عادت اندونيسيا مرة اخرى لتشكل أحد مواقع الصدارة على ساحة الاحداث العالمية منذ ان تعرضت للأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شككت في شرعية النظام وأدت الى الاطاحة بالقيادة الحاكمة.وتشهد اندونيسيا حاليا تنامي مجموعة من النزاعات الانفصالية في كثير من المناطق بما يمثل تهديدا صارخا لوحدة الدولة نتيجة امكانية امتدادها الى اماكن اخرى متفرقة من البلاد.. وتسعى القيادة الحالية متمثلة في الرئيس عبدالرحمن واحد الى التمسك بمقولات الايديولوجية الرسمية للدولة التي يتبناها النظام منذ منتصف الاربعينيات والتي تؤكد على وحدة البلاد وذلك في محاولة لتجاوز تلك المحنة ومتابعة العملية التنموية المتعثرة. فما هي تلك الايديولوجية, وما هو دورها في مواجهة النزاعات الانفصالية التي اصبحت تهدد اندونيسيا بشدة؟! تقول الدكتورة (هدى ميتكيس) استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة في بحث قدمته قبل أيام قليلة الى المؤتمر السنوي الخامس (الافكار السياسية الآسيوية في القرن العشرين) الذي عقده مركز الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية يومي 24 ـ 26 يناير عام ,2000 ان (مختلف الحكومات الاندونيسية المتعاقبة منذ عهد سوكارنو وحتى الوقت الحالي تبنت ايديولوجيا رسمية اصطلح على تسميتها بفكر (البانكاسيلا) او (المبادئ الخمسة) التي تضمنت التأكيد على كل من الجانب الروحي الديني اضافة الى ايلائها أهمية كبرى لموجبات التنمية الحديثة وذلك من خلال نظام ديمقراطي موجه يلتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية ويحرص على وحدة الأمة الاندونيسية) . وتضيف د. هدى ميتكيس في بحثها الذي اتخذ عنوان (البانكاسيلا) في اندونيسيا: الركائز والتحديات) , انه في ظل هذه الفلسفة التي أرسى دعائمها سوكارنو وتجلت تداعياتها في الخمسينيات, لعبت القيادة السياسية دورا محوريا في الحياة السياسية, وذلك في غياب ثقل حقيقي للاحزاب القائمة.. ويدعو فكر (البانكاسيلا) في مجمله الى التماثل الايديولوجي بين مختلف فئات الشعب الاندونيسي, خاصة وان اندونيسيا التي تمثل أكبر الدول الاسلامية من حيث عدد السكان تزخر بعدد هائل من المجموعات العرقية التي يصل عددها الى حوالي ثلاثمئة جماعة عرقية الى جانب تعدد اللهجات المحلية وتصل هي الاخرى الى ما يقرب من 350 لهجة, وينتشر ذلك كله عبر 17 الف جزيرة تشكل قوسا ضخما يمتد امتدادا شاسعا عبر المحيطين الهادي والهندي وكان حزب (جولكار) الحاكم حريصا على الالتزام بقواعد ومبادىء البانكاسيلا بحيث ضم بين صفوفه كافة عناصر الشعب الاندونيسي دونما تمييز عرقي او ديني, وفي اطار هذا السياق ومن خلال ما عرف بقانون (التنظيم الجماهيري) اصبح لزاما على كافة التنظيمات السياسية ان تقبل هذا الفكر كأيديولوجية واحدة يؤمن بها الجميع كما حرص النظام من جانبه على عقد مجموعة من الدورات لتلقين مختلف فئات الشعب الاندونيسي اسس وركائز هذا الفكر, وقد تعهدت مختلف التنظيمات السياسية في اندونيسيا بما فيها