وهذه القرى تتبع اداريا قضاء صور حتى عام 1926 اضافة الى 26 قرية في الجليل كانت تحت سيطرة الانتداب البريطاني في حين انه وحتى عام 1917 لم يكن هناك حدود بين سوريا ولبنان وفلسطين وان كانت بعض الولايات تتواحد على الساحة الادراية لكنها لم تكن متواجدة سياسيا فجميعها يتبع الوالي الكبير في دمشق ومثال ذلك ولاية بيروت كانت تتجه شمالا الى اللاذقية السورية وجنوبا الى شمال الساحل الفلسطيني وصيدا اللبنانية تضم احيانا مدينتي صفد ونابلس الفلسطينيتين وعكا الفلسطينية تضم مرجعيون وبلاد بشار اللبنانيتين وكان الاحتلال الوقعي لهذه القرى عام 1947ـ 1948 وجاءت اتفاقية الهدنة عام 1949 وبقي اهل هذه القرى لاجئين فلسطينيين الى ان منح 15 الفا منهم الجنسية اللبنانية وفي زمن الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي منح تسعة الاف الجنسية اللبنانية بعد عام 1993ر وبالعودة الى القرار 425 نجد ان القرى السبع مع الست والعشرين خارج الحدود اللبنانية وبذلك يكون ترسيم الحدود والذي اعلنت عنه اسرائيل مؤخرا بمثابة الفتيل الذي سيشغل الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني اللذين لايزالان مصران على هذه القرى بانتظار المفاوضات التي يرونها بعد الانسحاب الاسرائيلي استنادا الى القرار 425 وهنا مكمن المناورة الاسرائيلية الجديدة الخارجة عن التنامي السياسي الطبيعي لما يحصل ويجري الان على الساحة السياسية فاسرائيل تريد ضرب الايقاع اللبناني الذي بدأ ينسجم في المرحلة الاخيرة وخاصة ان الحكومة اللبنانية تشجع المقاومة وتثني على انتصاراتها فهل محاولة ترسيم الحدود هي محاولة لضرب الهارموني الحالي في لبنان ام انها تريد تنازلات من الحكومة اللبنانية والمقاومة اللبنانية معا مقابل توقفها عن ترسيم الحدود ام انها تخطط لضربة محتملة عسكريا بعد ضرب البنية السياسية اللبنانية؟ ما يمكن ان يقال في هذه الحالة ان لبنان اصبح يعي تماما اساليب اسرائيل ولم يقع سابقا في فخ الانسحاب المتزامن مع تحرير (ارنون) بل تجاوز الفخ المحكم الذي نصبته اسرائيل وسيتجاوز الان ما ترمي اليه حكومة ايهود باراك التي لم تستطع تنفيذ التزامات رئيسها المخططة ببرنامج زمني وضعه لنفسه وبدأ بمحيه بنفسه ايضا وكما يقولون (يذوب الثلج ويظهر المرج) فان باراك الذي وصل إلى رئاسة الوزراء بات ضعيفا مرهقا وهو الذي انتعل حذاءه العسكري طوال حياته, فخارجيا حاصر نفسه بالالتزامات لم يستطع ولن يستطع القيام بها اذا بقيت وتيرته السياسية سائرة ضمن خط السبعة اشهر المنصرمة وداخليا اتهم حزبه (اسرائيل واحدة) بالغش في تمويل حملته الانتخابية اضافة إلى انه يحيط نفسه بالعسكريين والمتدينين وهو من يدعي اليسارية مما جعل شعبية قراراته تتقلص وتزداد معارضته الداخلية يوما بعد يوم متنامية على حساب اخطائه وفشله المتسارع على جميع الاتجاهات وامام ما حصل مؤخرا في الجنوب اللبناني فان خطوته العسكرية باتت تضطرب وبدلا من المشية المنتظمة بات يرقص على الجمر الذي سيطال قمة رأسه ان لم يغير رؤيته بالقضايا الداخلية والخارجية معا فهل سيتعجل في احراقه واحراق أوراقه المكشوفة ام انه سيخمد النار متنازلا عن لعبة الشطرنج الخاسرة امام ما نراه. كاتب وصحفي فلسطيني يقيم بدمشق