يستعرض (بيان الاربعاء) واحدا من اخطر ملفات القضية الفلسطينية التي تهدد ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي, ملف اللاجئين وحق العودة. ويستند البحث على دراسة اعدها مركز غزة للحقوق والقانون في ديسمبر 1999 وقدمها للوفد الفلسطيني المكلف ببحث هذا الملف مع الاسرائيليين . وقد بدأت الدراسة بتوطئة اشتملت على اهم مشاريع توطين الفلسطينيين بعيدا عن ارضهم, اي بدايات معاناة التشرد ومحاولات طمس الهوية. تضمنت الدراسة الوثيقة 13 مشروعا لاقامة وطن بديل للفلسطينيين منذ بداية الصراع في عام 1948, لكن صمود الفلسطينيين وتضحياتهم افشلت كل هذه المشاريع. 1ـ مشروع لبنان: يقضي هذا المشروع باسكان اربعمئة الف لاجىء فلسطيني في منطقة الجليل ومدهم بالمساعدات اللازمة التي تمكنهم من العودة الى حياتهم الطبيعية تحت اشراف ادارة دولية تابعة للامم المتحدة. ويقترح على الحكومات العربية مطالبة الولايات المتحدة وهيئة الامم بتأمين المبالغ الازمة للتنفيذ. والغاية من هذا المشروع هي ايجاد حل وسط بين نظرية اسكان اللاجئين في الدول العربية وبين وجهة النظر اللبنانية الرسمية القائلة برفض اسكان اي لاجىء على الاراضي اللبنانية. 2ـ مشروع موسى العلمي: صاحب هذا المشروع موسى العلمي وصحبه في منطقة اريحا (الغور) وقد اريد لهذا المشروع وضع مثال حي امام اللاجئين بامكانية التخفيف من ضائقتهم باعتمادهم على انفسهم ولهذا كان من الضروري كما يقول اصحاب المشروع اجراء هذه التجربة لا في منطقة نائية بل في قلب الرقعة التي يعيش فيها اللاجئون وقد اختارت الجمعية منطقة وادي الاردن مكانا لمشروعاتها ومع ان هذه المنطقة سبق مسحها بواسطة خبراء كثيرين زعموا انه ليس فيها ماء عذب فان موسى العلمي تمكن بآلياته الفطرية من استخراج ماء عذب من عمق يزيد قليلا على مئة قدم وفي اكتوبر 1958 اعلن ناطق بلسان بعثة العمل الامريكية في الاردن ان البعثة قدمت مبلغ 75 الف دولار هبة منها لجمعية المشروع الانشائي لانفاقها على تعليم مئة طالب من اللاجئين الجدد في مدرسة المشروع. كما قررت موسسة فورد دفع مبلغ 150 الف دولار لمؤسسة المشروع الانشائي في كل سنة لقاء تعليم مئة يتيم او لاجىء اعتبارا من عام 1958 وقد لقي المشروع تأييدا كبيرا من جمعية اصدقاء الشرق الاوسط الامريكية لما فيه من مساعدة على تنفيذ فكرة التوطين وانهاء مشكلة اللاجئين. 3ـ بعثة جونستون: في يناير 1953 ارسل الرئيس ايزنهاور. ايريك جونستون, من ادارة التعاون التقني الى الشرق الاوسط برتبة سفير, وتركزت ضغوط الكونجرس على حل مشكلة اللاجئين باسلوب اقتصادي يتجنب بسهولة عقاب الحل السياسي. ويقضي الحل الاقتصادي استغلال مياه نهر الاردن في مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهربائية لتوفير فرص عمل للاجئين الذين سيميلون نحو اعادة توطينهم. ولهذه الخطة مزايا اقتصادية ومردود سياسي اذ قال ايزنهاور (لدي قناعة بأن قبول خطة شاملة لتطوير وادي الاردن سيساهم مساهمة عظيمة في استقرار الشرق الاردني) . وقد كان جونستون متفائلا بشأن الخطة التي تقضي بتخصيص مساحات كبيرة من الاراضي المروية في الاردن للاجئين الفلسطينيين, بحيث تستوعب نحو ثلث عددهم الاجمالي. وبعد قيامه بخمس رحلات الى الشرق الاوسط استغرقت عامين لم يستطع ايريك جونستون تذليل العقبات السياسية واقناع الطرفين بالمنفعة والفوائد الطويلة الامد المترتبة على خطته ولكن اخفاقه لم يبدل من شعور الولايات المتحدة بان حل مشكلة اللاجئين يكمن في التنمية الاقتصادية. 