منذ أيام قليلة استقبل عالمنا العربي قرناً جديداً, استقبله وهو ما زال محملاً بميراث من الصراع والخلافات بين الدول الاعضاء في الجامعة العربية, وبالصورة التي تتناقض مع الآمال والطموحات التي ارتفعت في ارجائه في منتصف القرن الماضي, هذا في الوقت الذي تسعى فيه كل القوى الاقليمية من حولنا ومنذ وقت طويل مضى لاعادة رسم خريطة المنطقة وبما يخدم مصالحها الحيوية والاستراتيجية, ومن هنا تأتي أهمية التقرير الاستراتيجي العربي للعام 1999 والذي صدر مؤخراً عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, كونه لم يركز فقط على دراسة حال العمل العربي المشترك في العام الماضي فقط, ولكنه اعطى صورة لما كان عليه طوال الخمسة عقود الماضية, وستكون عليه صورة المنطقة في بدايات القرن الجديد والتي ستتوقف على متغيرات بين دولها العربية وغير العربية. تفاعلات صراعية اكد التقرير ان العام الماضي 1999 لم يشهد تحولاً ملموساً في أنماط التفاعلات العربية التي سادت في الأعوام السابقة, وكان للتفاعلات الصراعية التي لا تعبر عن وفاق عربي الغلبة في تفاعلات هذا العام ويتركز ابرزها في الأزمة العراقية والتي ما زالت تداعياتها مستمرة ولم تشهد خلال العام الماضي الا مزيداً من تعقيد العلاقة بين الدول الخليجية اعضاء مجلس التعاون الخليجي والعراق, والعلاقة بين العراق ومجلس الأمن, فضلاً عن تدمير بعض الاهداف المدنية والعسكرية العراقية, ايضاً استمرار العجز عن عقد القمة العربية فمنذ عام 1996 والدول العربية في معظمها عازفة عن الدعوة او قبول الدعوة الى عقد قمة عربية, فقد صار معتاداً ان تهرب دول كثيرة من مسئولياتها العربية بعد ان اضحى العمل العربي المشترك عبئاً على حكومات تلك الدول, وبعضها الآخر يفضل الاكتفاء باطار التنسيق القائم ولا يرى ما يبرر عقد القمة فالقمة من هذا المنظور لا تنعقد الا في النكسات او بعد حدوث النكسات ولكنها لا تعقد لمنع حدوث النكسات, وهناك من يعتقد ان انعقاد القمة يعطل عملية التسوية. انتقادات حادة كذلك شهد العام الماضي استمراراً في الخلاف السوري ـ الفلسطيني والذي حال دون انعقاد القمة العربية المصغرة للبحث في مستقبل عملية التسوية, ورغم ان الاقتراح بعقد القمة المصغرة والذي تبنته القاهرة قد وجد حماساً فلسطينياً كبيراً ونظر اليه على أنه بمثابة طوق نجاة من تجميد المفاوضات على المسار الفلسطيني, كما رحب الاردن بالقمة وبالاقتراح المصري, الا ان دمشق لم ترحب كثيراً بهذه القمة واهتمت بتطوير علاقاتها مع الأردن في الوقت الذي ازداد تدهور العلاقات السورية الفلسطينية لدرجة دفعت العماد مصطفى طلاس الى توجيه انتقادات حادة ومعيبة الى شخص الرئيس الفلسطيني. فضلاً عن ازمة الصحراء التي ما زالت تؤثر على العلاقات الجزائرية المغربية فلم تستطع الدولتان حتى الآن تجاوز الملفات الثلاثة العالقة بينهما رغم التطورات الداخلية المهمة التي اوحت بامكانية تجاوز هذه الملفات وهي ملف الحدود المغلقة وملف الاتحاد المغاربي وملف الصحراء الغربية, فالجزائر وفقاً لتصور الرئيس بوتفليقة تركز بصفة اساسية على ملف الحدود وترى ان الملفين الآخرين سياسيان, واحد