في الحلقة الاخيرة من حديثه لـ (البيان) يواصل وزير الخارجية اللبناني فارس بويز قصته مع الدبلوماسية خلال السنوات التسع التي قضاها في المنصب فيؤكد انه نجح في استعادة كرامة لبنان وسمعته امام العالم بعد سنوات الحرب. ويقول بويز: ان الدبلوماسية اللبنانية تعيش في الوقت الحاضر ادق المراحل منذ مؤتمر فرساي, واتفاقية (سايكس ـ بيكو) . ويرى ان عملية السلام اذا نجحت فلن تعيد رسم الحدود الجغرافية بل ستفرض حدودا جديدة على مستويات مختلفة غير جغرافية. نص الحوار: * ماهي برأيك الاولويات الاكثر الحاحا في هذه المرحلة؟ ـ هذه مرحلة استثنائية في تاريخ الدبلوماسية اللبنانية, يحتل فيها ملف السلام الموقع الاساسي من هموم الوطن, وهي في اعتقادي المرحلة الادق منذ التواريخ المفصلية في تاريخ منطقة الشرق الاوسط. ومن هذا المنطلق ارى ان عملية السلام بمعناها العريض, تحدد, ان حصلت وان لم تحصل, انعكاسات واضحة على كل المستويات سواء على المستوى الامني او السياسي او الاقتصادي والجغرافي والثقافي والمالي والمياه في هذه المنطقة. اعتقد ان هناك امتحانا كبيرا امام الدبلوماسية اللبنانية من المفترض ان تكون مهيأة ومجهزة لمواكبته لابل لمواجهته, انهي الامر بالقول انه ربما لو لم يكن للبنان سياسة خارجية خلال نصف القرن الحالي لما كان ذلك الامر, فعلا, بالغ الاهمية اما ان لاتكون للبنان سياسة خارجية, وحضور خارجي, ووعي وادراك على مستوى السياسة الخارجية في المرحلتين الحالية والمقبلة فان هذا يكون من اخطر الامور. * هل من ضمن تلك المرحلة الاستثنائية احتمال اعادة رسم خرائط في المنطقة, كما يتردد؟ ـ لا اعتقد ان الخريطة الجغرافية هي قيد الرسم, ولكن هناك خرائط كما سبق وقلت خريطة سياسية, اي صراع, عملية السلام لن تقتصر ان حصلت فقط على موضوع الحدود بين الدول بل ستأتي بمتغيرات جذرية على مستوى التعاطي بين الدول ولا اقول بين الدول العربية واسرائيل فقط, بل بين الدول العربية فيما بين بعضها البعض ايضا. انها ستتجه حتما اتجاه سياسة اقتصادية او لاتفاقات اقتصادية جديدة, ونحو اتفاقات حول الموارد, المائية مثلا, ونحو تغيير معالم الاقتصادات او الاقتصاد الداخلي في البلد والذي ربما سيتجه اكثر نحو التخصص. لذلك فان عملية السلام ليست فقط عملية رسم حدود, على قدر ماهي اولا, اتفاقات تحد من انتشار السلاح, وهذا ما يؤثر على موازنة الدول الداخلية, وعلى نهجها, وحجم جيوشها, وما اشبه ذلك. * هل يعني هذا القول ان السلام سيلغي الجيوش عند العرب؟ ـ لن يلغيها ولكن الامر سينعكس حتما بشكل او بآخر على حجم هذه الجيوش, وعلى تخصصها وموازناتها, وعلى كل ماتصرفه الدول عليها نتيجة الصراع القائم, وسيتبع ذلك ايضا طرح اقتصاد جديد في عدد من هذه الدول, هناك فارق بين اقتصاد الحرب واقتصاد السلام, وبين اقتصاد منغلق وآخر ينفتح بلا حدود. هذا الامر سيحدد ايضا تنافسية معينة في المنطقة, وهذه التنافسية الاقتصادية ستحدد اختصاصات حيث ستضطر كل دولة الى التوجه نحو اختصاص تعتبره يشكل عنصر قوة لاقتصادها. من هنا, شمولية المواضيع التي ستطرحها هذه العملية تحتم طبعا على دبلوماسية كل الدول, خاصة في لبنان باعتبار انه في قلب ذلك الصراع, ان تتعاطى مع الموضوع ضمن اتجاهات مختلفة, بان تكون ضليعة بالملف الجغرافي والملف الامني, والملف السياسي, والملف المائي, وملف اللاجئين, والملف الاقتصادي, والقانوني حيال حقوق لبنان مثلا في مايتعلق بالتعويضات والقرى السبع (اللبنانية التي ضمتها اسرائيل الى كيانها عام 1948) او مايرتبط باموال اللبنانيين في فلسطين او ما اشبه ذلك. املاك في فلسطين * هل من اموال للبنانيين في فلسطين؟ ـ طبعا, هناك املاك للبنانيين في فلسطين صودرت, منها املاك منذ المرحلة العثمانية وغيرها من الاملاك التي صودرت ولا يستطيع اصحابها ممارسة حقوقهم عليها بشكل او بآخر. * هل نقلت تلك الاملاك اللبنانية الى اطراف غير لبنانية؟ ـ بعضها نقلت وبعضها لاتزال ملكيتها باسم اصحابها اللبنانيين ولكن استثمارها يتم من قبل اسرائيل. * حيال مثل تلك الملفات (المهيبة) التي ذكرت هل ترى ان الدبلوماسية اللبنانية تتحوط لها وتتهيأ بالشكل المطلوب في الوقت الراهن, بما يمكن لبنان من مواجهتها بشكل قوي وسليم عندما تدق الساعة؟ ـ اريد ان اقول انه في الماضي كان هناك في الاساس تحضير لتلك الاستحقاقات وكانت تلك الملفات قد بلغت حدا متقدما. اما الآن, فلا ادري فعلا الى اي مدى هناك تحديد لتلك الملفات, ومواكبة للتطورات التي تنعكس على التحضير لهذه الملفات, والى اي مدى تلك المواضيع مضبوطة. * هل تعني عبارة (لا ادري) في الاجابة السابقة معالي الوزير, انك وبعد التسع سنوات الاخيرة كوزير للخارجية كانت تلك الملفات تنضج بسرعة خلالها لست الآن على علم بما يجري في الدبلوماسية اللبنانية, ولا رابط لك بها لامن قريب ولا من بعيد, وفق ايحاء كلامك؟ ـ هناك, حتما بعض الاسئلة وبعض الحوارات التي تدور حول موضوع السياسة الخارجية بيني وبين رئيس الجمهورية (العماد اميل لحود) عندما التقيه, او كذلك رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الدكتور سليم الحص, وهناك بعض السفراء الذين يزورونني, خاصة منهم من هو مكلف في هذه الملفات, ولكن لايمكنني ان اقول بانني, حاليا, في موقع المشاركة في صنع الملفات او في تحديثها وتطويرها. خارج السلطة * هل عدم مشاركتك في ذلك قرار سياسي حيالك؟ ـ ليس الامر بموضوع قرار سياسي, بقدر ما هو عدم وجودي حاليا في السلطة التنفيذية, اي ان هناك موقعا وصفة, يسمحان لي بالمشاركة ويفترضانها او لا يفترضانها فحاليا انا نائب في البرلمان اللبناني ولست وزيرا للخارجية ومن هنا انا لست مسئولا او مشاركا بالمعنى المطلق في هذا الموضوع. طبعا, كما قلت, من حين لآخر, عندما تطرح مواضيع اضع معرفتي وخبرتي بتصرف الدولة, عندما يطلب مني رأي ما, وذلك عبر لقاءاتي مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وبعض المسئولين الآخرين, ولايوجد اكثر من ذلك. * يعني تريد ان تقول (ولايوجد اكثر من ذلك والحمدلله) لانهم لايدعونك مشاركا اساسيا في صياغة الرؤية الدبلوماسية للمرحلة الدقيقة والمصيرية راهنا ومستقبلا؟ ـ لا اقصد ذلك, لكن ذلك هو الواقع. * انما لديك ارث دبلوماسي عمره تسع سنوات في التعاطي مع تلك الملفات سلمته الى الحكومة الحالية, وهذه الحكومة تشكو ليلا ونهارا من (الارث) او (التركة الثقيلة) التي ورثها من حكومات الرئيس رفيق الحريري, هل ما اورثته دبلوماسيا (ثقيل الظل) على هذه الحكومة حتى تبقى بعيدا عن تلك المشاركة الدبلوماسية المطلوبة حاليا؟ وزارة مدمرة ـ لنعد الى البدايات فعندما تسلمت وزارة الخارجية كان لبنان خارجا من حرب مدمرة, وكانت وزارة الخارجية مدمرة, ومنهوبة, ولا وثائق فيها, ولا معدات ولم يكن حتى المبنى يمكن من القيام بأي عمل, اتذكر انه في اليوم الاول الذي تسلمت فيه هذه الوزارة برفقة بعض السفراء كنا ندخل الى ما يشبه (الخربة) اذ جاز التعبير. واتذكر حادثة طريفة بعد ساعة من وصولي الى هناك في اليوم الاول, وفي التجوال في المبنى كي احاول ان ارى من اين يمكن ان ابدأ, توقفت سيارة دبلوماسية في باحة الوزارة ونزل منها شخص طلب ان يتكلم مع سكرتيرة الوزير, او مع مكتب الوزير, دون ان يعلم انه لم تكن هناك لا سكرتيرة ولا معاون, ولا مدير مكتب للوزير. فأتى الي مباشرة وقال لي بأن سفير بريطانيا يريد مقابلتي وبما انه ليس هناك خط هاتفي مع الوزارة ولا طريقة للاتصال, فقد اتى هو من قبل السفير, وتمنى ان نحدد له موعدا عاجلا. حاولت ان اكسب بعض الوقت كي نتمكن من تحضير غرفة على الاقل للاجتماعات, وبالفعل اعطيت السفير موعدا بعد ظهر اليوم نفسه. وتسنى لي ان ارسل بعض المعاونين الى منزلي وان آتي من هناك ببعض الكراسي, وما هو ضروري الى الوزارة. تتويج على حطام وعندما دخل السفير البريطاني كان المشهد اشبه بمشاهد افلام فيلليني او ربما لقصور هيتشكوك, حيث كان سقف الوزارة قد تعرض لاكثر من 12 قذيفة احدثت فيه فجوات, وكان الطقس باردا آنذاك في ديسمبر والطقس ممطر فأتذكر بأننا وضعنا كرسيين وطاولة ووضعنا سطلا (دلوا) لتلقي مياه الامطار من السقف, وجلست بكل وقار كوزير للخارجية. اتى السفير وببرودته الانجليزية لم يشعرني بأن هناك شيئا مفاجئا, فدخل الى قصر بسترس (مقر وزارة الخارجية) الخالي من اي شيء والمدمر .. وجلسنا حول الطاولة الوحيدة في الوزارة وكأننا في مشهد يحصل بعد تدمير هيروشيما او ناجازاكي. السفير (البردان) فجلسنا بكل جدية, وبدأ السفير يتكلم معي, وبعد اقل من ربع ساعة تقريبا شعرت بقدمي السفير ترتجفان من برودة الطقس فسألته عما يحصل, فقال حرفيا: (اعتذر معالي الوزير اذ انه للمرة الاولى في حياة الدبلوماسية البريطانية ان يتواجد سفير جلالة الملكة وهو (بردان) في هذا الجو من الرطوبة والصقيع والشتاء, ويأمل في ان يكون الموعد الثاني في مكان اكثر دفئا وراحة لكي يتمكن فعلا من بحث كل المواضيع التي سيختصرها اليوم) . * هل أمنت مكانا اكثر دفئا فيما بعد؟ بويز: تلك الواقعة تدل على مدى اهمية ماقمنا به من اعادة بناء وترميم لمبنى وزارة الخارجية واستعدنا ملفاتها ووثائقها. * اين كانت هذه الملفات والوثائق؟ ـ كانت مسروقة من قبل الميليشيات. * سرقت كلها؟ ـ سرق القسم الاكبر منها, واسترددناه. * والقسم الآخر المسروق هل استعادته الوزارة؟ ـ فقد ونعتبره في عداد المفقودين واتذكر انني اتصلت برئيس الميليشيات التي كانت مسيطرة في المنطقة وحولت الوزارة الى ثكنة خلال اكثر من سنة ونصف, فاعاد لي بعض ممتلكات الوزارة. وبدأنا من هنا فيما بعد بتجهيز الوزارة بشريا وعمليا, فعلى الصعيد البشري كان عدد كبير من السفراء لايعبر بعض المعابر, وكان لابد من اعادة تكوين الجهاز البشري للوزارة حيث كنا انذاك في مرحلة اجراء تشكيلات واتينا من الخارج بعدد من الدبلوماسيين الذين تولوا ادارات الوزارة وانطلقنا من هنا. على المستوى الخارجي, كان الامر اخطر, لان السفراء كانوا قد اعتادوا ان يديروا سفاراتهم كادارة مستقلة عن الادارة المركزية, فلم يعتادوا خلال سنوات عديدة (بسبب الحرب) ان يتلقوا تعليمات او اوامر من الادارة المركزية, وكانت اية برقية تصلهم تفاجئهم, او برقية غير متوقعة, واحيانا كانوا يعتبرونها كاهانة, لانهم لم يعتادوا خلال اكثر من عشر سنوات ان يتلقوا اي شيء. كانوا يتلقون التعليمات من رؤساء الاحزاب, والطوائف, وكان كل سفير صاحب (امارة) ممثلة لمقاطعة لبنانية. الجرد الكسرواني لذلك اعدنا مسلكية وانضباطا معينا واستعدنا صلة الوصل بين السفارات والادارة المركزية واقتضى منا هذا الامر معارك, لم نستعمل فيها دائما الاسلوب الدبلوماسي بل استعملنا احيانا اسلوب الجرد الكسرواني (الحاد والصارم) كي نتمكن من اعادة الانضباط الى الحركة الدبلوماسية. * مع من اصطدمت اكثر؟ ـ لا اريد ان اذكر اسماء, انما كان لابد منه. * يعني هل اصطدمت اكثر مع الميليشيات التي توجه السفراء؟ بويز: لا ليس مع الميليشيات بل مع السفراء في الحقيقة, اذ كان لابد من ان اتصرف بحزم في البداية مع بعض السفراء كي نرسل رسالة واضحة, وهذا ما حصل فعلا, واقتضى الامر صدامات كبيرة مع اربعة سفراء (رمزيين) اي بما يمثلون من ارتباطات معينة بمراجع محلية, كي تصل تلك الرسالة بوضوح الى الجميع. ثم كان الاصطدام طبعا مع القوى السياسية عند اجرائنا للتشكيلات اذ ان هذه القوى كانت معتادة عند كل التشكيلات على ان تتوزع المناصب, وتتدخل طائفيا ومذهبيا بموضوع التشكيلات وهذا اقتضى ايضا صدامات قاسية وكبيرة جدا في البداية حتى اقتنع البعض بعدم جدوى التدخل في هذا الموضوع. اتذكر في يوم من الايام ان احدى القوى السياسية اتتني عبر شخص بقائمة كاملة بكل ابناء المذهب, لا الطائفة, الذين يهمهم امر تعيينهم في التشكيلات. نظرت الى الورقة ومزقتها امام ناقلها وقلت له: كلما ابلغتم الدبلوماسيين الذين يهمكم