4 ـ مشروع الرمدان: في اوائل ابريل عام 1953 وضعت السلطات السورية عشرة آلاف دونم من اصل 160 الف دونم تعرف باسم اراضي الرمدان وتعود لاملاك الدولة تحت تصرف وكالة الاغاثة لانشاء مشروع زراعي عليها لمنفعة اللاجئين الفلسطينيين ويقع هذا المشروع على بعد 40 كيلومترا الى الشمال الشرقي من دمشق. وفي نوفمبر 1953 قامت الوكالة باقامة مركز للتجارب الزراعية على مساحة خمسين دونم وانشأت قرية تحضيرية تضم وحدات سكنية لاسكان عدد من المستخدمين والعمال بغية القيام باصلاح اراضي المشروع واعدادها للزراعة وفي بداية عام 1954 بدأت وكالة الغوث اعمالها لانشاء المشروع وبلغ عدد سكان المشروع اكثر من 400 شخص منحتهم وكالة الغوث اعمالها لانشاء المشروع وبلغ عدد سكان المشروع اكثر من 400 شخص منحتهم الوكالة مبلغ 600 ليرة سورية نقدا واراضي لكل فرد تقدر مساحتها باربع دونمات لاستثمارها كما خصصت وحدة سكنية لكل عائلة. 5 ـ دراسة سميث ـ بروتي: في بداية سنة 1954 ارسلت لجنة الشئون الخارجية لمجلس النواب الامريكي بعثة استقصاء خاصة الى الشرق الاوسط واصدر عضو البعثة, النائبان سميث وبروتي من ولاية فير مونت تقريرا في اواخر فبراير 1954, كما اوصت بزيادة الضغط على الدول العربية لتفتح ابوابها للاجئين. وحثت على وقف معونة الامم المتحدة بعد تاريخ معين وعندئذ تقوم الولايات المتحدة بتقديم المعونة الى الدول التي توفر مساكن للاجئين وتمنحهم حق المواطنة, ذلك بان البعثة اعتقدت انه لو تم افهام العرب بوضوح ان ليس في الامكان استرجاع ديار اللاجئين السابقة وان مستقبلهم لابد ان يكون في الدول العربية, فان عملية اعادة التوطين ستتيسر كثيرا. وكالعادة بنت اللجنة استنتاجاتها على اساس تقويماتها الخاصة لما هو في مصلحة اللاجئين, لا على اساس المعلومات المستقاة من اللاجئين. كما توصلت في سنة 1955 بعثة استقصاء اخرى برئاسة النائب فوريس الى نتيجة مفادها انه يترتب على الولايات المتحدة المساعدة على تخفيف معاناة اللاجئين, لذا فانه ينبغي لها ان تتحمل مسئولية اعادتهم الى وطنهم او توطينهم مما يشير الى ان الكونجرس ضاق ذرعا بهذه المشكلة المستعصية واوضحت البعثة انه حينما تقضي مصلحتنا بمساعدة هؤلاء اللاجئين فانه ينبغي ان توجه مساعدتنا نحو الحلول الدائمة واعربت عن اعتقادها انه لايمكن ايجاد حل دائم الا من خلال اعادة التأهيل والتوطين. 6ـ مشروع باروخ: طرح هذا المشروع خصيصا لحل مشكلة قطاع غزة وسمي مشروع باروخ نسبة الى اسم الشخص الذي وضعه, وتقدم به الى الهيئة العربية العليا, حيث كان ذلك المشروع يدعو الى تشكيل (اللجنة الدولية للاجئين العرب) والتي ستكافح لايجاد حلول دائمة وموفقة, وسيبذل الجهود لاعادة بعض اللاجئين الى اسرائيل في ان يهضم غيرهم (استيطان) في مصر وسوريا ولبنان والعراق وبدأ العمل باعداد (كوتا) صغيرة سنوية وقد يؤمن لبعضهم مؤهلات للهجرة الى استراليا, الاورغواي, باراجواي, الارجنتين, البرازيل, كندا, الولايات المتحدة الامريكية وغيرها. والجاليات العربية المختلفة في امريكا الجنوبية قد ترحب ببعضهم وحددت اهداف اللجنة الدولية للاجئين العرب بتوفير بيوت دائمة مجانا, اقامة عائلات في المزارع تقوم بالاعتماد على نفسها, الى جانب توفير الآلات للعمال وتوزيع افلام وآلات موسيقية, وكتب وغيرها من وسائل التسلية العقلية. والمطلوب من السلطات المصرية تعاون وثيق لتحقيق كل ناحية من نواحي هذا العمل كما ان الاشخاص الذين يوظفون ستكون اكثريتهم من العرب توافق عليهم السلطات المصرية, ولكن هذا المشروع لم يلق اي حظ من النجاح, ولم يستمر طويلا, واقتصر على مذكرة موجهة الى رئيس الهيئة العربية العليا الذي رفضها وطالب بدوره بوجوب اعادة اللاجئين الى ديارهم واستعادة املاكهم وايقاف هجرة اليهود الى فلسطين. 