ادلى خاتمي رئيس جمهورية ايران الاسلامية بحديث هام خلال زيارته الى منطقة بندر عباس, دعا فيه دول مجلس التعاون الى توقيع اتفاق أمني مع ايران لاقامة حلف عسكري يضم مثلث التواجد الجغرافي, مجلس التعاون, ايران والعراق, وجدد في تلك الدعوة التأكيد على فارسية الخليج تاريخيا وجغرافيا, وتراثا, وانهى حديثه بتقديم علاج للوضع الذي قال بان علاجه يكمن في الثقة في القدرات المسلحة الايرانية التي لاتريد توسعا على حساب الاطراف. واعتبر شخصية محمد خاتمي احد المشاعل القليلة التي تدعو الى الاعتدال والانفتاح على العالم والاستفادة من التناغم مع التحولات الدولية ومن الحوار بين الحضارات, على قدم المساواة على أساس من الاحترام المتبادل. وقد مست كلمات الرئيس الايراني اوتارا حساسة ودقيقة في هيكلة العلاقات الخليجية ـ الايرانية ـ الدولية بشكلها العام. فاذا اردنا الحق والاحتكام اليه, فلابد من الاعتراف بأننا في دول مجلس التعاون, وفي ايران قبل الثورة, وايام الشاه, مارسنا المبالغة في اظهار الشدة القومية وتوسعنا في المفردات السياسية المتطرفة التي تؤجج وتؤدي الى التباعد السياسي بدلا من التفاهم. ودخلت, ايران ودول المجلس, في سباق غير صحي للتنقيب عن مستندات ووقائع تاريخية تؤيد وجهات نظر كل فريق, الامر الذي ادى الى حماس قومي حاد اضاع فرص التفاهم, كما اضاع القدرة على الاستفادة من الارضية المشتركة للتعاون. وقد تميزت فترة الستينيات والسبعينيات بدعم غربي للسياسة التي تبناها الشاه, والساعية الى فرض المفاهيم الايرانية الاستراتيجية على المنطقة, وقد تمثل ذلك في الاحتلال الايراني للجزر الاماراتية, وتخلي مجلس الامن عن مسئولياته عندما طرح الموضوع امام المجلس بطلب من العراق صاحب العلاقات المتوترة من طهران والمساهم الاكبر في دفع الجانب الخليجي تجاه الحدة والنرفزة, وقد تم ذلك على اثر احتلال ايران للجزر الاماراتية في آخر عام 1971ر وقد شاركت كممثل للكويت في الامم المتحدة في مناقشة مجلس الامن في ديسمبر 1971 وشارك الدكتور عدنان الباجهجي نيابة عن الامارات, وتأجل الاجتماع بعد الاستماع الى كلمات الكويت, العراق, ايران, الامارات, ليبيا, الى اجل غير مسمى, تنفيذا لاتفاق تم وراء الكواليس بين اعضاء مجلس الامن, وهو انتصار للدبلوماسية الايرانية المسنودة بتحالف راسخ مع الغرب. كما اتذكر ان وزير خارجية ايران آردشير زاهدي اثار موضوع التسمية خلال زيارة الشاه الى الكويت في عام 1968, وبصورة حادة وعصبية متهما العرب بالعنصرية والاعتداء على التاريخ والجغرافيا, مع غمزات عنيفة من قناة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. ولم يتبدل الوضع بسقوط الشاه, ومجيء رجال الدين الى الحكم, الذين واصلوا استعمال نفس المفردات السابقة في التعامل مع تسمية الخليج, ولا اعتقد بان هناك مجالا للتفاهم حول عدم التزام الثورة في ايران بالتعبيرات الموروثة, كما لا اتصور بأن الجانب الخليجي سيعيد النظر في ادبياته السياسية تجاه الخليج, فكل منا اصبح اسيرا لثقافة ومفردات نابعة من عدم قدرتنا على التعامل مع حقوق الآخرين, لان الثقافة الايرانية لاتختلف كثيرا عن ثقافتنا, وكلاهما طارد ورافض لمنطق الآخر, وكلاهما متعال على الآخر, وكلاهما يجنح نحو التعسف, في غضب دائم وفي ادعاء العصمة من الاخطاء. لكن المثير للانتباه في حوار الرئيس خاتمي, انه بعد تلك التجارب المرة, وتلك الدروس التي ورثناها من التاريخ لم يأت بدعوة فيها بذور الايجابية, بل انه لبس رداء العصمة حين جدد الحديث عن حسن نوايا ايران وسلامة سلوك جيشها ونقاوة ادعاءاتها. وكنت اتصور بأن الرجل الذي يحمل قناديل الاستنارة في ايران ويحث الآخرين على حملها, ويدعوهم الى نبذ التطرف, كنت اتصور رجلا مثل ذلك بطلا محصنا من عبثية الطرح العقيم, وانه في مأمن كامل من ضربات القناصة الذين يتسترون وراء شعارات الماضي. ومع ذلك فانني اجد في بيان الرئيس خاتمي الكثير من الفوائد التي لابد ان نرصدها ونتعامل مع ايران على اساسها. هناك مسافة بعيدة جدا بين مفاهيم مجلس التعاون الامنية وتلك التي تتبناها ايران, نحن نصر على ان امن الخليج جزء لا يتجزأ من الامن العالمي, وانه بقعة استراتيجية في تركيبة الاقتصاد الدولي, ولابد