امرهم انكم تدخلتم في هذا الامر فكن واثقا ان ايا منهم لن يحصل على اي مركز من المراكز المطروحة في التشكيلات اذا كان الامر سيتم بهذا الشكل وحتى لو كان صدفة, سيتم ذلك فان هذا الاتجاه يجب ان يتغير ويتوقف. لذلك اقول ان تصويب ذلك احتاج الى معارك على كل المستويات سواء على صعيد التشكيلات, او المهمات التي كنا نوكلها الى البعض, وعلى مستوى المواقع الجغرافية كان بعض السفهاء يرفضون الالتحاق بمراكزهم مستقوين ببعض الجهات السياسية فكان ردنا الفوري هو اما ابقاؤهم في الادارة المركزية, وهذا كان نوع من العقاب الى حد ما, دون توليهم لاي منصب في الخارج, واما احالتهم الى المجلس التأديبي داخل الوزارة. في جميع الاحوال, ذلك هو الارث, وسلمنا بعد تسع سنوات الى الحكومة الحالية وزارة خارجية قائمة, ولديها طاقات ومنضبطة, ولها حضور في كل انحاء العالم. * ماذا عن الارث البشري والادارة المركزية؟ بويز: عندما توليت الخارجية كانت هناك صعوبة لان هذه الوزارة كانت في غالب الاحيان بيد رؤساء الحكومات, فلم تكن موازنتها تستعمل, بل كان الاعتماد على موازنة رئاسة الحكومة. اساسا لم يكن هناك موازنة لوزارة الخارجية, كان اقل امر فيها يتوقف عن التنفيذ بسبب عدم وجود امكانيات مالية مرصودة, لكن خلال ثلاث او اربع سنوات تمكنت من تجهيز الوزارة بالتجهيزات اللازمة وتمكينها من القيام بأعمالها في الداخل والخارج عبر موازنة معقولة لا اقول ان هذه الموازنة وصلت الى حد الاكتفاء فيما يتعلق بالوزارة لكنها بلغت حد المعقول والمقبول. لكن قبل ان انهي الحديث في هذا الشق يحز في نفسي انني لم اتمكن لأسباب سياسية من استكمال مبنى وزارة الخارجية الجديد في بعبدا. يجب ان نقولها بصراحة ان قصر بسترس (المبنى الحالي والمؤقت للوزارة) له تاريخ وبعض الحسنات المعنوية, لكنه ليس مقرا عمليا لوزارة الخارجية, فهو صغير اولا حيث ان ادارات الوزارة موزعة بين ثلاثة او اربعة ابنية حوله ولا توجد فيه قاعات اجتماعات كبرى, ولا قاعات محاضرات, ولا اماكن للارشيف والوثائق , ولايمكن وضع برمجة كمبيوتر في داخله تكون مترابطة. فمن هنا, هناك مبنى لوزارة الخارجية في بعبدا قرب القصر الجمهوري غير مكتمل بعد, وهو مخصص لها ومصمم كي يكون مقرا لها, ويتضمن قاعات محاضرات تسمح مثلا, بجمع كل السفراء وتوجيههم توجيها شاملا, وبداخله طوابق مخصصة ومعزولة للارشيف الذي يتم استهلاكه حاليا, وهناك حتى مقرات للطوارىء بالمقر الجديد في ظروف الحرب للوزير والامين العام وبعض الموظفين الاساسيين, وهناك قاعة استقبال للوفود الاجنبية. علينا ان نقول انه كلما كنا نستقبل وفدا اجنبيا وكنتم تنظرون الى صورنا معه عبر شاشة التلفزيون مثلا, كنتم تعتقدون ان هذه القاعة التي تروننا فيها هي في الحقيقة مكتب لخمسة اشخاص. كنا كلما يأتينا وفد اجنبي نخرج الموظفين وندخل اليها بعض الطاولات ونضع عليها شرشفا . ونوحي بأنها قاعة اجتماعات رسمية تجمع بين وفدين. * ماذا بشأن الارث الدبلوماسي الذي اودعتموه الحكومة الحالية على المستوى السياسي؟ ـ اعتقد انني عندما تسلمت وزارة الخارجية كان عدد البعثات الدبلوماسية الاجنبية في لبنان قد هبط الى درجة سبع او ثماني بعثات, ولكننا وتدريجيا تمكنا من استعادة البعثات التي اصبح عددها الآن مابين 47 الى 50 بعثة. ثم استعدنا موقع لبنان كموقع للهيئات والمنظمات الدولية والاقليمية. وقد نجحت بعد معارك طويلة من استعادة (الاسكوا) الى بيروت بعد غياب طويل عنها, كذلك عادت اليها مكاتب مختلفة للامم المتحدة, ومكاتب اقليمية مثل مركز اتحاد المصارف العربية وغيرها الكثير من المنظمات والهيئات الدولية التي اما انها كانت غائبة عن لبنان اساسا, او انها اضطرت الى مغادرته بسبب الحرب. معارك المحافل الدولية ومن اجل ذلك كان لابد من خوض معارك في المحافل الدولية وهذا ماحصل والواضح اننا نجحنا فيه من خلال النتائج الملموسة والظاهرة امام الجميع. على المستوى السياسي كانت الدبلوماسية اللبنانية غيبت من الحضور على الصعيد الخارجي, لذلك, اعتقد انني قمت خلال فترتي كوزير للخارجية, بما لا يقل عن 45 زيارة رسمية للعديد من دول العالم, وشاركت بما لايقل عن حوالي 27 مؤتمرا دوليا, منها مؤتمرات تاريخية واخرى تخص السلام (برشلونة, مالطا), وحول الحوار الاوروبي, ومؤتمر ريودي جينيرو والمؤتمرات الاسلامية وغيرها. وقد عاد الحضور اللبناني الخارجي بذلك فاعلا وموجودا في تلك المؤتمرات اكثر من اي وقت مضى اضافة الى ذلك اعدنا تشكيل بعثاتنا في الخارج والتي كانت ايضا في حالة شبه تغييب اثناء الاحداث. واكثر من ذلك, اسست 12 بعثة دبلوماسية جديدة في مناطق لم نكن متواجدين فيها اطلاقا. وعادت لسفارتنا فاعلية كبيرة على كل المستويات واهمها المستوى السياسي اذ ان السياسة الخارجية عبر التاريخ كانت مبررا للوحدة الوطنية الحقيقة. كانت السياسة الخارجية هي التي تفجر لبنان او هي التي تعيد توحيده. اذا اخذنا احداث 1975 وما بعد ذلك, فالامر لم يكن صحيحا ان الخلافات كانت بين مسيحيين ومسلمين, اذ ان الكل يعلم ان المشكلة كانت خارجيا, كان في الخيارات الخارجية, انفجرت على المستوى الداخلي. واذا اخذنا احداث 1958 في لبنان فانه لم يكن صحيحا انها كانت في بيروت بين منطقة البسطا (حيث المسلمون) ومنطقة الجميزة المقابلة (المسيحيون), بقدر ماكانت انذاك بين (حلف بغداد) وبين اعداء هذا الحلف. حتى اذا اخذنا احداث 1860 في القرن الماضي, لم تكن بين الدروز والمسيحين بقدر ماكانت بين الامبراطورية العثمانية والحلفاء آنذاك. من هنا استطيع ان اقول بانني اورثت سياسة خارجية موحدة (بتشديد وكسر الحاء) اي سياسة خارجية قبلها اللبنانيون واجمعوا عليها, ولم نسمع انتقادا حول جوهرها. واعتقد بأنني تمكنت من ارساء قواعد, على مستوى عملية السلام, على صعيد الخارج, واسس تفاهم مع سوريا مقبول من اللبنانيين, خاصة على صعيد النظريات التي طرحناها مثل: الحل الشامل التنسيق, وحدة المسارات, الى ما هنالك. قصة جيمس بيكر * الى اي مدى ادى ذلك الى اهتمام العالم بلبنان انطلاقا من سياسته الخارجية تلك, وليس من المصالح الخاصة لهذه الدولة او تلك؟ ـ الواقع انه بعد حرب طويلة كان يتم الاستخفاف بلبنان من قبل بعض الدول الاجنبية, وكان لابد من اعادة الاعتبار لهذا البلد, واسترجاع كرامته عبر اشارات واضحة, فلم اكن اقبل في الماضي على الاطلاق اية زيارة الى الخارج الا حسب الاصول الدبلوماسية والا ملتقيا برئيس الدولة التي ازورها, وبالمسئولين الاساسيين فيها, وحسب اصول الاستقبال كوني ممثلا لدولة تحترم نفسها. حتى عندما كان بعض الوفود الاجنبية يزور لبنان كنت اشدد بالاصول الدبلوماسية حتى استدعي مني هذا خوض معارك طويلة. ومن ذلك عندما زار وزير خارجية امريكا (انذاك) جيمس بيكر لبنان بعد ان يكتفي بالاجتماع بالمسئولين اللبنانيين في الخارج فقد كنت من المتشددين في ان يتم هذا التعاطي من احترام سيادة لبنان, ودون الرجوع الى كل التفاصيل والرسائل التي حصلت حينذاك, اعتقد بانني تمكنت من ان افرض فعلا ان يتم التعاطي مع لبنان كما يحصل مع سائر دول العالم فيما كان يتم الامر سابقا كدولة مشرذمة ومفتتة, وخارجه من حالة حرب اي خارج اصول البروتوكول. نتذكر جميعا بأن رؤساء الجمهورية في لبنان يذهبون للقاء وزراء خارجية اجنبية احيانا خارج القصر الجمهوري اللبناني, فكانوا يذهبون حينا الى رياق (في البقاع) واخرى الى قبرص, وربما الى اي بلد آخر. وفي يوم من الايام عندما ادركت ان الوضع الامني هادئا, ولم يعد هناك من مبرر لاي كان بالا يتعامل معنا التعامل الذي يليق بنا, فكنت متشددا جدا في هذا الموضوع, وكان يأخذ هذا الامر صراعات مع بعض المسئولين (اللبنانيين) الذين كانوا يوجهون اللوم الي على قاعدة ان لبنان لايستطيع ان يتشدد في التمسك باصول البروتوكول فيما هو ليس بدولة كبرى او عظمى. انما بالعكس ولان لبنان ليس دولة كبرى, فاننا لانستطيع ان نقنع احدا اننا نبني وطنا فيما هذا الوطن لم يتم التعاطي معه حسب الاصول. * يعني نجحت في فرض الاصول على تعامل الآخرين مع لبنان؟ ـ اعتقد انني ارسيت اسلوبا معينا عبر وسائل عديدة, ربما كانت المشكلة الاولى مع الوزير بيكر, وهي كانت في حينه رسالة الى الدول الاخرى التي بدأت تتعاطى معنا فعلا بشكل مختلف, وغير ارتجالي واكثر ادراكا واحتراما لموقعنا فقد رفضت دعوات عديدة الى الخارج لانني كنت اعتقد انها لاتلبي الاصول. كذلك رفضت زيارات وفود اجنبية كانت تريد ان تأتي الى لبنان وتجتمع بعدد من المسئولين لانها كانت ستأتي بجهاز امن خاص بها من الخارج, لان تلك الوفود كانت تتجاوز بذلك الاصول بين الدول. اتذكر انه في يوم من الايام ايضا عندما اتى الرئيس جورج بوش الى لبنان, فقيل لي ان التدابير الامنية تفترض بالا يصعد في اية سيارة غير سيارة السفارة الامريكية بانتقاله من دمشق الى بيروت برا. فقلت: انا كوزير للخارجية لا استطيع ان اصعد في