وضعنا مؤخرا نصب الأعين ضرورة بلورة ومأسسة مشروع قومي لعرب هذه البلاد بحيث يقف على رجلين: الهوية القومية والديمقراطية, أو المواطنة المتساوية والانتماء القومي. اذا ما فصلنا بين المفهومين أو البعدين, القومي والديمقراطي ـ فسوف تتحول القومية الى مجرد شوفينية وسياسات هوية خاوية, تستر على التخلف بالمزاودات الوطنية وتخفي عيوب المجتمع العربي نفس العيوب التي تشل قدرته على المواجهة القومية. ولذلك عندما نقول الفكر الديمقراطي لا نقصد ان تكون القومية لنا في حين تبقى الديمقراطية من نصيب اسرائيل المطالبة بتحقيق المواطنة الديمقراطية والمساواة وغير ذلك, بل نقصد ان تكون قوميتنا ديمقراطية ايضا. وهل بإمكان القومية ان تكون ديمقراطية؟ بالطبع الديمقراطية كنظام حكم وكنهج ينظم العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين المواطنين غير ممكنة دون دولة ـ هذا هو المفهوم الاساسي للديمقراطية, ولكننا نسعى الى بناء مؤسسات قومية تمثيلية, وهذا المسعى كاف بحد ذاته ليطرح مسألة الديمقراطية. ولكن قبل هذا كله علينا في التيار القومي ان نسأل انفسنا: هل تتوفر لدينا ثقافة ديمقراطية تجعل من توجهنا القومي توجها متنورا عقلانيا غير منغلق ولا متعصب؟ غياب الوجهة الديمقراطية التنويرية للفكر القومي قد يؤدي الى وجهة اخرى اصولية لا تبعد كثيرا عن الاصولية الدينية اذا كان ذلك في نمط الوعي او من حيث الاكثار من استثمار الخرافات والاساطير مع الفرق انها قد تكون اساطير وخرافات دنيوية وليست دينية. ومن مسلمات التوجه القومي الديمقراطي ان القومية رابطة سياسية ـ ثقافية حداثية تؤسس علاقة بين الفرد والمجتمع ككل يكون فيها الفرد مواطنا, والمجتمع صاحب سيادة. وأصدق تجليات هذه العلاقة النظرية وأكثرها مقاربة لمفهوم السيادة والمواطن هو الدولة الديمقراطية الحديثة. ولذلك يرفض هذا التيار التعريفات الجوهرانية المتعالية والمتسامية للقومية باعتبارها جوهرا لا تاريخيا أو عنصرا بشريا ثابتا او ثقافة عضوية ذات سمات مستقلة لا تتأثر بالزمان والمكان والثقافات الاخرى. القومية العربية تختلف جذريا عن العروبة الاثنية, أو عروبة اقوام ما قبل الفي عام, وما يجمعهما هو الرابط التاريخي الذي يؤرخ للعرب وللثقافة العربية في محاولة لتشكيل ذاكرة جماعية لقومية عربية ـ هذا الرابط متشكل بالفكر الذي يؤرخ له وليس معطى طبيعيا قائما ومستقلا عن الفكرة القومية ـ ولذلك قد يكتب بتحقيب مختلف ومن بدايات مختلفة ـ وقد يكتب هذا التاريخ من منطلق عقلاني ونقدي يفند الاساطير من خلال فهم وظيفتها ودورها كما وقد تزيد الكتابة القومية من اسطرته. من يحاول ان يفهم التاريخ العربي كوحدة متناسقة ذات بداية ورواية جامعة وحبكة بأبطال ومآس وانتصارات وهزائم وعصر ذهبي وعصور انحطاط ـ يحاول عملياً ان يفرض وجهة نظر قومية على تاريخ غير قومي, تاريخ أقوام عربية وثقافات متعددة في ظل دولة ضعيفة غير مركزية ـ والقصة, الرواية الحبكة, هي وليدة الدولة القومية الجامعة ذات اللهجات المتقاربة والسوق الاقتصادي الموحد, وبالتالي ذات التاريخ الواحد وعندما تغيب