7ـ مشروع سيناء: لقد استغرق مشروع التوطين في شمال غرب سيناء من تاريخ توقيعه بين الحكومة المصرية ووكالة الغوث في الفترة الواقعة من 30/6/1953 حتى 28/6/1955 حيث انتهت اللجنة الموكل اليها العمل من عملها ووضعت تقريرها الذي وجهته الى وزير الدولة المصري لشئون الانتاج ومدير وكالة اغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ويمكن اعتبار هذا المشروع الاكثر خطورة من بين مشاريع التوطين جميعا, ولهذا نقدم عرضا موجزا للتقرير الذي حدد الغرض من اعداده الا وهو (تأييد امكانية التنفيذ) الطبيعية والهندسية لتحويل 5000 فدان في الشمال الغربي لسيناء الى اراض مزروعة كذلك امكان توطين جزء من سكان غزة اللاجئين هناك كاعضاء نافعين منتجين في المجتمع كما يقرر ايضا التكاليف المقدرة لهذا التعمير والدخل المحتمل الحصول عليه من المشروع وسوف يختار سكان المشروع من بين اللاجئين الذين يستوطنون قطاع غزة والذين قدر تعدادهم في مايو سنة 1955 بحوالي (مائتين واربعة عشر الفا) 214000 من بين اجمالي سكان القطاع وعددهم 302000 نسمة والفرق بين الرقمين 88000 يعادل السكان الاصليين للمنطقة. وقد اقترح قيام نوع من الحكم المحلي ولان اللاجئين في مخيمات القطاع انتظموا في مجموعات حسب عشائرهم وقبائلهم وقراهم الاصلية فقد اوصى بان يؤخذ هذا الهيكل الاجتماعي في الاعتبار وان يستقبل الى اقصى حد ويكون ذلك بالحفاظ على الطابع الاجتماعي التقليدي للعلاقات, ولهذا السبب يجب ان يتكون المشروع من 23 قرية منها قرية رئيسية اعتبرت مركزا ثم يتطرق بعد ذلك الى النظام المقترح على صعيد الضرائب وقوات الامن والحماية البوليسية, والمطافىء, وجهاز القضاء ونظام البريد والهاتف اضافة الى تفاصيل وشكل القرية المقترحة, ومواقع البناء, وشكل المنازل, مواد البناء المستعملة وقدم التقرير لبرنامج التأهيل المقترح (ان اللاجئين الفلسطينيين قد عاشوا حياة غير طبيعية اجبروا فيها على حياة خاملة .. واثرت الحياة كلاجىء على شخصية واماني الفرد) وكذلك نبه الى ضرورة التغلب على اثر البيانات المضللة والاشاعات وتحسبا لردود فعل اللاجئين اكد على ضرورة التأكد بأقوى الطرق الرسمية التي يمكن استخدامها. ان قبولهم ـ اي اللاجئين ـ للفرص التي تهيأ لهم .. لاتتعارض مع حقهم في العودة ودعا الى بذل اهتمام خاص بالمصادر التقليدية للزعامة والتأثير وان يحتفظ بتلك الزعامات وانفض الناس من حولهم. وقدر عدد الذين سيرحلون بحوالي 59500 شخص يشكلون 2200 اسرة زراعية, و 1750 اسرة في الخدمات العامة و 700 اسرة بالقطاع الثانوي, وعن كيفية خلق الدوافع لدى اللاجئين اقترح توفير مستوى معيشة يفوق بكثير متوسط مستوى المعيشة الذي اعتاده اللاجىء وما يستخدمه من ارض وعقار واذا ما تقرر منح الملكية للاجئين يجب ان يكون ذلك تحت شروط التسديد ولو كان اسميا في بعض الحالات. فترة التوطين وقدرت الفترة الكافية التي يستغرقها توطين الاسرة بعشر سنوات, كما اخذ بعين الاعتبار الزيادة السكانية بحيث توقع ان يزيد العدد الاصلي من السكان الزراعيين والبالغ 5000 الى مايقرب من 85000 في نهاية العام الخامس والعشرين ولهذا اقترح ان يستوعب جانبا كبيرا من زيادة السكان الزراعيين, في مزارع جديدة بالمساحة المخصصة للمشروع اضافة الى مجموعة كبيرة من التفاصيل التي تطرق اليها, والتي لايتسع لها المجال هنا رغم اهميتها, الامر الذي يمكننا معه القول ان ذلك