الاحزاب الدينية لقبول فلسفة البانكاسيلا وهو ما عنى التزامها بعدم خوض اي انتخابات تحت اي شعارات دينية.. ويرجع هذا الواقع الى رغبة النظام في الحفاظ على كل من الوحدة الوطنية ووحدة التراث الاندونيسي, خاصة وان اندونيسيا تشهد تعددا عرقيا ودينيا يمكن ان يمثل تهديدا صارخا لهذه الوحدة. وعلى هذا النحو لم تنجح مختلف التنظيمات الدينية منذ الاربعينيات ومن بينها (حركة دار الاسلام) في دعوتها لارساء دعائم دولة اسلامية, ورفضت مختلف الحكومات الاندونيسية المتعاقبة اية دعوة هذه الدولة نظرا لما يمكن ان تمثله من تهديد لمقولات البانكاسيلا حول اهمية الوحدة الوطنية.. وعلى صعيد اخر اسبغت هذه الايديولوجية اهمية خاصة على القيادة السياسية التي حولها البرلمان الاندونيسي الى سلطات واسعة النطاق تمثلت في السيطرة على كافة التنظيمات الحزبية والنقابية وذلك من خلال توسيع صلاحياته فيما يتعلق باقالة بعض الزعامات او حل البرلمان في حالة اي تهديد للسلم الداخلي.. ولذلك توافقت فلسفة البانكاسيلا مع مختلف التجارب السياسية في اندونيسيا بدء من التجربة البرلمانية التي امتدت من بداية الخمسينيات حتى 1957 الى مرحلة تطبيق الديمقراطية الموجهة التي طرحها سوكارنو كبديل للنظام السابق, ومع تولي سوهارتو تقاليد السلطة عرف المجتمع الاندونيسي في ظل ايديولوجية البانكاسيلا ما اصطلح على تسميته (بالنظام الجديد) الذي عنى بالتخلص من الفكر الاشتراكي والاتجاه نحو الاقتصاد الحر,, ومواكبة لهذه التطورات نشأت (منظمة علماء المسلمين) التي وضعت اسسا انتخابية لا تستند الى الدين وهو ما عني في مجمله اضعاف المعارضة الدينية, وتوصل النظام السياسي الى تحقيق نوع من التوازن بين مختلف القوى السياسية الرئيسية في البلاد والمتمثلة في كل من القيادة السياسية والعسكرية ومجموعة رجال الاعمال الى جانب القيادات الدينية التي بات ثقلها يتنامى بشكل ملحوظ على الساحة السياسية منذ لجوء سوهارتو الى محاولة التقارب مع العناصر الاسلامية. الاستقرار والانفصال! ... مثل الاستقرار السياسي احد اهم اركان الايديولوجية الرسمية حيث حددت البانكاسيلا في وضعها للخطوط العامة للسياسات التنموية تحت شعار (التنمية الثلاثية) اهم اهداف هذه الاخيرة والتي تضمنت الى جانب ضمان استمرار التقدم الاقتصادي وضمان التوزيع العادل لعوائد التنمية كهدف لتحقيق الاستقرار السياسي, غير ان النظام سرعان ما واجه مجموعة من الصعوبات تتعلق بالعدالة التوزيعية لعوائد التنمية, وهو ما ادى بدوره الى تهديد دعائم الاستقرار خاصة بعد انفجار الازمة الاقتصادية وتدني الاوضاع في اندونيسيا.. ومما يذكر في هذا الاطار ان الحكومة الاندونيسية كانت قد نجحت خلال قرابة ربع قرن من الزمان في تحقيق انطلاقة تنموية كبيرة, حيث وصلت خلال ما عرف بخطة التنمية الاولى ــ التي امتدت من 69 الى 1994 ــ الى تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي بلغ حوالي 10% سنويا في الوقت الذي لم يتعد فيه متوسط النمو العالمي نسبة 4.1% كما تضاعف