يتعلق بكل الدولة المغاربية الاعضاء في الاتحاد, والثاني اي ملف الصحراء, لم تعد طرفا مباشراً فيه بعد ان اصبح في أيدي الأمم المتحدة, اما المغرب فتعطي الاولوية لملف الصحراء وتعتقد ان الجزائر ما زالت طرفاً مباشراً ومؤثراً, وتعطي للموقف الجزائري من هذا الملف حساسية شديدة, وظهر هذا في رد فعل الرباط على تصريحات حول الصحراء جاءت على لسان الرئيس بوتفليقة بعد فترة من تحسين العلاقات بينهما, وقد بذلت أوساط دبلوماسية جزائرية في الرباط محاولات لتطويق مضاعفات تلك التصريحات التي نسبت للرئيس الجزائري في شأن دعمه استقلال الصحراء, وهو ما يؤكد ان قضية الصحراء ما زالت جوهر الخلافات بين البلدين, وهي التي تدفع الى تسخين ملف الحدود, وتساهم في تعطيل عمل الاتحاد المغاربي طالما لم يتم حسم مشكلة الاستفتاء في الصحراء, والمتوقفة على مسألة تحديد هوية الافراد الذين سيشاركون في الاستفتاء. واوضح التقرير الاستراتيجي العربي انه على الرغم من كل هذه التفاعلات الصراعية في العلاقات العربية ـ العربية, تظل هناك تفاعلات وعلاقات تعاونية حتى ولو كانت عند حدها الأدنى, خصوصاً وان بعضها يدل على استعداد للتطورات الى ما هو افضل وهنا يشير التقرير الى حالتين لهذه التفاعلات, الاولى القمة التشاورية الخليجية التي عقدت في مايو العام الماضي وشهدت محادثات صريحة حول قضايا شديدة الأهمية مثل تطور علاقات بعض دول المجلس مع ايران, وملف علاقات دول المجلس مع العراق, كما نوقش ايضاً ملف السياسة الخارجية القطرية والتي تحظى بتحفظات واضحة من عدد من دول المجلس, اما الحالة الاخرى فهي المتمثلة في التراجع السريع لفكرة التجمع المشرقي الثلاثي, فقد سعى الاردن في عهده الجديد الى تأكيد دوره الاقليمي, ويبدو ان القيادة الجديدة قد توصلت الى اقتناع بأن الدور السياسي الاردني البارز في عملية السلام بدعم مسار المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, وبالحفاظ على متانة العلاقات مع اسرائيل والسلطة الفلسطينية في آن واحد لن يكفي للحفاظ على هذا الدور وتمكينه دون روابط اقتصادية قوية بين الاردن وسوريا على وجه الخصوص, ولذلك حرص الاردن على اللحاق بركب التعاون الاقتصادي السوري اللبناني خلال طرح فكرة انشاء تجمع أردني سوري ـ لبناني. كثير من العقبات وكشف التقرير عن وجود الكثير من العقبات الحقيقية والهيكلية التي تعوق ليس فقط تحقيق مستوى حقيقي من التكامل الاقتصادي العربي ولكن مجرد انجاز مرحلة تحرير التجارة, فلم يشهد العام 1999 حدوث نقلة نوعية في مواجهة كافة العقبات والمشكلات التي اعترضت تطبيق البرنامج التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة العربية رغم تسابق مؤسسات الجامعة العربية والمسئولين في الدول العربية والاعلام العربي عموماً من التأكيد على أهمية تنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والانطلاق منها الى مستويات اعلى من التكامل الاقتصادي, وخلال العام ذاته استمرت الدول العربية في تقديم طلبات استثناء بعض السلع من تحرير التجارة دون ان تكون هناك مبررات اقتصادية لغالبية طلبات الاستثناء التي تقدمت بها الدول