التقرير لم يترك شاردة ولا واردة الا وتصدى لها. ان نظرة سريعة الى مشروع توطين لاجئي قطاع غزة في سيناء, يكشف مجموعة من الحقائق, فاضافة الى الجدية, نستطيع ان نعتبره المشروع المتكامل الوحيد من بين ما قدم من مشاريع التوطين ومن خلال ملاحظة الجوانب التي تطرق اليها المشروع تتضح المرامي البعيدة له خصوصا اذا ماتذكرنا المدى الزمني المقترح, الا وهو 25 عاما لاستكمال تنفيذه, وعلى الرغم من تجنب المشروع الحديث عن الجوانب السياسية, الا ان عدم تناول هذه الجوانب التي تطرق اليها المشروع لايلغي الافرازات السياسية التلقائية له, اعتبار انها الاساس الاقتصادي لمشكلة اللاجئين هو خطوة رئيسية على طريق الانهاء الكلي لمشكلة اللاجئين تمهيدا لتصفية قضية فلسطين برمتها. لقد استحوذت هذه المسألة على اهتمام كبير وحيث لم تفلح التطمينات والتصريحات الرسمية عن ان التوطين لايلغي حق اللاجئين بالعودة, كل هذه المحاولات لم تفلح في اجهاض ردة الفعل التي شهدها القطاع, وكانت في مستوى الخطورة التي كان يمثلها مشروع التوطين. 8ـ مشروع استغلال مياه اليرموك والاردن: تسلمت الوكالة في (يوليو) 1955 التصميم الرئيسي الذي اعده المهندسون المتعهدون لمشروع استغلال مياه نهري اليرموك والاردن لارواء 200ر504 دونم من الاراضي في الاردن كما يقضي بتوليد طاقة كهربائية فتكون مجموعة تكاليف المشروع التقديرية 161ر839ر000 دولار. ويقدر التصميم الرئيسي ان المشروع سيساعد على اعالة 224ر000 عامل مع عائلاتهم في وادي الاردن منهم 160.000 عن طريق الزراعة مباشرة, 64.000 وعن طريق الاعمال الثانوية, ويتوقف تنفيذ التصميم الرئيسي على ابرام اتفاقيات بهذا الشأن بين الحكومات. وهذه الاتفاقيات لم تبرم حتى الآن. 9ـ مشروع كين الانجليزي: قدم هذا المشروع بصورة سرية المستر كين الانجليزي مدير الوكالة المساعد وقد اقترح فيه على الامم المتحدة ان تقدم مبلغ ثلاثمئة مليون دولار للدول العربية, وان يترك لها امر اللاجئين العرب لتحل مشكلتهم كما ترى وقد ظن ساسة الغرب ان مثل تلك الاموال الوفيرة لن تقتصر على اغراء اللاجئين فحسب بل ستثير اهتمام الدول العربية نفسها التي ستنفق تلك الاموال في اراضيها وقد اقترح المشتركون في مذكرته السرية نقل القسم الاكبر من لاجىء لبنان الى سوريا ونقل نحو مئة الف لاجىء من غزة وفلسطين والاردن الى العراق وليبيا واضاف المشتركون ان العمل بهذا الاقتراح كفيل بتخليص الامم المتحدة من مشكلة اللاجئين وباغراء الدول العربية على حمل العبء. 10ـ تقرير همفري: في ربيع سنة 1957 قام (عضو الكونجرس الامريكي) هيوبرت همفري برحلة الى الشرق الاوسط زار خلالها بعض مخيمات اللاجئين التي وصفها بالمرعبة وتشكل وضعا جاهزا للتحريض الشيوعي .. وقال ليس هناك حل سهل لهذه المشكلة القاسية. لكن يبدو ان حق العودة يجب ترسيخه كحق التعويض وحالما يتم ذلك لابد من ان يصبح ممكنا الشروع في بعض الاشغال العامة الرئيسية لتفتح الطريق امام اعادة توطين اللاجئين في بعض الدول العربية المحيطة باسرائيل. واعرب عن اعتقاده ان من سوء الحظ وعدم الحكمة ان تكون الدول العربية قد رفضت حتى الآن التعاون مع هذه الخطط. وفي التقرير الذي رفعه همفري الى لجنة العلاقات الخارجية عقب عودته لم يسجل سوى التكرار للمواقف الامريكية السابقة فقال: ان الجيل الجديد الذي يشكل نصف اللاجئين, يفتقر الى اية جذور في فلسطين على الرغم من الضجيج الذي يطلقه القادة في سبيل العودة واعادتهم الى مجتمع غريب عنهم بعد ان غرست في نفسهم الضغينة له .. وخلص الى القول ان اعادة التوطين مع التعويض, واعادة برنامج التنمية الاقتصادية هما السبيل الوحيد الفعال والواقعي لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. 