تمر المجتمعات السياسية بمرحلة من مراحل القلق السياسي الذي تبدو فيه جميع القوى السياسية والاجتماعية غير راضية عن الاوضاع السائدة وغير مقتنعة بها. حتى تلك الفئة المستفيدة من تلك الاوضاع تظل تشعر بان هناك خطأ ما وان الامور لاتسير على مايرام وتجد الحكام والمسئولين عن تلك الاوضاع ـ وعلى كل المستويات ـ يشكون من سوء الاوضاع وكأن قوى خفية هي التي تصنع كل هذه الشرور اما هم فيبرأون الى الله من كل مايجري. اخطر ماتقع فيه مثل هذه المجتمعات هو العيش في ضبابية مفرطة لاتستبين فيها مشكلتها الحقيقية, ولاتتضح لديها معالم الطريق للخروج من هذا النفق المظلم . مثل هذه المجتمعات تتجه في حالة الضيق الى ثورات هوجاء الهدف منها التخلص من الوضع القائم بصرف النظر عن النتائج فتتراكم الاخطاء وتتعقد المشاكل حتى يبدو وكأن الثورة كارثة على الوطن لاوسيلة تغيير لوضع سيىء وتحقيق وضع افضل لانه في ظل الاحباطات المتوالية, وغياب الوعي وتصاعد الحراك الاجتماعي العشوائي الذي تحدثه الثورات تنمو مشاكل المجتمع وتتعدد صراعاته وتطلعاته, وينتشر الفساد وتنهار القيم والاخلاق السائدة دون رسوخ او احلال قيم صالحة بديلة .. وفي ظل هذه الاوضاع تبرز التكتلات والهويات المتخلفة وتنمو الصراعات المناطقية والقبلية والاثنية والطائفية ويتصاعد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين قوى تملك كل شيء وقوى لاتملك شيئا, وقوى تهيمن على كل شيء وقوى لاحول لها ولا طول. هذه الاوضاع القلقة تهيىء المناخ للقوى المتطرفة الديماغوجية الجاهلة والمغامرة التي تستغل السخط العام لتقود الوطن الى كارثة جديدة قد تدخل المجتمع حروب وصراعات تمزق بنيته وتفتت وحدته, وتعيده الى عصر ماقبل المجتمع السياسي, اي ماقبل الدولة, وما الصومال, وافغانستان وغيرهما سوى نماذج لتلك النهاية المؤسفة. المتتبع للتأريخ اليمني يجد ان الصراع على السلطة والثروة قد شكلا العامل الاساسي في الصراع بين اليمنيين كما شكل هذا الصراع العامل المساعد لكل القوى الخارجية التي زحفت على اليمن او التي ظلت تتآمر على وحدته واستقراره وما الصراعات الدينية والمذهبية والمناطقية والعنصرية والقبلية, في جوهرها الاصراع على السلطة والثروة. ولان اليمن بلد فقير وامكانياته محدودة فان الحصول على الثروة يتطلب ان يكون على حساب الفئة المحكومة ولهذا تصبح السلطة اداة للقهر والظلم والافتئات. وحين تقفز الى الحكم عصبة او فئة اجتماعية معينة يكون اول عمل لها هو قتل وسلب ونهب وتشريد الفئة السابقة واضطهاد افرادها وجميع المنتمين اليها مناطقيا او قبليا او مذهبيا, او سلاليا او حزبيا وبصرف النظر عن مشاركة هؤلاء المنتمين في السلطة وامتيازاتها من عدمه, بل وبصرف النظر عن مشاركتهم الفعالة في الاطاحة بالنظام السابق المحسوب عليهم. تسير العصبة الجديدة على نهج الحكم السابق في احتكار السلطة والخروج وحرمان الآخرين منها واستلاب القوى المنتجة بكل الوسائل الممكنة وتظل كذلك حتى تطيح بها فئة اخرى لتسير بالامور على نفس المنوال وفي نفس النفق المظلم الذي كلف اليمن الكثير ليس امنه واستقراره وتطوره وحسب وانما كلفه الكثير من سيادته ووحدة اراضيه ايضا لان الفئة المتسلطة على الحكم تحتكر المال والسلاح والسلطة فلاتجد القوى المعارضة من سبيل لها سوى اللجوء الى القوى الخارجية والتي لها استحقاقاتها التي مست عبر التاريخ سيادة اليمن واستقلاله. لقد ادركت حركة المعارضة اليمنية منذ بداية القرن الماضي ان مشكلة اليمن تكمن في الاستبداد وحكم الفرد المطلق, وادركت ان لاحل لمشكلة اليمن سوى اقامة نظام سياسي قائم على الشورى والعدل والنظام وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة يقول احمد جابر عفيف (لقد كان امل شعبنا وراء الثورة هو الاطاحة بالحكم الفردي المستبد لتحقيق الحرية والديمقراطية بكل ماتعنيه هاتان الكلمتان من معان كثيرة ودلالات عميقة فهل حققت الثورة للشعب هذه الاماني؟ بامكان المتحمسين وحتى المتعصبين للثورة والحركة الوطنية ان يحصوا عشرات الانجازات التي تحققت, اكثر اشد المغالين لا يستطيع ان يدعي ان المعارضة خلال نصف قرن من الزمن وحتى اليوم قد نجحت في ايجاد نظام سياسي قائم على الشورى والعدل والنظام وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة. فلماذا فشلت حركة المعارضة منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم في ايجاد النظام الذي تنشده؟ رغم ان هذا النظام المنشود كان الشعار المركزي للحركة الوطنية منذ بزوغها في بداية القرن وها نحن اليوم نودع القرن ونستقبل غيره والجمعة الجمعة.