متوسط دخل الفرد خلال نفس الفترة بمقدار عشرة امثال اي من (70) دولارا الى (740) دولارا.. غير ان هذا الوضع وان عكس تحولات بنيوية واسعة النطاق في الهيكل العام للاقتصاد القومي الا انه لم يعكس عدالة توزيعية حيث لم تحظ العديد من الجماعات بنصيب عادل من الاستثمارات الحكومية او عوائد الانتاج وقد اثار هذا الواقع سخطا متناميا تجاه السلطة المركزية وخاصة في بعض الاقاليم مثل تيمور الشرقية واتشيه اللذين طالبا بالانفصال عن الدولة الام.. وكانت اندونيسيا في عهد سوهارتو قد شهدت مجموعة من الاضطرابات والقلاقل في بعض الاقاليم التي اعربت عن رغبتها في الاستقلال عن اندونيسيا وبالتالي تهديد فكر البانكاسيلا.. الا ان النظام الحاكم نجح طوال ثلاثة وثلاثين عاما في احتواء هذه العناصر الساخطة ومنع تصاعد الاحداث, فمن المعروف على سبيل المثال ان اقليم تيمور الشرقية المستعمرة البرتغالية السابقة التي حصلت على استقلالها منذ ربع قرن وضمتها اندونيسيا تعرضت للعديد من عمليات القمع التي شنتها المؤسسة العسكرية, وكان اكثرها عنفا تلك التي حدثت عام 1991 وقتل فيها الكثيرون في الوقت الذي حرص النظام على عدم الافصاح عنها ومحاولة التعتيم على احداثها.. وبالمثل تعرض اقليم اتشيه لحملات عسكرية مستمرة ومكثفة حرصت مختلف الحكومات على اخفائها واحاطتها بستار من السرية والتكتم وذلك نتيجة ما اتسمت به الحركة القومية لتحرير اتشيه أو (ميرديكا) بالطابع الاسلامي, وقد تقاسم كل من هذين الاقليمين لعامل الحرمان الاقتصادي النسبي إلا ان النزعة الانفصالية لدى سكان هذه المنطقة استندت إلى مجموعة أخرى من الأسباب التي قادتها رغم تباينها إلى المطالبة بالانفصال وارساء دعائم دولة مستقلة في ظل امتزاج مشاعر الغضب الاجتماعي مع أحاسيس التمايز العرقي.. وعلى هذا النحو إذا كانت حركة المطالبة باستقلال تيمور الشرقية وغالبية سكانه من المسيحيين قد قامت على أساس ديني طائفي فإن الحركة الانفصالية في أتشيه لا تقاسمها نفس الاحساس حيث ان غالبية سكانه من المسلمين الذين يرغبون في ارساء دعائم دولة إسلامية. القيادة الحالية والبانكاسيلا.. عكس فكر عبدالرحمن واحد الرئيس الحالي لاندونيسيا محاولة للتوفيق بين كل من منظومة القيم الدينية من ناحية والمقولات المعاصرة للتحول الديمقراطي من ناحية أخرى وذلك في اطار حرصه على تأكيد ركائز البانكاسيلا التي تولي هذين البعدين أهمية كبرى. وفي اطار هذا السياق يمكن القول ان فكر عبدالرحمن واحد قد عكس إلى حد كبير مرونة الفكر الاندونيسي وقدرته على استيعاب وتبني الأفكار الجديدة ومواءمتها مع معطيات الواقع هناك, وقد أرجع عبدالرحمن واحد هذه الخاصية إلى تقبل الاندونيسيين لمختلف الثقافات وتقبلهم للتنوع حيث لم ينظروا إلى أنفسهم كمحور للعالم على غرار الصين والهند, ولعل ما يذكر ان حجج عبدالرحمن واحد للمطالبة بدولة ديمقراطية تعددية على نحو ما أوضحه فكر البانكاسيلا قد استندت إلى القيم الاسلامية التي أوليت مكانة خاصة لمفاهيم العدالة والمساواة إلى جانب