سيارة للسفارة فلا استقبله الا في سيارتي او في سيارة رئاسة الجمهورية, وهي مصفحة وتلبي كل الاعتبارات. فعندما اصر الطرف الآخر على رأيه قلت: لا استطيع اذا ان استقبل الرئيس بوش عند الحدود, وسوف استقبله في باحة القصر الجمهوري. وهذا ماحصل فعلا. وهذا الامر نفسه عندما زار الوزير بيكر لبنان, وقد استدعى الامر مفاوضات دامت 12 يوما, وشاركت فيها عواصم 7 الى 8 دول قبل ان نتفق على مجيئه الى لبنان, وقد عرضت خلال اماكن لان نلتقي في دمشق, او القاهرة, او انقره, او قبرص, او السعودية, او دبي, او ابوظبي, كذلك عواصم اوروبية عدة ـ لكنني مصر على موقفي اي ان بيكر يأتي الى لبنان لاجتمع به وليس في اية دولة اخرى. وكان السفير الامريكي يأتي الي آنذاك حاملا عرضا جديدا كل يوم لكن جوابي الدائم كان رفض كل العروض والتمسك باقتراح لبنان: اللقاء فيه او لا لقاء. وفي اليوم الثاني عشر وافق بيكر على هذا الاقتراح, واتاني السفير الامريكي قائلا يبدو انك ربحت) . وحصل لقائي بالوزير بيكر في لبنان فعلا. ولم يكن هذا الامر سهلا فقد كنا نسمع انتقادات في الصحف منها القول: (اين يهورنا وزير الخارجية في علاقاتنا الدولية) وكنت اصطدم مع بعض المسئولين الذين كانوا يقولون لي: (لانستطيع ان نرفع رأسنا الى هذا الحد) . كان موقفي ذاك يعتبر مجازفة بالتعاطي الدولي للبنان في ذلك الوقت, حتى اصبح الامر, فيما بعد طبيعيا وعاديا. لذلك استطيع ان اقول انني اورثت هذه الحكومة, وغيرها لاحقا مضمونا واسلوبا وآلية معينة هي وزارة الخارجية والسياسة الخارجية, واصول التعاطي بيننا وبين الدول الاخرى, اضافة الى ان 80 اتفاقية دولية وقعها لبنان عندما كنت وزيرا للخارجية. * انت الوزير الآتي الى الحكومات السابقة والى الدبلوماسية اللبنانية في موقعها الاول, دون ان تكون لك اية تجربة, دبلوماسية سابقة فكيف توصلت الى كل ذلك الارث الجميل الذي تحدثنا عنه؟ ـ صحيح انني اتيت كوزير للخارجية من خارج اطار الدبلوماسية, لكنني اتيت, اولا, ومن عائلة سياسية ترعرعت فيها, وهي عائلة ثقافية في الوقت ذاته, ولها اتصالات وعلاقات وصداقات من هنا لم تكن الدبلوماسية امرا حديثا جدا علينا. * يؤخذ عليك كدبلوماسي انك شاركت في رهان مندفع اكثر من الواقع على احتمال قيام السلام في المنطقة؟ بويز: اعتقد انك تتكلم بالجمع, ربما البعض (في الحكومات السابقة) لم يطرح امام نفسه الا السلام الا انني كنت دائما وابدا, منذ اليوم الاول لتسلمي وزارة الخارجية من غير المكثرين في التفاؤل ولم اقل يوما ان السلام آت حتما وبسرعة, لا بل كنت من اصحاب الرأي القائل بان على لبنان ان يكون له خطوط دفاعية بديلة في حال لم يأت السلام, والآن مازلت اكرر هذا الكلام واقول: هناك في الوقت الحاضر من يراهن كثيرا على السلام الذي مازال حصوله غير مؤكد, فمن هنا قد نصاب بصدمة في حال لم نقم ببناء خطوط دفاع سياسية واقتصادية وامنية بديلة عن حالة السلام. بيروت ـ وليد زهر الدين