11ـ بعثة جونسون: في اغسطس سنة 1961 ارسلت لجنة التوفيق جوزيف جونسون, رئيس هيئة كارنجي للسلام الدولي الى الشرق الاوسط كمبعوث خاص لاقرار مع الحكومات المضيفة واسرائيل بعض الوسائل العملية لتحقيق تقدم بشأن مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين, فانتهى الى ان هناك استعدادا كافيا بين الفقراء يستحق عناء مواصلة الجهود نحو التسوية, ثم بدا جونسون جولته الثانية في المنطقة في 15 ابريل 1962 وفي نهاية الصيف اصبحت مجموعة اقتراحاته الجديدة معروفة على الرغم من انها لن تنشر قط رسميا نظرا الى المعارضة القوية لها وكان احد هذه الاقتراحات يقضي بتمكين اللاجئين من التعبير عن رغبتهم في العودة الى ديارهم او الى اماكن جديدة في اسرائىل او في الاستيطان في البلاد العربية او في اي مكان آخر . وكان مقدرا ان يتم التعبير عن هذه الخيارات بصورة سرية, شرط ان تكون في امكان اللاجئين تبديل رأيهم في وقت لاحق. وفي امكان اسرائيل ان ترفض اولئك الذين يشكلون خطرا على امنها. وكان منتظرا ان تدفع اسرائىل, الامم المتحدة في عملية اعادة التوطين وتتولى ادارة وهيئة جديدة متابعة هذه الجهود, ويشكل مجلس مستشارين يضم ممثلين عن اسرائىل والدول المضيفة. بيد ان اللاجئين لن ينالوا بالضرورة خيارهم الاول, وتكون الامم المتحدة, مسئولة عن تزويدهم بالمعلومات الكاملة بشأن اخيارهم. غير ان الطرفين لم يوافقا على تعديل موقفهم فاضطر جونسون بعد ان ثبطت همته الى الاستقالة في نهاية يناير 1963 محذرا ان القضية مازالت تتطلب عناية ماسة. مبادىء جونسون الخمسة احدثت حرب 1967 تغييرات عظيمة في ابعاد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وطبيعتها, رغم ان هذه المشكلة قائمة منذ 19 عاما قبل اندلاع الحرب. فعلاوة على ما يربو على مليون فلسطيني مصنفين قبل الحرب كلاجئين, شردت الحرب اعدادا اخرى تبلغ مئات الآلاف من سوريين ومصريين وفلسطينيين الذي نزح منهم نحو 400.000 عن الضفة وغزة. بعد وقف اطلاق النار بوقت قصير في 19 يونيو 1967 اعلن الرئيس ليندون جونسون, خمسة مبادىء للسلام في الشرق الاوسط فيها اثنان يتعلقان باللاجئين. اولا: لكل دولة في المنطقة حق ثابت في العيش وفي ان تحترم هذا الحق من قبل جاراتها .. ولا توجد دولة تكون وفية لميثاق الامم المتحدة او لمصالحتها الحقيقية اذا سمحت للانتصارات العسكرية ان تعمي ابصارها عن حقيقة كون جيرانها يملكون حقوقا ومصالح خاصة بهم. ثانيا: نادى الرئيس جونسون بالعدالة للاجئين! (ان صراعا جديدا خلق مشردين جددا, وينبغي لدول الشرق الاوسط ان توجه انتباها على الاقل, الى مأساة اولئك الذين شردتهم الحرب. في الماضي قاوم كلا الجانبين الجهود الحثيثة للوسطاء الخارجيين الرامية الى اعادة ضحايا الصراع الى ديارهم او ايجاد مكان آخر ملائم يعيشون ويعملون فيه ولن يكون هناك سلام لاي طرف في الشرق الاوسط مالم تجابه المشكلة بحيوية جديدة من قبل الجميع, وقطعا من قبل اولئك المعنيين بها مباشرة بشكل رئيسي) . وفي 20 يونيو 1967 كرر السفير جولدبيرج هذه المقترحات امام الامم المتحدة وفي 22 نوفمبر 1967 اقر مجلس الامن القرار 242 معترفا بمركزية قضية اللاجئين الفلسطينيين في النزاع العربي الاسرائيلي ومن بين البنود الاخرى, اكد القرار 242 ضرورة تحقيق تسوية عادلة لقضية اللاجئين ليكون بالامكان الوصول الى سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط. وقد