قبل استقالته من البنك الدولي, ليعود ثانية الى التدريس في جامعة كاليفورنيا وإلى الأمل في الحصول على جائزة نوبل للاقتصاد, حضر الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستجلتز (J. Stiglitz) الى القاهرة, مدعوا من قبل منتدى البحوث الاقتصادية فيها, قبل حوالي الشهرين. وقال في كلمته : ان الوطن العربي من أقل مناطق العالم العربي عولمة. ودلل على ذلك بمقدار حصة الوطن العربي من التجارة الدولية. وبالطبع فإن التعميمات على الوطن العربي بأكمله لا تعكس الحقيقة, بسبب التباين الكبير بين الأقطار العربية, وبين منطقة عربية وأخرى, ولا نريد الخوض في أسباب ذلك, ويكفي للباحث ان يستقي الأرقام التي يريدها في هذا الشأن من مركز المعلومات المتميز الذي أقامه الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي, وكذلك التقرير الاقتصادي العربي الموحد الذي يصدر من الجامعة العربية, وصندوقي الانماء والنقد العربيين, والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار. والأردن يتمتع بنسبة مرتفعة من تجارته الخارجية مع الأقطار العربية الأخرى, والتي تشكل حوالي 40% من مجموع صادرات الأردن ومستورداته الاجمالية. ويعتمد الأردن في جزء كبير من دخله بالعملات الأجنبية على حوالات العاملين في دول الخليج, وعلى صادراته السلعية والخدمية مع أشقائه, وكذلك على التحويلات في حساب رأس المال سواء على شكل استثمارات مباشرة, أم استثمارات مالية قصيرة الأجل مثل الوديعتين لدى البنك المركزي من كل من السلطة النقدية في دولة الامارات العربية المتحدة, ومن الصندوق العربي للانماء في دولة الكويت. ولكن الأردن الذي كان من الدول الأولى التي وقعت على اتفاقية التجارة العربية الحرة, لن يستمر كثيرا في الاعتماد على علاقاته العربية في أهدافه الساعية لزيادة معدلات النمو والصادرات وجذب رؤوس الأموال. فلقد وقع الأردن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. والتي من المتوقع ان يبدأ تنفيذها بعد استكمال اجراءاتها القانونية في جميع دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي. وكذلك, فإن مجلس الأمة الأردني بصدد دراسة وإقرار اتفاقية الأردن للدخول عضوا في منظمة التجارة العالمية. وكذلك, فإن سياسة الخصخصة التي يسير الأردن عليها قد وصلت الآن مرحلة التنفيذ. ولعل أبرز قرار في هذا الشأن كان التوقيع قبل عشرة أيام على اتفاقية بيع 40% من أسهم شركة الاتصالات الأردنية الى ائتلاف فرنسي عربي أردني بقيمة 508 ملايين دولار. وتعتبر هذه الصفقة هي الخطوة نحو مزيد من الخصخصة بعدما طال الأمد عليها بين الدراسة والتناحر بين المؤيدين للخصخصة وبين المتنافسين للفوز بهذه الأسهم الواعدة والمعارضين لها. وإضافة الى ذلك, فإن الأردن يرتبط الآن باتفاقية مع الولايات المتحدة من أجل التصدير بدون جمارك من المناطق الصناعية المؤهلة, والتي تم توسيع نطاقها بشكل كبير. وقد بدأت كثير من الشركات العالمية في اقامة مصانع لها هناك. ان حصيلة التطورات على الوضع الاقتصادي الأردني توحي بأن علاقاته العربية سوف تقل من حيث النسبة. ولكن هذه النتيجة ليست حتمية بالضرورة اذا تم انجاز منطقة التجارة العربية الحرة بشكل فعال. ان الوطن العربي كله قادر على ان يتكامل اقتصاديا ويبقى منفتحا على العالم في نفس الوقت. والقضيتان غير متناقضتين, والنمو في احداهما يجب ألا يكون على حساب الأخرى. ان ما قاله (ستجلتز) صحيح, ولكنه قال أيضا ان العلاقات العربية الاقتصادية نفسها قليلة, وغير واعدة رغم نموها في السنوات الأخيرة, فهل تكون العلاقات العربية البينية من باب الجمع لا من باب البين؟ ان هذا هو الفحص الحامضي للوطن العربي كله, والأردن جزء لا يتجزأ منه, أما اذا بقيت الدول العربية, تواجه العولمة, منفردة متفرقة, فإن مصير ارتباطها بالعالم سيكون أقوى من الجوامع التي تنسق عملها المشترك, وتصير به نحو مكانة مرموقة لكل دولة وللمجموع.