ان تتم المحافظة على استقراره بجهد جماعي عالمي, فهو ليس بحيرة عادية بعيدة عن العمود الفقري لحياة الاسرة الدولية, ومهمشة مثل خليج غينيا, وانما هو عنصر فعال ومؤثر في حياة الشعوب اليومية, ومصدر حيوي لطاقتها وانجازاتها واحلامها, ولا يمكن تجاهل الموقع المؤثر لمنطقة الخليج في ازدهار ونهضة الكوكب الارضي. واخراج هذه الحقائق من دنيا مجلس التعاون واستبدالها بالمنطق الذي جاء به الرئيس خاتمي بقوله بأن الخليج بحيرة صغيرة محلية امنها مربوط بالدول المطلة عليه, ولا علاقة للعالم بهذه المنطقة امر لا يمكن ان تقبله شعوب الاسرة الدولية. نحن نقول بان منظومة الامن الخليجية هي منظومة دولية, تلعب الدول الكبرى لاسيما الولايات المتحدة الدور البارز في تأمين سلامة هذه المنظومة, وانها, هذه المنظومة الدولية, حصيلة اجماع من اعضاء الاسرة الدولية, وتحظى بموافقة شعوبها, وتتحمس هذه الشعوب للدفاع عن الاستقرار والهدوء في هذه المنطقة الحساسة. ولابد ان تتواجد القوى الدولية في منطقتنا, ليس فقط حصيلة لمنظور المصالح, وانما تعبيرا عن واقع مؤلم ـ ناتج عن الايديولوجية العدوانية للنظام العراقي, والعقائدية المغامرة لمتطرفي الثورة الايرانية, لايطمئن العالم لتصرفاتهما, ولا يرتاح للتوجهات في النهج المتبع, في كل من بغداد وطهران. وبالطبع يستمر السيناريو القائم حاليا المستند على التواجد الدولي للحفاظ على الامن والاستقرار واخضاع الطموحات الايرانية ـ العراقية لمستلزمات القوة, والقضاء على احتمالات المناورة والمشاغبات التي تكدر صفو المنطقة. وآخر تأكيد على استمرار هذا النهج جاء في بيان المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الامريكية (جيمس روبن) الذي اعلن بأن للخليج اهمية بالغة في سياسة الولايات المتحدة كما ذكرت الصحف الكويتية الصادرة يوم الاثنين 31 يناير الماضي. كما اشير الى اهمية البيان الذي ادلى به صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة خلال افتتاح جلسة دور الانعقاد العادي الاول من الفصل التشريعي الثاني عشر للمجلس الوطني. داعيا فيه تكرار الموقف الاماراتي المعروف قائلا (ان دولة الامارات انتهجت سياسات واضحة لانهاء احتلال جمهورية ايران الاسلامية لجزر الامارات الثلاث (طنب الكبرى, طنب الصغرى, وابو موسى) بالوسائل السلمية عن طريق المفاوضات الجادة والمباشرة, والتحكيم الدولي او احالة النزاع الى محكمة العدل الدولية, الا ان استمرار احتلال ايران لجزر الامارات ظل يتعارض باستمرار مع التوجهات السلمية الواضحة لدول مجلس التعاون) . وفي هذا الموقف مؤشرات واضحة ترد على دعوة الرئيس خاتمي بتطبيع العلاقات مع دول الخليج, وتلفت نظره الي ان الممر الآمن لتحسين العلاقات يتمثل في حل المشكلة وفق المتقرحات المقدمة من دولة الامارات. ولابد ايضا من الاشارة الى المغزى السياسي للجنة الثلاثية المشكلة من المجلس الاعلى لدول مجلس التعاون لوضع الية لحل المشكلة بعد تهيئة الاجواء المناسبة لذلك. والمغزى واضح في التزام دول مجلس التعاون بايجاد حل للموضوع كشرط مؤثر لتطبيع العلاقات مع ايران. ولكن ايران, رغم هذا الوضوح, تتعامل مع دول المجلس بمعزل عن موضوع الجزر وتحاول تجاوز المشكلة بتعميق علاقات ثنائية ان لم تنجح في الحصول على الحوار الجماعي الخليجي الذي تريده ولم تحصل عليه بسبب هذه القضية. اذكر ان جامعة الكويت نظمت ندوة عن الخليج شارك فيها عدد من المسئولين الايرانيين, وقد اندهشت شخصيا من الحالة العصبية (البارنويا) المسيطرة على ذهنية المشاركين الايرانيين عند طرح مشكلة الجزر, ولا انسى منظرا دراماتيكيا حين وقف واحد منهم يقول بأن ايران لها حدود مع خمسة عشرة دولة, محاطة باربع دول مالكة لاسلحة نووية, تجاور دولة فوضوية (افغانستان), ودولة طموحة, ودولة معتدية (العراق), ودولة لها توجهات مخالفة (تركيا) ويضيف بان ايران تعيش في كابوس خوفا من الاسطول الامريكي الذي تتذكر ايران دوره في القضاء على اسطولها البحري في ابريل 1988, وهي الحادثة التي ادت الى قبول آية الله الخميني وقف اطلاق النار مع العراق. الوضع في الخليج دقيق والوصفات التي تقدمها ايران ليست مناسبة لجدول اعمال المعلقات بين دول مجلس التعاون وطهران.