ضيع هذا القرار على غرار المبادىء الخمسة التي اعلنها الرئيس جونسون, على الرغم من انه لم يبذل اية محاولة لتعريف ما معنى تسوية عادلة) . وكان السفير جولدبيرج قد صرح قبل ذلك ان المشكلة تدعو الى حل دائم وانساني يجب ان يكون جزءا من التسوية السلمية, وقال رابطا اياها بمجمل الصراع ان حاجات اللاجئين وحاجات السلام في الشرق الاوسط امران غير متناقضين, ولايمكن الفصل بينهما ولابد من العناية بهما معا. 12ـ مشروع روجرز: في عهد ادارة الرئيس نيكسون طرح وزير الخارجية روجرز ما سمي (مشروع روجرز) في 28 اكتوبر وهو مشروع يتضمن مقدمة قصيرة تدعو الى ابرام اتفاق نهائي ومتبادل بين مصر واسرائيل ولحقت به عشر نقاط اساسية عرضها روجرز في خطاب القاه في 9 ديسمبر 1969, اكد الخطاب على اربع قضايا رئيسية: السلام والامن والانسحاب والاراضي؟! وحول مسألة اللاجئين الفلسطينيين قال: لن يكون هناك سلام دائم بدون حل عادل لهؤلاء الفلسطينيين الذين خلفتهم حرب 1948, وحرب 1967 بلا وطن. ان المسألة التي يطرحها اللاجئون ستصبح باطراد اكثر جدية, اذا لم تحل قضية مستقبلهم وهناك وعي جديد بين الشباب الفلسطينيين الذين نشأوا بعد سنة 1948, ويجب توجيه هذا الوعي بعيدا عن الالم والخيبة , بل نحو الامل والعدالة. ونادت الفقرة الثامنة من مشروع روجرز والتي تمس مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بالتالي: (يعطى اللاجئون العرب) من حرب فلسطين عام 1948 (الخيار بين العودة الى اسرائىل, او الاقامة الدائمة في الدول العربية مع تعويضات اسرائيلية. ويتفق المتفاوضون الاردنيون والاسرائيليون على برنامج سنوي للسماح بعودة اللاجئين مع وجوب وصول اول اللاجئين الى اسرائيل بعد ثلاثة اشهر على الاكثر من انتهاء مفاوضات الحل. وبامكان الدكتور (يارنع) ان يشكل لجنة دولية لتحديد خيار كل لاجىء. وكان مصير مشروع روجرز النسيان بسبب المعارضة السوفييتية, الاسرائيلية ومعارضة مؤيدي اسرائيل في امريكا, والتأييد الرئاسي الضعيف ومع فشل هذا المشروع, انتهت اول مبادرة سلام اساسية جديدة لايجاد حل مباشر للقضية الفلسطينية. 13 ـ المشروع الامريكي: يقول كلود جوليان في نهاية كتابه (الامبراطورية الامريكية) ان المبعوث الامريكي (ميرفي) ليس سوى نسخة طبق الاصل عن تاجر البندقية الذي يحاول كل مرة يزور فيها العواصم العربية من الرباط الى القاهرة, بيع سلعة واحدة واساسية, هي خطة سرية امريكية تستهدف توطين الفلسطينيين حيث يتواجدون, بعد تفكيك المخيمات ودمج اهلها بالسكان الاصليين. وهذه الخطة لها ملحق سري يجري تنفيذه ميدانيا في الضفة الغربية وقطاع غزة, وعلى يد اسرائيل بالذات, وعنوانه التهويد والاستيطان, بعد اقتلاع الفلسطينيين من الداخل. ولقد نقل عن الاسبوع العربي (ملامح المشروع الامريكي الخاص بفلسطينيي الداخل والخارج مع خبراء عرب وفرنسيين جذور المخطط الامريكي وابعاده, كما انها نشرت فقرات مكوك الخارجية الامريكية على وضعها بعد كل جولة شرق اوسطية بالتعاون مع السفارات الامريكية في لبنان وسوريا ومصر وقبرص والاردن واسرائيل والمغرب وتتناول بالتفصيل جموع الكتلة البشرية الفلسطينية واوضاع منظمة التحرير الفلسطينية فضلا عن اوضاع الدول التي يتواجد فيها الفلسطينيون, وفي وسعنا اختزال هذه المعلومات الموثقة على الشكل الآتي: 1ـ ان الادارة الامريكية تصر على التوطين كحل وحيد لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وهي تحاول اقناع الشركاء الاوروبيين بان مشروعها دخل الى مدار التنفيذ. 