العربية حتى الآن, ايضاً استمرت الدول العربية في فرض الضرائب والرسوم ذات الأثر المماثل للقيود الجمركية التي تعرقل التحرير الفعلي للتجارة وتضر بشفافية الحواجز التجارية كذلك استمر الخلاف بين الدول العربية بشأن تحرير التجارة بالنسبة للسلع المنتجة في المناطق الحرة الموجودة في الدول العربية, فضلاً عن كل ذلك فإن هناك سبباً موضوعياً لضعف مردود برنامج التجارة الحرة العربية وهو ما يتعلق بالافتقاد لأساس مادي لقيام تجارة واسعة النطاق بين الدول العربية نتيجة التشابه في هياكل الانتاج. ودعا التقرير الى ضرورة مواجهة العراقيل التي تواجه منطقة التجارة الحرة العربية والتي تقتضي اعتماد مؤسسة عربية هي القمة الاقتصادية السنوية التي يجتمع فيها قادة الدول العربية والذين يملكون كل السلطات في بلادهم من اجل تذليل هذه العقبات التي تواجه تحرير التجارة والانطلاق منها لمستوى أعلى من التكامل العربي. مزيد من التحسن وتحت عنوان العرب والتفاعلات الاقليمية اشار التقرير الاستراتيجي العربي الى ان صورة منطقة الشرق الاوسط في بدايات القرن الحادي والعشرين تتوقف على متغيرات العلاقات بين دولها العربية وغير العربية, أو بالأحرى ما ستكون عليه العلاقات بين الدول العربية الأساسية وكل من ايران وتركيا واسرائيل, والارجح ان تتطور هذه العلاقات في اتجاه يبتعد بها عما هو ظاهرياً من استقطاب او شبه استقطاب يضع ايران مع الدول العربية في جانب, ويرى اسرائيل وتركيا في الجانب الآخر ولقد شجع تصاعد التعاون العسكري بين تركيا واسرائيل في النصف الثاني من التسعينيات على شيوع هذا التصنيف, بدءاً من مبالغة شديدة في مدى ودلالات هذا التعاون, ووصولاً الى تجاهل الجوانب السلبية الكثيرة في العلاقات العربية الايرانية.. هذا في الوقت الذي شهدت العلاقات العربية ـ التركية تحسناً في العام الاخير من القرن العشرين, وفيما تبدو هذه العلاقات مفتوحة على مزيد من التحسن بفعل المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة وصلت العلاقات بين تركيا واسرائيل الى سقفها. فقد ارتبطت النقلة في هذه العلاقات بحاجة تركيا الى شريك متقدم في التكنولوجيا العسكرية بهدف تحديث قواتها المسلحة من ناحية, وبالعوائد المالية التي تجنيها اسرائيل من هذا التحديث من ناحية اخرى, ورغم ان هناك آفاقاً ما زالت مفتوحة للتعاون الاقتصادي الا انه من الصعب تحقيق نقلة كيفية من نوع امداد اسرائيل بمياه تركية حتى بعد ان قدم الرئيس التركي ديميريل عرضاً بهذا الخصوص خلال زيارته لاسرائيل في منتصف يوليو ,1999 وخاصة بعد ان تبين عدم جدوى ذلك من الناحية الاقتصادية, ولذلك وفي ظل هذا الاتجاه الذي يضع سقفاً للعلاقة بين اسرائيل وتركيا, تصير الاجواء مهيأة غالباً لمد مزيد من الجسور بين الدول العربية وتركيا, وخاصة اذا تواصل التحسن الذي حدث بين دمشق وانقرة اعتباراً من نهاية عا م1998ر فهناك آفاق مفتوحة لعلاقات تجارية تجاوز حجم المبادلات الذي بلغ 550 مليون دولار وفقاً للأرقام التركية في عام 1998 ولعلاقات اقتصادية متنوعة فضلاً عن ازدياد انتاج الغاز الطبيعي في سوريا يمثل بشرى خير لتركيا التي تزداد حاجتها