كتب أحمد نافع مقالاً مطولاً في جريدة (الاهرام) القاهرية يدافع فيه بقوة وذكاء عن وجهة النظر المصرية التي ترفض بحزم التسليم بحق تقرير المصير لجنوب السودان, وقد استعان الكاتب في دعم حججه بآراء الدكتور احمد شوقي محمود العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة القاهرة (فرع الخرطوم) التي سبق نشرها , يقول الكاتب ان هناك مشاورات تجري لعقد مؤتمر الحوار الوطني بين الحكومة السودانية والمعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي) من اجل حسم قضايا الصراع السياسي والعسكري في السودان, وان من اهم موضوعات المؤتمر مشكلة جنوب السودان التي تقر كل الاطراف السودانية (حكومة ومعارضة وقوى جنوبية) باعطاء حق تقرير المصير لأبناء الجنوب, اما الوحدة مع الشمال او الانفصال عنه, في حين ان مصر ـ الداعية للمؤتمر بالاشتراك مع ليبيا ـ تعترض بحزم على التسليم بحق تقرير المصير, ويعلق نافع بأن ذلك يبدو امراً غير سائغ سياسياً وقانونياً, اذ كيف لمصر ان تعترض على ما اقره السودانيون في شأن خاص من شئونهم؟ والمقالة بكاملها هي عبارة عن تبرير لهذا الموقف (غير السائغ سياسياً وقانونياً) فما هي الحجج التي يستند عليها الكاتب في تبرير وجهة النظر المصرية؟ 1 ـ ان الاطراف السودانية لم تقبل بحق تقرير المصير للجنوب الا كسلاح سياسي يائس جاء في قمة الصراع السياسي والعسكري بين أهل السودان, وان هذا الحق سيحيل السودان الى اشلاء ممزقة ويدفع بالجنوب الى أتون حرب قبلية لا نهاية لها. 2 ـ ان اقرار حق المصير لا يمثل الارادة الحقيقية لكل الاطراف السودانية (الاحزاب الشمالية, الحكومة السودانية, المعارضة الجنوبية) لأنها لم تناد في الماضي بهذا الحق, ولأنه سيفتح على السودان مشاكل عديدة, فقد تطالب بالانفصال أقاليم اخرى مثل غرب السودان وبعض المناطق المهمشة, كما ستثور خلافات حول ترسيم الحدود ووضع الجنوبيين في الشمال, وافاض الكاتب في ذكر الاسباب التي دفعت بالاطراف السودانية لقبول حق تقرير المصير فقال ان الاحزاب الشمالية المعارضة قبلت بذلك في مؤتمر اسمرا 95 ارضاء للعقيد جون قرنق حتى تتقوى بحركته العسكرية ضد الحكومة, وان الحكومة السودانية أرادت بحق تقرير المصير ان تكسب الفصائل الجنوبية التي عقدت معها اتفاقاً في عام 97 وان تجذب حركة قرنق من التجمع المعارض وان تقيم الدولة الدينية التي ينادي بها الدكتور حسن الترابي, وان المعارضة الجنوبية ما طلبت حق تقرير المصير الا لأنها تشعر بأن حيفاً وقع عليها منذ الاستقلال مما ادى الى تخلف الجنوب عن الشمال ولأنها تخشى من اقامة دولة اسلامية تعطي تمييزاً للمسلمين على ابناء الجنوب غير المسلمين. 3 ـ ان رفض مصر القاطع لفكرة تقرير المصير ليس اعتراضاً على ارادة حقيقية أجمع عليها اهل السودان وانما لأنها جاءت في ظل اوضاع شاذة زال معظمها والبقية في طريقها الى الزوال عند انعقاد مؤتمر الحوار الوطني. 4 ـ ان موقف مصر ينطلق من موقف الشقيق الناصح الأمين ومن منطلق الاخوة الأصلية الاخلاقية, وليس سببه خشية مصر من تهديد مصالحها في مياه النيل ان قامت دولة افريقية في الجنوب يمكن ان تكون قاعدة اخرى لاسرائيل في المنطقة. ولأننا نختلف مع وجهة النظر التي ترفض اعطاء أبناء جنوب السودان حق تقرير المصير ولأهمية موقف مصر من هذه القضية فإنا نرجو ان نرد في هدوء وموضوعية على الحجج التي اوردها احمد نافع في مقاله المذكور. 