2ـ اقامة حكم ذاتي للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن معادلة الارض اسرائيلية والسكان فلسطينيون, على ان يصار ادماجهم لاحقا باسرائيل. 3ـ ان تفكيك المخيمات من شأنه ازالة عقبة في طريق التسوية, خصوصا ان تحويل القضية الفلسطينية الى مشكلة لاجئين تتعهد واشنطن بحلها في اطار انساني والتفكيك يضمن عدم عودة اي فلسطيني الى الضفة والقطاع. 4ـ اسرائيل تمضي في مشروع التفكيك تحت شعار تحسين الظروف المعيشية. 5ـ تنويع سياسة المغريات لتشجيع اهالي المخيمات على مغادرتها والاستقرار في المدن والقرى. حتى ان مايكل اروماكوست, مساعد وزير الخارجية الامريكي قال ان عددا من رجال الاعمال وثيقي الصلة بالادارة الريغانية وضعوا جملة خرائط لعمارات ومجمعات عصرية يجب ان ترتفع مكان (مخيمات البؤس) التي هي معسكرات للكراهية. 6ـ ان لبنان يضم اكبر عدد من المخيمات الفلسطينية واسرائيل مدعوة الى ترهيب سكانها باستمرار. وهكذا فان البنود الخاصة بالفلسطينيين في خطة ميرفي القديمة الجديدة ترسم معالم الظروف التي نشأت في الضفة والقطاع ولبنان ودول التواجد الفلسطيني. ورغم ان الولايات المتحدة واسرائيل ظلتا تعملان جاهدتين منذ عشرات السنين من اجل توطين اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في البلدان العربية المجاورة في اماكن تواجدهم الا ان مشاريع التوطين في الاردن كانت الاهم. ويتراوح عدد الفلسطينيين في البلدان العربية مابين 3 و 3ر5 ملايين فلسطيني موزعين على النحو التالي: البلد: الاردن العراق سوريا لبنان السعودية الامارات العربية المتحدة ـ ليبيا العدد: مليونا فلسطيني (45) الف فلسطينيين (410.000) فلسطيني (463.000) فلسطيني (150.000) فلسطيني (150.000) فلسطيني في الآونة الاخيرة طرحت عدة مشاريع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وبدأ التحضير والترويج لها بشكل علني خاصة مشروع التوطين في الاردن مع الاخذ بعين الاعتبار دمجهم في الحياة المدنية الاردنية لان هذا البلد مؤهل اكثر من غيره وبشكل كامل للتوطين لعدة عوامل من اهمها: تواجد الفلسطينيين في الاردن منذ النزوح عن فلسطين في عام 1948 ولانهم يحملون جوازات السفر الاردنية واصبح لهم امتداد واسع ارتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية بالاضافة الى وجود عوامل ضغط خارجية مورست على الاردن وحاولت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة العمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين في (الوطن البديل) ونظرا لحساسية الموضوع في تلك الحقبة من الزمن فلم يخرج هذا الطرح الى حيز التنفيذ وانما اخذ شكل المبادرات. بدأت السلطات الاسرائيلية باستغلال اوضاع الاردن الداخلية ساعية الى محاولة الترويج لفكرة الوطن البديل عبر وسائل الاعلام وتصريحات القيادات الاسرائىلية بأن 70 ـ 75% من سكان المملكة الاردنية هم فلسطينيون لذا فهم يشكلون الاغلبية العظمى من السكان, مما كاد ان يحول الساحة الاردنية الى صراع حول من هو اردني وغير اردني واشاعة هذه الآراء لشق الشارع الاردني وخلق الفجوات بين الاشقاء والاهل. ومن الاوائل الذين طرحوا هذه الفكرة اريل شارون زعيم حزب الليكود (حاليا) وجولدامائير ومناحيم بيجن واسحق شامير وروفائيل ايتان وغيرهم من القيادات السياسية الاسرائيلية لان الهدف الاستراتيجي بالنسبة لهم تذويب الفلسطينيين في اماكن تواجدهم وانهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين. 2ـ مشروع توطين الفلسطينيين في العراق: بعد انتهاء حرب الخليج تسربت انباء حول تبلور مشروع لتوطين