الوحدانية عن الواقع ويحاول العقل فرضها عليه ليصبح واقعاً واحداً, تكون وحدانية الواقع نفسية عقلانية, والنفس او العقل ممتزجاً بالواقع هو الخرافة او الاسطورة ـ التاريخ يصبح قصة او رواية او مؤامرة يستخلصها الراوية من الاشياء بعد ان يكون العقل الجماعي قد غرسها في الاشياء. تفهم القومية الديمقراطية ذاتها كرابطة حداثية ذات مخزون ثقافي وتراثي تقف عليه بقدميها ولا تغرق فيه, ويبقى رأسها حراً طليقاً في فضاء الحداثة وكما لا تفهم القومية الديمقراطية ذاتها كعنصر ثابت غير متحول, كذلك فهي لا ترى الآخر ولا تحكم عليه عنصرياً وكما لا ترى القومية الديمقراطية تاريخها كرواية بطولية او مأساوية كذلك فإنها لا ترى تاريخ الآخر كأنه مؤامرة واحدة متتابعة. دمقرطة الفكرة القومية تجعل الفكرة قومية فعلا لا قولاً لان التعبير الاكثر مقاربة لارادة الأمة هو التعبير الديمقراطي عنها, ولأن التعبير الأفضل عن الفرد كمواطن في الأمة وليس كعضو في العشيرة او القبيلة او الطائفة هو التعبير الليبرالي عن الفرد ككيان حقوقي خاص ذي حقوق وواجبات تجاه العام وتجاه خصوصية الافراد الآخرين. ودمقرطة الفكرة القومية تجعل تقمصها صعباً وقد تصبح القومية مجرد تعصب اقوام خال من اي مضمون ومجرد حقد اجوف وتافه ضد الآخر أقصر الطرق لتلبيس ابليس. وما اسهل ان يتحول عميل الى (قومي) لانه لم يكافأ لدى مشغليه او لم يأخذ حقه منهم كما يجب دون ان يمر بأي تحول سياسي او قيمي او فكري. كل ما عليه ان يفعله هو ان يحول اعجابه وافتتانه بسطوة وقوة الآخر الى حقد عليه كشر مستطير وكمؤامرة عالمية واحدة لا تنتهي, وان يحول عقدة النقص لديه من انتمائه لقوم المغلوبين الى تعصب لهم, وبقدرة قادر يصبح ما كان تخلفاً عقيماً بنظره اصالة يجب التمسك بها. ودمقرطة الفكرة الديمقراطية ضمان من التجاء كل عيوب المجتمع العربي اليها كملاذ لها من حتميات التطور وضروراته ومتطلباته, وهي ذاتها متطلبات القومية كأمة حديثة, وما اسهل ان يحتمي التخلف بالقومية باعتباره اصالة يجب الحفاظ عليها ضد عملية التثاقف واستيراد الافكار, وما ايسر ان يلجأ قمع الفرد اليها باعتباره خصوصية تراثية تتضمنها العشيرة والقبلية, وما ابين واظهر من تدفق عديمي الكفاءة والأهلية اليها لتبرير فشلهم بالمؤامرة العالمية المدبرة او التمييز العنصري اللاحق بهم, وما اسرعهم بالتخلص من عبئها, اقصد من عبء القضية القومية, عندما تتاح لهم من جديد فرصة الاندماج في النظام القائم. الفكرة القومية الديمقراطية اساس لنهضة تنطلق من ثقة بالذات ووثوق من الهوية الثقافية وثوقاً وليس تعصباً ولكن النهضة قد تعاق بفعل تبني القومية شكلاً لا فكرة نخطئ خطأ فادحاً وكارثياً اذا ربينا شبابنا على ان القومية هي المنقذ من الضلال لأنها قد تصبح الضلال بعينه بدون بعدها الديمقراطي التنويري وما قيمة القومية والمشروع القومي اذا لم يكن قادراً على مجابهة تحديات العصر, واذا كان مضطراً بدلاً من مجاراة متطلبات العولمة ان يحول العولمة الى مؤامرة على العرب من بين مؤامرات الحداثة الاخرى التي تحطمت على صخرة اصالتنا وتخلفنا؟