في المرات السابقة التي زارت فيها بعثة الاهرام بلدا من البلدان كانت العادة ان يكون رئيس الدولة هو آخر من نلتقي بهم بعد ان يكون الموعد معه غير محدد الى آخر لحظة ولكننا هذه المرة وعند زيارة الأردن كان الأمر مختلفا تماما, فعند وصولنا الى عمان مساء السبت الخامس من فبراير , علمنا ان اللقاء مع الملك عبدالله الثاني قد تحدد في صباح اليوم التالي في الساعة الحادية عشرة, بعد مقابلة رئيس الوزراء عبدالرؤوف الروابدة في الساعة التاسعة, وقبل لقاء مع الملكة رانيا في الساعة الثانية عشرة ظهرا. وهكذا بات علينا ان نكون أشبه بجنود المظلات الذين يتعين عليهم بعد الهبوط من الطائرات بمظلاتهم ان يبدأوا الجري فور ملامستهم الأرض! وفي هذه العجلة حملتنا السيارات عبر المسافة القصيرة بين مقر مجلس الوزراء والديوان الملكي حيث المقر الرسمي للملك. كان اللقاء المبكر مفهوما على ضوء البرنامج المزدحم للملك الرابع على عرش المملكة الأردنية الهاشمية, فقد كان في انتظاره اجتماع بعد ساعتين مع ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي, خرج منه ليرأس جلسة لمجلس الوزراء في مساء اليوم نفسه, وفي اليوم التالي مباشرة كان عليه القيام برحلة الى البحرين لمدة ثلاثة أيام, ولكنه كان حريصا رغم المشاغل على اتمام المقابلة مع (الاهرام) في أول لقاء له مع صحيفة مصرية, وبينما كنا في الانتظار كانت صحف الصباح تحمل لنا قضايا الاهتمام الأردنية, وكان واضحا ان عملية السلام العربية ـ الاسرائيلية تفرض نفسها كعادتها على اهتمامات البلد الشقيق, وفي مقابل الأصداء الايجابية التي أثارها الاجتماع الذي كان يجري في اليوم نفسه في القاهرة للجنة النازحين في حضور وزراء خارجية مصر, الأردن, اسرائيل ووزير التعاون الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية.. كانت هناك علامات منذرة بالنسبة للعملية السلمية كلها, ترتبت عليها تحذيرات فلسطينية (جادة) من انهيار السلام أو عبثية المفاوضات, كما جاء على لسان أبوعمار عقب لقائه مع الرئيس مبارك في القاهرة في أول الاسبوع الحالي. غير ان أكثر ما كان يغلف اللقاء كله هو اجواء الذكرى الأولى لرحيل الملك حسين الذي قاد سفينة المملكة وسط أنواء وعواصف عاتية على مدى ستة وأربعين عاما أرسى خلالها أسس مسار الأردن الحديث, وكان معنى ذلك أيضا ان الملك عبدالله الثاني وجد نفسه مطالبا بأن يكمل المسيرة ويعبر بالمملكة الى القرن الحادي والعشرين خلال عامه الأول في الحكم, حاملا معه آمال وطموحات أجيال شابة جديدة تمتد بطول الوطن العربي وعرضه. وقبل ان نلتقي به مباشرة كان الملك قد اطلق أكثر من رسالة في اكثر من اتجاه طارحا للتفكير رؤى مختلفة ومثيرة للتأمل حول التحديات التي يواجهها الأردن على أعتاب قرن جديد: * ففي الخطاب الذي ألقاه أمام منتدى (دافوس) ثم في سلسلة لقاءات اعلامية اخرى اكد الملك عبدالله انه قد آن الأوان لانتهاز الفرصة التاريخية التي يتيحها تحقيق السلام في الشرق الأوسط, وتحويل أولويات المنطقة لتركز على التنمية والتطور الاقتصادي, مسلما بأن السياسة تأتي تالية في ترتيب الأولويات على جداول أعمال العالم في ضوء الواقع الاقتصادي الذي يعيشه العالم اليوم. * إن الملك قد طرح تحديدا ما أسماه نموذج (الهلال الخصيب) كصيغة لتنظيم علاقات الأردن مع دول الجوار في مرحلة ما بعد التسوية. * قال الملك أيضا ان مهمة الجيل الجديد من القادة في الشرق الأوسط هي تحويل التسويات السلمية الى واقع دائم من العدالة والأمن والأمل في مستقبل أفضل لشعوب المنطقة في ظل نظام العولمة الجديد الذي شدد الملك على ضرورة ان تعود فوائده على الجميع. * وفي