اليه رغم الصفقة الكبرى التي عقدتها مع ايران في اواخر العام 1996ر وفيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين اسرائيل وايران وتوقعات المستقبل اكد التقرير انه على الرغم من عمق العداء بين ايران واسرائيل وقوة ركائزه على الجانبين, فالأرجح انه سيسير الى تراجع تدريجي في بدايات القرن الحالي, واذا كان هذا التراجع يقترن على الجانب الايراني بازدياد نفوذ الاتجاه الاصلاحي المعتدل, فهو يرتبط على الجانب الاسرائيلي بتدعيم ما يسمى ببوادر تفكير استراتيجي جديد وهو الذي يقوم على ادراك ان اهداف ايران من برامج التسلح هي اوسع بكثير من خوض معركة ضد اسرائيل وان ما يقال من عداء ايراني مطلق لاسرائيل ليس اكثر من اسطورة ويجادل اصحاب هذا التفكير بأن مشكلات ايران مع العراق اكبر منها مع اسرائيل, واكدوا ان الهدف الاول لايران لم يعد تغيير المنطقة وانما تأكيد دورها كلاعب مركزي او قوة اقليمية عظمى في الشرق الاوسط, ويدعو هذا التفكير الاسرائيلي الجديد الى اعادة النظر في كيفية التعامل مع برامج التسلح الايرانية وخاصة برنامج الصواريخ الذي يحرز تقدماً مستمراً, كما ينبه دعاة هذا التفكير الجديد الى وجود مصالح اقتصادية وتجارية يمكن ان تتنامى مستقبلاً, مدللين على ذلك باستمرار التبادل التجاري والفني عبر طرف ثالث رغم القطيعة الرسمية, وقدرت مصادر اسرائيلية حجم الصادرات السنوية الاسرائيلية الى ايران خلال عقد التسعينيات بحوالي 250 مليون دولار من المواد الغذائية والآلات الزراعية وتكنولوجيا الري, بينما بلغ حجم الصادرات الايرانية الى اسرائيل نحو 200 مليون دولار سنوياً من النفط الخام والمنتجات البترولية, ونوه التقرير الى ان العلاقات الايرانية ـ الاسرائيلية مرشحة لتغير الى الافضل في بدايات القرن الواحد والعشرين ولكن بشكل تدريجي, ايا يكن المسار الذي ستأخذه العلاقات العربية الايرانية التي ظلت الصعوبات امام تحقيق نقلة نوعية فيها قائمة حتى نهاية العام 1999ر توتر أكثر حدة اما بالنسبة للعلاقات التركية الايرانية فقد اشار التقرير الى انه وعلى الرغم من التوتر الذي تصاعد في هذه العلاقات في الصيف الماضي, يظل هناك سقف لأي تصعيد, فالتناقض الاساسي بين نظامي الحكم العلماني المتطرف في انقرة والاسلامي المتشدد في طهران ليس من نوع التناقضات التي لا يمكن التعايش معها, اذ ينحصر أثره في تبادل الاتهامات بالتدخل في الشئون الداخلية من وقت الى آخر والمفارقة ان المشكلة التي تثير توتراً اكثر حدة تتعلق بدعم كل من الدولتين لقوى مناوئة للأخرى, ولكن بعيداً عن هذا التناقض الديني ـ العلماني, فالطرف التركي الذي تدعمه ايران ليس اسلامياً وانما كردي (حزب العمال الكردستاني والطرف الايراني الذي تدعمه تركيا يعتبر علمانياً بدرجة او بأخرى) (مجاهدي خلق), ولقد تصاعد التوتر في يوليو الماضي اثر اعلان طهران ان طائرات مقاتلة تركية قصفت قرية ايرانية قريبة من الحدود وردت تركيا باعلان عدم صحة الادعاءات الايرانية وتوتر الجو بين الجانبين, ولكن لأن هناك سقفاً لهذا النوع من النزاعات فقد فتح تصاعد التوتر الباب امام مفاوضات امنية في الوقت الذي كان بعض المراقبين