1 ـ ليس هناك من بأس ان تعترف مصر بأن لها مصالح في السودان وأن هذه المصالح قد تتضرر لو قامت دولة منفصلة في الجنوب, فإن العلاقة المتينة بين الدول تبنى على المصالح وليس على العواطف او التمنيات ولن يصدق احد القول بأن (رفض مصر القاطع) لفكرة تقرير المصير سببه (موقف الشقيق الناصح الامين ومنطق الاخوة الاصلية الاخلاقية) , فقد شبع العرب من هذه الشعارات الجوفاء وآن لهم ان يتحدثوا بلغة واقعية تحترم العقول وتراعي المصالح المشتركة ونكران مصر ان لها مصلحة خاصة في وحدة الدولة السودانية يضعف من موقفها في التأثير على الاطراف السودانية او الدولية, فلا يعقل احد ان يكون لمصر هذا الموقف الحاد من شأن سوداني دون ان يكون لمصر مصلحة في الامر, ويبدو ان مصر تتحدث مع الولايات المتحدة بلغة المصالح ومع السودانيين بلغة العواطف لذلك سارعت الولايات المتحدة بتطمين مصر ان قيام دولة مستقلة في الجنوب لن يهدد مصالحها في مياه النيل وان العقيد جون قرنق يتعهد بذلك, وبناء على تلك المصلحة يصبح من المقبول ان يكون لمصر رأي في مشكلة جنوب السودان وان تبلغ هذا الرأي للأطراف السودانية لتأخذه في الاعتبار, ولكن ليس من المقبول ان يكون لمصر حق (الفيتو) في مشكلة الجنوب لانها في نهاية المطاف شأن سوداني خاص يكتوي بناره اهل السودان ومن حقهم البت فيه بما يرون انه يرعى مصالحهم ويتجاوب مع رغبة جماهير بلدهم, والافصاح عن مصلحة مصر مفيد لها لأنها يمكن ان تكون محل نقاش في مؤتمر الحوار بحكم انها احدى الآثار الجانبية لحق تقرير المصير وينبغي ان تجد المعالجة المناسبة. 2ـ القول بأن حق تقرير المصير جاء كحل يائس في قمة الصراع السياسي العسكري بين اهل السودان وانه لا يمثل الارادة الحقيقية للقوى السياسية السودانية قول يجافي الحقيقة ولا يخلو من استهانة واستخفاف بكل الزعماء السودانيين الذين وافقوا على حق تقرير المصير. لقد أخذت مصر سنوات طويلة قبل ان توافق على حق تقرير المصير لأهل السودان في اتفاقية عام 53 لأنها كانت تعتقد ان السودان تابع لها ولا ينبغي ان يعطى حق تقرير المصير ولو ادى ذلك الى تأخير نيل السودان استقلاله, فلا ينبغي لمصر ان تقع في ذات الخطأ مرة ثانية وتعارض حق تقرير المصير لأبناء جنوب السودان. ان التسليم بحق تقرير المصير لأهل الجنوب لم يأت نتيجة لمناورة تكتيكية بين الحكومة والمعارضة ـ وان ساهمت الظروف الحالية بعقد اجماع حوله من قبل كافة القوى السياسية ـ فمشكلة الجنوب اكبر من ذلك واكثر تعقيداً من ان تحل بمناورة سياسية, تمتد جذور المشكلة منذ عهد الانجليز حين فصلوا بين الشمال والجنوب وفتحوا الجنوب لنشاط الكنائس والارساليات التبشيرية ومنحوهم احتكار خدمات التعليم والصحة مما اجبر كل تلاميذ المدارس في الجنوب ان يدخلوا الديانة المسيحية ويغيروا اسماءهم المحلية الى اسماء كنسية في حين منعوا بالقانون من ان يسموا اطفالهم بأسماء أهل الشمال او يلبسوا ملابس اهل الشمال, وعاشت الكنيسة على الدعاية ضد العرب والمسلمين بدعوى انهم استرقوا ابناء الجنوب في وقت مضى لذلك بدأ التمرد في الجنوب ضد حكومة السودان في اغسطس ,1955 اي قبل ان يعلن السودان استقلاله في يناير 1956 وكان الحاكم البريطاني ما زال هو رأس الدولة رغم وجود حكومة سودانية منتخبة لم يتجاوز عمرها سنتين في الحكم. واستمر التمرد وحرب العصابات في الجنوب منذ ذلك الوقت والى اليوم يهدأ حيناً ويشتعل في معظم الاحيان, لا فرق في ذلك بين حكومة عسكرية او ديمقراطية بالرغم من ان كل الحكومات السودانية كانت تمثل الجنوبيين بثلاثة او اربعة وزراء ولهم ممثلون في البرلمان بنسبة تعدادهم السكاني. ان استمرار الحرب الاهلية في الجنوب لاربعين عاماً أهلك موارد السودان البشرية والمادية, وادى الى زعزعة الاستقرار السياسي, والى فقدان الثقة بين زعماء الشمال والجنوب, ما دفع بالقوى السياسية اليوم ان تقبل بحق تقرير المصير بعد ان فشل الطرفان في التعايش معا كل هذه الفترة الطويلة وعلى مدى كل الحكومات