مئات الآلاف من الفلسطينيين في العراق. ولكن الحكومة العراقية لم توافق على هذه المشاريع, التي كانت تتضمن نقل بضع الاف من الفلسطينيين المتواجدين في لبنان وسوريا والاردن الى العراق علما بان معظم الفلسطينيين يرفضون اي توطين خارج نطاق مدنهم وقراهم بفلسطين ولقد ارتبط موضوع اللاجئين الفلسطينيين في العراق بانهاء الحظر والعزل المفروض عليه من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا ومجلس الامن الدولي. لقد فشلت كافة المشاريع الداعية الى توطين اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 حتى يومنا بسبب الاصرار المتعاظم من قبل الفلسطينيين وايمانهم بحق العودة الى الوطن وقناعتهم التامة بان لابديل عن الوطن وبالرغم من كافة الاغراءات المادية والارهاب الذي مورس بحقهم الا انهم تشبثوا بالارض التي ارتبطوا بها منذ مئات الآلاف من السنين. 3ـ مشاريع توطين الفلسطينيين في لبنان وسوريا: معظم الفلسطينيين في لبنان وسوريا هم ممن نزحوا عن شمال فلسطين, وكانوا يقطنون مدن وقرى صفد وعكا وحيفا ويافا واللد واستقروا مؤقتا في لبنان وسوريا على امل العودة من حيث قدموا وطالت حياة النزوح فاستقروا في المخيمات التي تم تأسيسها من قبل وكالة الغوث الدولية (الاونروا) ففي لبنان وصل عدد الفلسطينيين النازحين الى مايزيد عن ثمانمئة وسبعين الف فلسطيني وعلى عكس الدول التي لجأ اليها اللاجئون فلقد تعرضوا منذ وجودهم للعديد من عمليات القمع والتنكيل والاضطهاد احيانا بشكل طائفي واحيانا اخرى على ايدي المتنفذين في الحكومات اللبنانية وحرموا من ابسط قواعد العيش الكريمة وارغموا على البقاء في نفس المنازل التي آوتهم منذ سنوات الهجرة والنزوح بعد ان حظرت عليهم السلطات اللبنانية ترميم منازلهم او القيام باجراء اي توسعات. وكان الفلسطينيون دائما يدفعون الثمن عند وقوع اي خلاف او اختلاف وبدأت المشاريع الخاصة بالتوطين تطرح مرة اوروبية وتارة اخرى من قبل كندا والولايات المتحدة الامريكية تمشيا مع روح المعادلة الديمغرافية اللبنانية مثل التمثيل الانتخابي والمشاركة الانتخابية. ووجدت هذه المشاريع تشجيعا ومباركة من قبل السلطات الاسرائيلية التي بدأت تشترط حل مشكلة الفلسطينيين المقيمين في لبنان كمقدمة للحل الدائم وذلك من اجل انهاء الاحتلال الاسرائيلي لمنطقة الجنوب اللبناني. اما في سوريا فكانت اوضاع الفلسطينيين مختلفة نوعا ما عن اوضاع اشقائهم في البلد المجاور لبنان. حيث وجد الفلسطيني شبه مساواة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وحياة اكثر امنا واستقرارا نتيجة لتوجهات الساسة والقادة السوريين والشعارات الحزبية التي طرحت من قبل الاحزاب السورية, فكانت كافة التوجهات تشير نحو التعامل مع الفلسطينيين بشكل ايجابي لكن دون ممارسة الفلسطينيين لاي دور سياسي في الساحة السورية ولم يخل الامر من حملات اعتقالية قامت بها اجهزة الامن السورية تجاه الفلسطينيين. ان موضوع الفلسطينيين وتوطينهم في سوريا مرتبط ارتباطا وثيقا بموضوعهم في لبنان لاصرار السلطات الاسرائيلية على ان يكون هذا التوطين ضمن الحل النهائي. وبالرغم من طرح هذه المشاريع الا انها لم تسجل اي نجاحات على المستوى الشعبي ولم تجد قبولا لان معظم الفلسطينيين ينتظرون بلهفة حق تقرير المصير والعودة مكفولة بالمواثيق والقوانين الدولية وقرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي للدعاية لايجاد حد دائم لمشكلة هؤلاء اللاجئين والحل ليس اقتصاديا او اجتماعيا بل سياسيا بالدرجة الاولى. عرض ـ د. جمال المجايده