يحذرون فيه من نشوب حرب, ويعد اهم ما كشفت عنه مواجهة الصيف الماضي بين الطرفين وما انتهت اليه هو ان البلدين اللذين نجحا في استخدام اسلوب التلويح باستخدام القوة العسكرية ضد طرفين آخرين في العام 1998 (تركيا ضد سوريا وايران ضد حركة طالبان الافغانية), ادركا عدم امكان الالتجاء الى هذا الاسلوب ضد بعضهما البعض وفي كل الاحوال فإذا كانت التفاعلات الاقليمية تلعب دوراً بارزاً في تحديد مستقبل اي اقليم يظل للأوضاع الداخلية اثرها الواضح والذي تزداد اهميته في منطقة الشرق الاوسط التي تعاني دولها من مشاكل متفاوتة ولكنها كبيرة في مجملها, ولكن تختلف طبيعة هذه المشاكل في جمود عربي وتخبط تركي وانقسام ايراني, فالمشكلة الأكبر على الصعيد العربي العام هي الجمود الذي يسود التفاعلات الداخلية في الوقت الذي تتسم الحياة السياسية في البلاد الاخرى في المنطقة بحيوية ملحوظة تضفي عليها طابعاً ديناميكياً الى الحد الذي يجعل التفاعلات الداخلية في هذه البلاد مؤثرة ليس فقط على مستقبل المنطقة ولكن ايضاً على بعض الاوضاع والقضايا العربية. واوضح التقرير انه وعلى الرغم من نجاح زعيم حزب العمل الاسرائيلي ايهود باراك في انتخابات رئاسة الحكومة في مايو من العام الماضي, الا ان ذلك لم يؤد الى انتعاش الطرح الشرق اوسطي فعلى الصعيد السياسي ما زالت فكرة الشرق اوسطية مجرد طرح محدود النطاق والتأثير على الجانبين العربي والاسرائيلي ورغم شيوع اعتقادات واسعة لدى العرب الرافضين للمشروع الشرق اوسطي بأن المشروع يسعى الى فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية الاسرائيلية على الشرق الاوسط بأكمله, الا ان حركة التفاعلات السياسية في اسرائيل تكشف عن حقيقة ان فكرة الشرق أوسطية لا تحظى بالشعبية داخل اسرائيل ذاتها, ولا في داخل حزب العمل نفسه, وبالتالي فإن الفكرة الشرق اوسطية تعتبر في جوهرها مجرد طرح نظري يفتقر الى التكامل, كما تنقصه التصورات العلمية, وعلى الصعيد العسكري فإن فكرة الشرق اوسطية التي تم الترويج لها تنطوي على تنفيذ منظومة متكاملة من اجراءات بناء الثقة وضبط التسلح ولكن في ظل مجموعة محددة من الشروط تتمثل اولها في ضرورة التكامل بين اعمال بناء الثقة وضبط التسلح والتسوية الشاملة بحيث تكون اجراءات بناء الثقة وضبط التسلح مرتبطة ارتباطاً مباشراً مع عملية التسوية السلمية وفي هذا الاطار فإن اسرائيل لن تقبل فرض قيود على قدراتها النووية سوى في نهاية عملية التسوية وبعد ان تقبل جميع الدول في المنطقة صراحة بشرعية وجود الدولة العبرية, والملاحظ على الجانب العربي انه ظلت الرؤية الشرق اوسطية تثير هواجس واسعة لدى قطاعات هامة من السياسيين والمثقفين العرب وهو ما لم يساعد على خلق تيار قوي مؤيد لها, وحتى على الصعيد السياسي الرسمي فإن الأغلبية الساحقة من الحكومات العربية شدد على ضرورة التريث لحين استكمال عملية التسوية العربية ـ الاسرائيلية على كافة المسارات بحيث يمكن التوسع في مشروعات التعاون الشرق أوسطي سياسياً واقتصادياً وامنياً في فترة ما بعد تحقيق السلام الشامل والعادل بين الدول العربية واسرائيل, وربما تكون الاردن هي الدولة