حرصها على تنمية القدرات الفردية, وقد وجد عبدالرحمن واحد في فكر البانكاسيلا مخرجا من المأزق في اندونيسيا, وفي اطار هذا السياق شغلت بعض مفاهيم التحررية الاجتماعية موقعا لا يستهان به من فكر عبدالرحمن واحد حيث طالب بمزيد من المشاركة السياسية التي تتعدى نطاق نخبة الطبقة الوسطى من المثقفين ورجال الأعمال, على ان أهم ما يلفت الأنظار في فكر الرئيس التأكيد على أهمية الثقافة السياسية الإسلامية التي ارتأى تأكيدها لمجموعة من القيم والأهداف الديمقراطية ومن أهمها وجود حكومة مسئولة وغير دكتاتورية إلى جانب ابرازها لقيم الحوار والمناقشة التي تعكس في مجملها روح الاسلام. ولعل ما يذكر ان (ميجاواتي سوكارنو) التي تشغل حاليا منصب نائب الرئيس تعد زعيمة لأكبر الأحزاب العلمانية المعارضة في اندونيسيا وهو الحزب الديمقراطي, وهو ما يعكس في حد ذاته محاولة عبدالرحمن واحد للتوفيق بين مختلف التوجهات السياسية. ويتضح انه برغم تشكيك مجريات الأحداث المعاصرة في مدى تماسك فكر البانكاسيلا خاصة مع تنازل اندونيسيا عن تيمور الشرقية إلا انه يتبدى بما لا يدع سبيلا إلى الشك استمرارية تجذر هذا الفكر على مستوى كل من النخبة والجماهير خاصة تلك التي تنتمي إلى أصول (جاوية) وذلك حرصا من هذه المجموعات على ضمان الوحدة الوطنية في البلاد إلى جانب تحقيق التماسك الاقليمي للدولة. ولعل هذا الواقع هو الذي يفسر مدى تشدد القيادة الحالية في مواجهة اي حركة انفصالية في اندونيسيا بعد ان تنامت مؤخرا النزاعات الانشقاقية المطالبة بالاستقلال.. ويدعم هذا الأمر مساندة المؤسسة العسكرية للأيديولوجية الرسمية للدولة التي تعترف بكافة الأديان على قدم المساواة برغم انتماء الغالبية العظمى للشعب الاندونيسي إلى الديانة الاسلامية ورغم ما عرف من توجهات عبدالرحمن واحد الدينية باعتباره زعيما لتنظيم نهضة العلماء إلا انه أعلن عن التزامه الكامل بمبادئ فكر البانكاسيلا. وإذا كان الرئيس السابق (حبيبي) قد اضطر للاستجابة الدولية إلى التنازل عن بعض مبادئ البانكاسيلا حين قبل منح اقليم تيمور الشرقية حق تقرير المصير في سابقة فريدة من نوعها إلا ان الوضع في باقي المناطق الراغبة في الانفصال تختلف اختلافا جذريا نتيجة تضافر مجموعة من العوامل الداخلية والدولية, وعلى الرغم من تصريح عبدالرحمن واحد في بداية الأمر بالموافقة على اجراء استفتاء حق تقرير المصير في اتشيه إلا انه سرعان ما عاد وتراجع عن موقفه في ظل استجلائه لمختلف المتغيرات وأعلن استعداده لمنح الاقليم حكما ذاتيا موسعا دون الانفصال عن الدولة الأم وفتح أبواب الحوار بين المسئولين الحكوميين والمطالبين بالانفصال في محاولة لامتصاص سخطهم والتعرف على مطالبهم.. ولعل ما يؤكد حرص عبدالرحمن واحد على ايديولوجية البانكاسيلا ويعكس صعوبة اتخاذه لأي خطوة من شأنها ان تفتح المجال لانفراط العقد الاندونيسي وجود شريك قوي لا يزال يتحكم في ضبط ايقاع الحركة السياسية في البلاد متمثلا في الجيش الاندونيسي الذي لم يتنازل عن مكانته الريادية.