في العام 1999 نجحت المقاومة الاسلامية في رفع وتيرة عملياتها النوعية ضد قادة (جيش لبنان الجنوبي) المتعاملين مع اسرائيل, وكانت العملية الأكثر ايلاما هي التي استهدفت قائد الفوج عشرين جوزف كرم الملقب بـ علوش وتبعتها عملية ثانية بعد اسبوعين أدت الى مقتل القائد الجديد للفوج منح توما الذي خلف علوش . اثر هاتين العمليتين بدأت معالم التفكك تظهر داخل (جيش لبنان الجنوبي) عبر تكاثر حالات الفرار الجماعية والافرادية. لكن بداية الانهيار حصلت في 30 يناير الماضي مع اغتيال عقل هاشم, القائد الفعلي والفولاذي لهذه الميليشيا. وبمقدورنا ان نقول بكل ثقة ان مصرعه يشكل بداية نهاية هذا التنظيم العسكري الذي برز مع الرائد سعد حداد منذ 1976, وابلغ ماجاء في هذا السياق قول غيورا عنبار, القائد الاسرائيلي الاسبق لوحدة الارتباط الاسرائيلية في لبنان: (لا استطيع ان اتخيل ضربة يمكن ان تكون اكثر ايلاما, لقد كان عقل الهاشم قلب جيش لبنان الجنوبي. واذا ماتوقف القلب فان كل الجسم مرشح للتوقف, ويرى ونان بيرغمان في جريدة (هآرتس) ان ماحدث هو (مسمار يدق في نعش جيش لبنان الجنوبي) . لايبدو اغتيال عقل الهاشم مجرد خسارة قائد عسكري بقدر ماهو انجاز نوعي حققه (حزب الله) الى حد يجعل يوسي بيليد يدعو في جريدة (يديعوت احرونوت) الى كبح عواطف الجنوبيين الذين يندفعون الى الانتقام لانه من وجه نظره (سوف يكون من العسير كبح جماح حزب الله) . وعليه سارع الجيش الاسرائيلي الى ضبط ردات فعل (جيش لبنان الجنوبي) وتهدئة خواطر قادته عن طريق وعدهم بأن اسرائيل لن تبقى مكتوفة الايدي, غير ان زنيف شيف يتساءل: هل ستقرر اسرائىل الرد؟ ويأتي الجواب الاسرائيلي سلبيا. فما حصل لايشكل خرقا لتفاهم نيسان ولا يبرر ردا عسكريا مدمرا على شاكلة عملية (تصفية الحساب) في العام 1993, او عملية (عناقيد الغضب) في العام 1996 او عملية ضرب الكهرباء والجسور في العام 1999ر والحقيقة ان اغتيال عقل الهاشم يشكل ضربة قاسية جدا لاسرائيل وحلفائها في لبنان, لكن اسرائيل فقدت في العام الماضي قائدا اسرائيليا بارزا هو ايريز غريشتاين ولم ترد على الحادث بهجوم عسكري, كما ان ايهود باراك يعرف الثمن السياسي الباهظ الذي دفعه شمعون بيريز لقيامه بعملية (عناقيد الغضب) التي انقلبت عليه فخسر رئاسة الحكومة امام بنيامين نتانياهو, وانقلبت على اسرائيل التي اضطرت الى التوقيع على (تفاهم نيسان) الذي شرع عمليات (حزب الله) , ولايتصور احد ان رئيس الوزراء الاسرائيلي مستعد لتسوية سمعته فيغطي الاوامر بضرب الكهرباء والجسور كما فعل سلفه. وكشفت التطورات مرة اخرى عن عجز اسرائيل في حماية المتعاملين معها, وعن عدم استعدادها للمخاطرة بما حققته في المفاوضات مع سوريا دفاعا عن حياة هؤلاء المتعاملين, فمصلحة اسرائيل ماعادت تتطابق ومصلحة من تعامل معها في ظل قرارها بالانسحاب من لبنان. وبالفعل بدأ الهزال يصيب كل أواصر جيش لبنان الجنوبي منذ ان اعلن ايهود باراك عن نيته سحب الجيش الاسرائيلي من لبنان في يوليو المقبل, مما شجع (حزب الله) على تصعيد عملياته ضد ميليشيا لحد التي اصابتها حالة من الضياع والتفكك. بالطبع ستجهد الحكومة الاسرائيلية في المدى القريب لرفع معنويات حلفائها الجنوبيين, غير ان الكل بات على يقين ان زمن حل الميليشيا الجنوبية اقترب وان الانهيار الداخلي يهددها, اسرائيل تحاول ان تحصن (جيش لبنان الجنوبي) حتى يوليو المقبل, في حين يعمل (حزب الله) على تفكيكه قبل ذلك الموعد, ويبدو مصير هذه الميليشيا محسوما: اما الانهيار القسري قبل اتمام التسوية الاسرائيلية مع لبنان, واما الحل الذاتي نتيجة تلك التسوية. وفي الحالين لن يكون لهذه الميليشيا دور مستقبلي في السياسة, ونهاية (جيش لبنان الجنوبي) باتت قريبة, ولن ينقذه من هذه النهاية المحتمة الا انهيار التسوية السلمية في الشرق الاوسط. وهكذا يبدو جنوب لبنان على مشارف انهيارين: اما انهيار (جيش لبنان الجنوبي) واما انهيار مفاوضات التسوية السلمية, والكل يتمنى نهاية الميليشيا ونجاح التسوية. ولا تسوية من دون انتشار الجيش اللبناني بدل الجيش الاسرائيلي و (جيش لبنان الجنوبي) معا. وحدها السيادة اللبنانية الكاملة على كل الاراضي اللبنانية هي الحل الدائم والثابت, وكل ما عداها يدخل في نطاق المؤقت والاستثنائي. حان للبنان ان يتحرر ويتعافى ويستقر.