المتعاقبة. وقد دمر الجنوب في هذه الحرب المتطاولة كما خسر الشمال موارده المحدودة التي كان ينبغي ان تمول نهضته المادية والاجتماعية, كما خسر استقراره السياسي. واختارت مصر ان تقف من تلك الحرب الاهلية موقفاً محايداً فلا تقدم اي دعم للحكومة الشرعية ضد حركات التمرد في الجنوب, لا فرق في ذلك بين حكومة النميري التي لها اتفاقية دفاع مع مصر او حكومة الصادق المهدي المنتخبة او حكومة البشير الاسلامية وتعلم مصر من هي القوى التي تدعم حركات التمرد في الجنوب, وان امكانات السودان لا تستطيع مواجهة ذلك الدعم الخارجي الذي يأتي من دول كبرى واخرى مجاورة ومنظمات كنسية تفوق ميزانية بعضها ميزانية حكومة السودان, كان لابد لأهل السودان في الشمال والجنوب ان يصلوا الى نتيجة منطقية تقول: يكفي ما حدث لنا من دمار, وما ضاع منا من سنوات العمر, وما خسرناه من شباب ورجال, وما تعرض له اهلنا من مآس وعذاب, وآن لنا ان نسلم بأننا فشلنا فشلاً تاماً في التعايش معاً ومن الأحسن لنا ان نفترق بمعروف, وبما ان هذه النتيجة قاسية وبعيدة الأثر فينبغي ان يرد الامر فيها الى أهل الجنوب انفسهم حتى يتحملوا مسئولياتهم التاريخية امام الاجيال القادمة, وطالما اختارت مصر الحياد في تلك الحرب الاهلية المدمرة فعليها ايضاً ان تقف على الحياد حين يجمع أهل السودان على حل سياسي ولو ادى ذلك الحل الى انفصال الجنوب عن الشمال. 3 ـ يخوفنا احمد نافع بأن حق تقرير المصير للجنوب سيؤدي الى مطالبة اقاليم اخرى مثل غرب السودان وبعض المناطق المهمشة بذات الحق, كما انه سيقود الى خلافات حول ترسيم الحدود ووضع الجنوبيين في الشمال. يبدو ان الكاتب تأثر بأدبيات حركة التمرد في الحديث عن (المناطق المهمشة) , ولكن الحقيقة الموضوعية تقول ان الاختلاف بين الشمال والجنوب هو الاكثر عمقاً بين أهل السودان لأنه اختلاف عرقي وديني وثقافي ولغوي وقد تسبب في حرب ضروس امتدت لأربعة عقود من الزمان, وهذا ما لم يحدث مع اي اقليم آخر من اقاليم السودان وقد اتفقت الاطراف السودانية على ان حدود الجنوب هي الحدود التي تركها الاستعمار في يناير 56 مع التسليم بأن هناك مشكلة تداخل رعوي في بعض مناطق غرب السودان, وهذه مشكلة قابلة للمعالجة في مؤتمر الحوار الوطني او بعده, وقد احتمل السودان لأكثر من ثلاثين سنة استضافة اللاجئين الاريتريين ومن بعدهم الاثيوبيين والاوغنديين والتشاديين, فمن باب اولى ان يحتمل استضافة ابناء الجنوب في الشمال حتى يعودوا طواعية الى بلدهم, والسودان ليس اول بلد ينفصل عنه اقليم من اقاليمه فقد سبقته الى ذلك بلاد كثيرة مثل باكستان, تشيكوسلوفاكيا, يوغسلافيا, الاتحاد السوفييتي, اثيوبيا. ومعظم هذه البلاد استطاعت ان تتجاوز تجربة الانفصال وان تتعايش البلد الام مع الاقليم او الاقاليم التي انفصلت عنها وتنشئ معها علاقات طبيعية.. ولن يكون السودان اسوأ حالاً من هذه الدول خاصة ان جاء الانفصال بناء على اجماع القوى السياسية على حق تقرير المصير لأهل الجنوب واختار أهل الجنوب الانفصال عن الشمال. تقدم الكاتب في نهاية مقالته بتوصيات للدبلوماسية المصرية حتى تستطيع ان تقنع الدول الكبرى, والمعارضة السودانية الشمالية, والمعارضة الجنوبية, وحكومة الرئيس البشير, ودول الايجاد, بعدم جدوى حق تقرير المصير, وكل هذه الدول والقوى المذكورة مقتنعة بأهمية اعطاء حق تقرير المصير لأبناء الجنوب من اجل حل مشكلة تطاول بها الزمن, ويعترف الكاتب بأنها (مهمة بالغة الصعوبة) ومحكومة بوقت قصير ولا نتوقع ان تستطيع الدبلوماسية المصرية تغيير آراء كل هذه الدول والقوى السياسية المعنية, ونرجو الا يعني ذلك تأجيل مؤتمر الحوار الوطني الجامع او صرف النظر عنه من قبل مصر.