تابع المشاهدون لتلفزيون جمهورية السودان في نهاية الأسبوع الماضي احتفالات مبتهجة لأنصار السيد محمد عثمان الميرغني من الختمية, بمناسبة تسلم لجنة مفوضة من قبله, منزل زعيم الحزب من السلطات المختصة في الخرطوم. وقد كان بث هذه المناسبة في التلفزيون الرسمي موضوعا مثيرا للتعليقات والاهتمام, خاصة وقد سمح لمؤيدي الميرغني بالاحتشاد وإلقاء كلمات بالاضافة للانشاد الديني. وذلك لأن السلطات في محافظة الخرطوم تصدت في مناسبة سابقة لموكب الاتحاديين الذي كان ينوي الاحتفال بمناسبة الاستقلال. وكانت فرصة الحكومة للحديث, انتهزها رئيس هيئة المظالم والحسبة الدكتور محمد أبوزيد الذي قال للصحافيين: إن 90% من أملاك آل الميرغني سلمت وان الأيام المقبلة ستشهد تسلم بقية ممتلكات آل المهدي المصادرة (الحياة 3/2/2000) وأكد انه لا توجد أي عقارات مصادرة من معارضين جنوبيين عدا عقار واحد تم تسليمه لصاحبه في مدينة جوبا. وناشد جميع المعارضين الذين لديهم ممتلكات مصادرة, الاتصال به أو توكيل من ينوب عنهم في ذلك. كان الذوق الدارج يقتضي ان نعبر عن الفرحة لهذا السلوك الرسمي مجملا: ارجاع الممتلكات نفسه ثم السماح ببث الاحتفال في التلفزيون, وان نقول ان ما حدث هو دليل على الانفتاح وخطوة نحو الوفاق. وفي الوقت نفسه ان نشارك السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي, الفرحة و الابتهاج. ولكن مثل هذا الشعور كان بعيدا عن النفس, لأن ما يعتبر لفتة وتعبيرا عن حسن النية, هو أبعد من ذلك كثيرا بل العكس قد يكون طريقة ماكرة لسوء النية ولا يبشر بخير كثير في اتجاه تحقيق الوفاق أو الحل السلمي الشامل. ويعود هذا التقييم لسبب بسيط للغاية وهو ان النظام يخلط الأولويات المطلوبة لتحقيق الوفاق. فالسؤال هل المطلوب أولا استرجاع الحريات والحقوق الديمقراطية ثم بعد ذلك تسترجع الممتلكات آليا لأن المصادرة حسب الأوضاع الجديدة تعتبر باطلة قانونيا وليس لها أي سند دستوري. ولكن ما يحدث الآن هو الانشغال بقضايا جانبية فعلا ويسبب هذا ضررا بالغا للقضية الأساسية والجذر وهي عودة الديمقراطية. والنظام يستثمر جيدا مثل هذه القرارات في تحسين صورته واعطاء انطباع زائف بأنه يعمل على احداث تغييرات سياسية حقيقية. دعنا نعود قليلا الى الماضي, فقد قام النظام الحالي بمصادرة ممتلكات المعارضين كنوع من العقوبة والملاحقة وإحداث أكبر ضرر ممكن على المعارضين. لذلك كانت المصادرة قرارا سياسيا وليس قانونيا اذ لم تقرر المصادرة في كثير من الأحيان محكمة حتى ولو كانت محكمة طوارئ. ولأن القرار سياسي كان لابد ان يأتي ضمن التسوية السياسية الشاملة. ولكن النظام يحاول ان يعيد ترتيب الاهتمام لدى المعارضة مما يؤدي الى مزيد من الخلافات بين صفوف المعارضين خاصة وانه ليس كل المعارضين اصحاب ممتلكات, رغم ان التجمع كان قد أخطأ حين وضع ارجاع الممتلكات ضمن الشروط الأساسية لتهيئة الأجواء, الا انه كان من المفروض ألا يقبل تجزئة تنفيذ المطالب كما يحدث الآن. إن فكرة المصادرة واقحامها في الصراع السياسي والذي يفترض ان يكون صراعا بين الأفكار والبرامج والأيديولوجيات, هي تعبير عن تخلف بين في ادارة الصراع وخروج عن اخلاقيات العمل السياسي. وفكرة المصادرة