العربية الوحيدة التي سارت على طريق التعاون الواسع مع اسرائيل. عملية التطور الديمقراطي وبالنسبة للتطور الديمقراطي في الشرق الاوسط اكد التقرير الاستراتيجي العربي ان معظم دول الشرق الاوسط شهدت تطورات داخلية مكثفة ارتبطت بانتقال السلطة على مستوى أو آخر بأساليب مختلفة خلال عام ,1999 وبعيداً عن الحالات التي يرتبط فيها انتقال السلطة بالنمط الوراثي كالأردن والمغرب, او لا توجد بها مجالس تشريعية او محلية منتخبة كمعظم دول الخليج, جرت في بعض الدول العربية اضافة الى دول الجوار الجغرافي المحيطة بها عدة عمليات انتخابية تشير في مجملها الى ما وصلت اليه عملية التطور الديمقراطي بالمنطقة في نهاية القرن العشرين, وتوحي المؤشرات الاولية المقارنة لدلالات تلك العمليات الانتخابية بأن النظم السياسية في الشرق الاوسط لا تتطور في اي اتجاه واحد, وان اوضاعها الداخلية لا تتأثر كثيراً بما يجري داخل الدول القريبة منها, مع تفاوت واسع فيما بينها فيما يتصل باتجاهات عملية التطور الديمقراطي, فيما تشير العمليات الانتخابية التي جرت داخل الدول المجاورة للمنطقة العربية الى وجود مستوى متقدم من الممارسة الديمقراطية, تؤكد العمليات الانتخابية التي شهدتها بعض الدول العربية على بقاء الحال على ما هو عليه بصرف النظر عن اختلاف الاطر الدستورية التي تحكم تلك العمليات الانتخابية وعموماً فإنه يمكن تحليل أهم معالم عملية التطور الديمقراطي في الشرق الاوسط في المحاور الثلاثة التالية: اولاً: بيئات سياسية متباينة للعمليات الانتخابية في الشرق الاوسط فقد اختلفت البيئة السياسية المحيطة بالعمليات الانتخابية التي جرت في العديد من الدول من حالة لاخرى, لكن في معظم الاحوال شهدت تلك الدول ازمات متفاوتة الحدة احاطت بالعمليات الانتخابية التي جرت فيها ومارست تأثيرات عميقة على ادارتها ونتائجها يمكن رصدها في أزمة سياسية حادة في اسرائيل, وصراع حاد بين العلمانيين والاسلاميين في تركيا وتوترات بين المحافظين والاصلاحيين في ايران, وخلافات بين الحكومة والبرلمان في الكويت, وانتخابات تجديد رئاسة في مصر واليمن وتونس. ثانياً: الاطر التنظيمية للعمليات الانتخابية في الشرق الاوسط فنجد انتخابات على النمط الامريكي في اسرائيل, وانتخابات تحت تهديد السلاح في تركيا, ونزاهة مقيدة في الانتخابات الايرانية, وانتخابات درامية محكومة في الجزائر, وانتخابات محسومة في تونس, وانتخابات ذات طبيعة خاصة في الكويت, وانتخابات رئاسية مثيرة في اليمن واقبال على استفتاء الرئاسة في مصر. ثالثاً: النتائج النهائية للعمليات الانتخابية في الشرق الاوسط وهي التي توضح التطور الديمقراطي في المنطقة ليس فقط لما تطرحه من تساؤلات حول مدى تعبيرها او عدم تعبيرها عن المجتمع السياسي وتحولاته وتوجهاته في كل حالة, لكن ايضاً بفعل ارتباطها ببعض الخصوصيات في الدول العربية تحديداً, وقد اسفرت نتائج هذه الانتخابات عن عودة حزب العمل الى الحكم في اسرائيل, وحدوث مفاجآت في الانتخابات التركية واستمرار تقدم تيار (خاتمي) في ايران ووصول بوتفليقة الى رئاسة الدولة في الجزائر, وتحول تركيبة المجلس الوطني الكويتي.