لقاءات أسبوع الاحتفال بذكرى توليه الحكم وبمناسبة عيد ميلاده الثامن والثلاثين, أعلن الملك الشاب موقفه من الديمقراطية وآفاق حدود الحرية في الأردن, وقال انه حريص ان يكون المجتمع شفافا, فليس هناك ما نخفيه أو نخاف منه, ولكنه ربط الحرية بالنضج, وقال: ان المساس بالوحدة الوطنية خط أحمر لا يمكن التسامح معه, متحفظا على ما وصفه بالممارسات الصحفية التي تؤلب عناصر المجتمع ضد بعضها البعض. كان ذلك كله يدور في أذهان بعثة (الاهرام) وهي تقطع الممر الطويل المفضي الى قاعة اللقاء مع الملك عبدالله الثاني التي وقف على أبوابها حرس القصر بزيه الشركسي المميز, وبدأ الحوار: * نتابع في مصر بإعجاب الزيارات المفاجئة التي تقومون بها للتعرف على مطالب الشعب الأردني, وهذا يدفعنا للتساؤل عن الأولويات والمصاعب الحقيقة لتجربتكم في الحكم للعام الأول؟ ـ تعرفون انني أمضيت معظم حياتي في صفوف الجيش, وعلى مدى عشرين عاما خدمت خلالها في القوات المسلحة, كنت أتجول كثيرا في البلد بدون حراسة, وهذا كان يعطيني فكرة جيدة عن أحوال الناس ومشكلاتهم. الوضع الآن بات مختلفا, فاعتبارات المراسم والتغير في المسئولية قد تجعل الناس يحجمون عن التحدث بصراحة عن الصورة الفعلية والحقيقية لأوضاعهم, أما عن زياراتي الميدانية المفاجئة فإن هدفها هو التعرف المباشر على احوال المواطنين ومشاكلهم بحجمها الحقيقي, وإحدى أولوياتي هي ان أعرف نبض الشارع وأبقى على اتصال مباشر معه, وأعتقد ان المشكلة تتركز في ان اجهزة الحكومة قد اعتادت على أسلوب معين في العمل, ومن ثم فإن واجب أي موظف هو خدمة المواطنين وليس العكس, وأقول انه اذا كنا نريد تطوير البلد فعلينا ان نطور الاسلوب والافكار التي نواجه بها المشاكل, لأن رفع مستوى الاداء الاداري يساعدنا بالتأكيد على تطور الوضع الاقتصادي, وكما تعرفون فإن لدينا بطالة كبيرة وحجم ديون مرتفعا للغاية بالنسبة للأردن وتضخم في الدوائر الحكومية مع امكانات محدودة, كل ذلك قد يجعلنا ندور في حلقة مفرغة, وهو ما يتطلب منا عملا أكثر وجهدا مضاعفا لاستكشاف أي امكانات لفتح الأبواب الجديدة للرزق, وقد أكدت زياراتي المتكررة على انه ما زالت هناك مشاكل على أرض الوقاع, فضلا عن انها تفتح الباب لثقة الشعب وتساعدنا على ان نعرف أكثر, وان نضع الحلول الواقعية للمشاكل المختلفة. * التقيتم مع ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي, فإلى أي مدى وصل الأردن في مسعاه للقيام بدور الوساطة لتحريك المفاوضات المتعثرة على المسارات المختلفة؟ ـ إن أهم شيء بالنسبة لنا في الأردن هو دفع التسوية على المسار الفلسطيني, ونحن نحاول اقناع الاسرائيليين بالاسراع في المفاوضات على هذا المسار وحل المشكلات التي تعترضه, وبالنسبة للمسار السوري ـ الاسرائيلي فنحن في الأردن نحاول ان نقدم الأفكار التي يمكن ان تقرب بين الجانبين. * هل هناك ما يمكن تسميته بخطاب موحد أردني ـ فلسطيني بشأن قضايا التفاوض, وهل لديكم يقين بأن عملية السلام سوف تنجح أم اننا أمام احتمال ضياع هذه الفرصة التاريخية كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟ ـ أعتقد انه لا يوجد أي بديل سوى العمل على حل المشاكل التي تعترض عملية التفاوض فلا يوجد هناك طريق آخر, ونحن ندرك ان هناك عقبات كثيرة أمام كل الأطراف, ونعرف انه ليس من السهل ان تحل جميع المشاكل بسرعة, كما اننا نرى انه لا مبرر للخشية من تعارض المسارات. وأحد اهدافنا هو ان نثير حماس الشعب الاسرائيلي للسلام, ففي هذا مصلحة كبيرة للجميع, واعتقد ان باراك نفسه واع بهذه الامور, وكما تعرفون فإن الشارع السياسي في اسرائيل ايضا حافل بالتعقيدات التي يجب اخذها في الاعتبار. * لكن الاسرائيليين لم ينفذوا أغلب الاتفاقيات التي تم توقيعها مع الجانب الفلسطيني؟ ـ هذا ايضا سبب ضروري جدا للاتصال مع باراك لابلاغه اهمية تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت مع الفلسطينيين وضرورة الالتزام بالمضي قدما في المسار الفلسطيني, وأخشى كثيرا من الآثار السلبية التي يمكن ان تترتب على استمراره في طريقته الحالية في التفاوض مع الأطراف العربية, وفيما يتعلق بالمسار السوري للتفاوض فإني اعتقد انه بالامكان الوصول الى نتائج ايجابية خلال عام أو اكثر قليلا. * أكدتم مؤخرا انه لا يوجد فارق بين الأردنيين والفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن وان جميعهم مواطنون, ما هو تقويمكم للرؤى المختلفة المطروحة فيما يتعلق بقضية التوطين؟ ـ ليس هناك في قاموسي من حيث المبدأ شيء اسمه توطين, لأن هذا الطرح سيؤدي الى تشويش كبير. ان هدفنا الآن هو ان تقوم الدولة الفلسطينية, وبعد ذلك يمكن ان نرى ماذا يريد الاشقاء في الدولة الفلسطينية كونفيدرالية أو أية صيغة أخرى ونترك لهم ان يفكروا ويقرروا ما يريدون. وأعتقد ان تعبير التوطين مقصود به التشويش على المسيرة السياسية, وهذا غير مقبول. (عند هذه النقطة من الحوار تدخل د. فايز الطراونة رئيس الديوان الملكي الأردني بتعقيب قال فيه: اننا في الأردن ندعم حق العودة وحق التعويض للفلسطينيين ونريد تثبيتها. وكما تعلمون فإن الفلسطينيين في الأردن من الناحية الدستورية هم مواطنون أردنيون, ولكن هذه المواطنة لا تمنع أبدا حقهم في العودة والتعويض معا. وتعرفون أيضا ان القضية في لبنان مثلا مختلفة عن وضعها في الأردن. وما نود التأكيد عليه هو ان حل قضية اللاجئين لن يكون أبدا على حساب الأردن. فهناك قرارات دولية تنظم هذا الحل كالقرارين 194 و242, ونحن نتمسك بهما). * في هذا السياق هل هناك أي مقترحات أردنية محددة بشأن القضايا النهائية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي؟ ـ لدينا بالتأكيد مواقفنا, ونحن على اتصال مع الجانب الفلسطيني بشأن هذه القضايا النهائية, وان كنت لا أحب الدخول في التفاصيل حتى لا تثار حساسيات معينة, خاصة وان الامور كلها في طور التفاوض. * تردد انكم حملتم رسالة من بغداد الى واشنطن, فما هي حقيقة الأمر؟ وكيف ترون الحالة العراقية الآن؟ وهل تبقون على قنوات الاتصال مع الرئيس صدام حسين؟ ـ لا توجد أي اتصالات مع الجانب العراقي الا ما يتصل بعلاقتنا الثنائية, وما تردد عن قصة الرسالة العراقية الى واشنطن, لم يكن له اي اساس, ولا اعرف من أين اتت هذه القصة, فلم اقم بنقل اي رسائل, وربما يكون قد حدث خلط أو لبس. فقبل زيارتي الأخيرة الى واشنطن جاء الينا طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي حاملا رسالة حول العلاقات الثنائية بين الأردن والعراق وليس أي شيء آخر. وربما حدث هذا الخلط من هذا اللقاء الذي سبق زيارتي للولايات المتحدة. * كيف تنظرون الى موقع الأردن ما بعد التسوية؟ وما معنى تصريحاتكم الأخيرة في دافوس عن (الهلال الخصيب) كصيغة لتنظيم علاقات الأردن بدول الجوار؟ ـ أعتقد ان المستقبل يفرض علينا ترتيب امورنا, وخلال عام أو عامين سوف تتضح الصورة بالنسبة للتسوية, وأعتقد ان الخير يكمن في التعاون الاقليمي, والبداية تتطلب ترتيب أمورنا في الداخل وان نحسن أداءنا والتركيز على حل مشاكلنا وتجاوز العقبات الاقتصادية, وخلال عامين سيكون لنا دور أكبر بالتعاون مع دول المنطقة. وفي دافوس كنت أحاول اقناع الحاضرين هناك بأن يستثمروا في منطقتنا وليس في الأردن فقط. وأتصور ان صيغة الهلال الخصيب هي احدى الأفكار الخاصة بدفع التعاون الاقتصادي الاقليمي, ويمكن ان يبدأ الأمر بتعاون مشترك بين دولتين كمصر والأردن ثم يتبع توسيع الأمر ليضم دولا اخرى مثل السعودية وليبيا وغيرهما. ان احدى أفكارنا هو ان يكون هناك توطين الاستثمارات في المنطقة ككل. فهذه احدى صيغ التعاون الاقليمي. ولنأخذ مثال الاستثمار في الاليكترونيات, فهي بالنسبة لنا في الأردن اهم شيء. وكما تعرفون فإن هذا النوع من العمل والاستثمار موجود في اماكن كثيرة, فهي في مصر والامارات وغيرهما, وذلك يتيح فرص عمل تكفي الجميع وليس فقط الأردن. ومن جانبنا فنحن نعمل على توفير وتحسين البنية التحتية في الأردن لكي تستقبل مثل هذه الاستثمارات, خاصة ونحن لدينا الكفاءات البشرية. ونحن نرى ان التعاون في المستقبل يتطلب تخفيف الحواجز والحدود بين الشعوب العربية وبعضها. * تحدثتم عن دور لجيل جديد من القادة الشباب في المنطقة, فما الذي يمكن ان يحدثه هذا التطور؟ ـ يجب ان نكون واعين بظروف وطموحات الجيل الجديد من الشباب في الوطن العربي. وفي الأردن مثلا فإن 60% من تعداد الشعب أصغر مني عمرا, ولهم تفكير مختلف وواجبنا ان نقف على مشاكلهم وهمومهم ونحاول ان نكسبهم وعلى امتداد الوطن العربي هناك ما اسميه الآن جيل الـ (ام.تي.في) الذي تهزه نفس الموسيقى وتجمعه نفس الاهتمامات واذا أردنا ان نحقق نجاحا في المستقبل فإنه علينا ان نكون على نفس موجتهم. وفيما يتعلق بالجيل الجديد من القيادات الشابة فهناك بالتأكيد تقارب في الرؤى بيننا, وفي القدرة على فهم متطلبات الشباب وأحلامه, ولكن خشيتي كبيرة على المستقبل اذا لم ندرك بشكل كاف مشاكل الجيل الجديد في الشارع العربي. * وما موقفكم من (العولمة) وما الترتيبات التي ترونها لازمة للحاق بالاقتصاد العالمي؟ ـ نحن نرى انه لا مبرر للخوف من العولمة, ولكن على كل دولة ان تجد لنفسها صيغة للتعامل مع متغيرات العولمة, فالعالم يسير في اتجاه جديد وفوائده يجب ان تعود على الجميع. ومن المهم جدا ادراك طبيعة التغيير والعمل على اعداد الجيل الجديد للأخذ بأدوات المعرفة. و ربما تكون السوق العربية المشتركة هي احدى الأدوات التي تساعدنا على مواجهات تحديات العولمة في المستقبل والاندماج في الاقتصاد العالمي. * كيف تنظرون الى العلاقات المصرية ـ الأردنية حاضرها ومستقبلها؟ ـ الحمد لله ان علاقتنا طيبة على كل المستويات. وبالنسبة لي شخصيا تجمعني علاقات ممتازة مع الرئيس مبارك, وتعود الى فترة مبكرة في الثمانينيات. ودائما ما نتبادل الأفكار والآراء في اتصالاتنا المتبادلة. فهو أخ عزيز وأستفيد كثيرا من نصائحه ومشورته وأنتهز كل فرصة لألتقي به على المستوى الرسمي والعائلي. كما أتابع قصص النجاح الاقتصادي في مصر والأفكار المطروحة فيها للتطوير والاصلاح وأحرص على الاستفادة منها. ونحن نرى ان التعاون الاقتصادي بيننا مهم جدا للأردن وللمنطقة كلها. وانه يجب ان يكون هناك ربط اقتصادي يساعد الدول العربية على التكامل معا. وما دامت هناك صناعة جيدة في بلد عربي فلم لا تستورد منها الدول العربية الأخرى بدلا من ان تلجأ الى الاستيراد من دول أجنبية؟ فهناك مثلا انتاج مصري متطور من السيارات التي يمكن لأردنيين شراؤها. وبالامكان ان تقوم صناعة مشتركة بين البلدين, بالتعاون في انتاج مكونات صناعة معينة في الأردن لتتكامل مع مكونات اخرى يتم تصنيعها في مصر. وقد أثرنا مع الرئيس مبارك فكرة ارسال فريق اقتصادي في المستقبل لدراسة هذا النموذج للتعاون بين بلدينا سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى القطاع الخاص المصري والأردني. أجرى الحوار في عمان: إبراهيم نافع