لممتلكات المعارضين هي نوع من (الهمبتة) ونقل قيم الانتقام والتشفي الى ميدان السياسة. وقد كان لعبقرية النميري التي لا يحسد عليها, الفضل في ادخال مثل هذه القيم والسلوكيات البربرية في العمل السياسي. ولأننا نتعامل مع التاريخ بقدر كبير من اللامبالاة وعدم الاعتبار, لذلك لم تتم محاكمة النميري ونظامه كاملا أي محاكمة الذين قاموا بالعملية العسكرية للانقلاب ومن شاركوا في الحكم ومن دبجوا النظريات والمواثيق. لم نحاكم ونحاسب النميرية, فمن الطبيعي ان تأتي البشيرية والترابية لتواصل سلوكا غوغائيا, ثم نكرر الخطأ نفسه أي عدم الادانة والتجريم. إذ كان من المفروض ألا تسلم الممتلكات بهذه الطريقة البلدية والساذجة. وان تكون مناسبة لادانة النظام واعتذاره. ففي الذي حدث نهاية الأسبوع تنازل عن حقوق أخرى مقابل استرجاع حق مادي. الأهم من ذلك كله, لقد قام النظام الحالي فور تسلمه السلطة بمصادرة كل الحريات والحقوق الأساسية للانسان السوداني, والأوامر الدستورية الاولى بدأت بمصادرة هذه الحريات والحقوق من خلال حل التنظيمات ومنع التعبير واغلاق الصحف ومنع السفر والحركة بل مصادرة حق الانسان السوداني في العمل بسبب الفصل التعسفي تحت ادعاء الصالح العام. فقد كان من الطبيعي ان يبدأ النظام باسترجاع الحريات للشعب السوداني ليس فقط لأهميتها ومبدئيتها في أي وفاق أو حل للأزمة السودانية, ولكن ـ ببساطة ـ لأن النظام بدأ بمصادرتها قبل كل شيء. والآن بعد مضي شهرين على قرارات تصحيح المسار ظل وضع الحريات المصادرة كما هو. فالنظام يصر على ان الحريات وممارسة النشاط السياسي والثقافي وحقوق التعبير التنظيم, هي مجرد هبة أو مكرمة يعلن عنها الفريق البشير في المؤتمرات الصحفية وفي المطارات العديدة التي زارها خلال الفترة الماضية, فهو يخاطب المعارضة ككيان هلامي أو صورة ذهنية وليس كمؤسسة وكيان يتمثل في التجمع والأحزاب والقوى السياسية والنقابية المختلفة. فالوضع الطبيعي ان يبدأ بالالتقاء بها ويناقشها مباشرة, وهي موجودة في الداخل. ولكن النظام حتى حين يريد التحدث الى المعارضين يصر على تقسيمهم وتصنيفهم ويحاول ان يفضل معارضين على معارضين آخرين. لكي يكون المرء عادلا وموضوعيا يجب ألا يلوم النظام فهو له مبرراته فيما يفعل حسب المنطق الداخلي لحركته وحكومته, فهو ممسك بسلطة لا يريد ان يتخلى عنها مجانا. ولكن العيب في المعارضة التي قبلت بدور التابع للنظام دون ان تدري لأنها تتعامل بردود الفعل والنظام ما زال مبادرا. كما انها تساعده كثيرا في مناوراته وتسويفه وشق صفوفها. والمثال واضح في موضوع ارجاع الممتلكات الذي نناقشه الآن. اذ ينشغل بعض المعارضين بالتفاوض حول هذه الممتلكات وحالتها الراهنة وما تم فيها من تلف وقد نسمع بعض قليل حديثا حول تعويضات كما حدث خلال الديمقراطية الثالثة. لابد ان تحدد المعارضة الأولويات والوسائل لانجاز هذه الأولويات. والشعب السوداني الذي يعاني طوال هذه السنوات يطالب أولا باسترجاع الحريات المصادرة لأنه بعد ذلك يستطيع ان يختار نظام حكمه الذي نتمنى هذه المرة ان ينهض من قاع الفقر والحرمان وان يعيد له كرامته التي أهدرتها النظم العسكرية والمدنية, بقصد وسوء نية أو بحسن نية وسوء تدبير وفهم.