يؤكد الالحاح الاوروبي بالتدخل في المشكلة الطائفية والاحداث الجارية الان في اندونيسيا الرغبة الغربية في حل تلك الازمة على غرار ما تم به حل ازمة تيمور الشرقية, اي مساعدة الملوكيين في الانفصال بالجزر التي يقيمون عليها واحدة تلو اخرى لتتحلل بذلك جزر الارخبيل وتفقد اندونيسيا العديد من اطرافها وتصبح دولة اسلامية تحيط بها دويلات مسيحية تدين بالولاء للغرب الذي دعمها في اقامة دولتها وتحقيق استقلالها, واذا كانت اندونيسيا قد رفضت حتى الان تدخل اوروبا امنيا او عسكريا في التوسط لحل ازمتها الداخلية على غرار موافقتها في ازمة تيمور الشرقية, فهل ستنجح اندونيسيا وتصمد في هذا الرفض خاصة وانها قبلت نوعا من الوساطة السياسية الهولندية املا في حل الازمة. حول اندونيسيا الازمة الراهنة وسيناريوهات الحل, والمستقبل المنتظر على ضوء الاحداث الجارية دارت اسئلة الملف مع (سالمان حمود) رئىس مؤسسة وحدة اندونيسيا الوطنية للملف السياسي في هولندا. وتاليا نص الحوار: * هل توجد اطراف خارجية تغذي نار الاحداث الطائفية في اندونيسيا؟ للأسف الشديد هناك من يقف في الخفاء وراء بث وتأصيل جوانب هذه الفتنة بين جسد الامة الواحد في اندونيسيا, وليست الاهداف هي تصعيد القتال بين طوائف الشعب الواحد بالدرجة الاولى, انما تأتي عملية توضيح الخلافات والاختلافات كوسيلة وطريق يمهد دخول وتمركز المصالح الغربية, التي تريد ان تكون لها قواعد ثابتة ومستمرة تضمن عدم اهتزاز هذه المصالح بالتغيرات السياسية في اندونيسيا, ومن يقوم بهذا الدور غير الاقلية المسيحية الاندونيسية نفسها التي تعتبرها عدد من الدول الاوروبية جبهة متقدمة لها, فعن طريق هذه الجبهة سيتم اختراق جسور التجارة حيث تعد اندونيسيا سوقا آسيوية ضخمة, فمجالس الكنائس في اوروبا لعبت دورا كبيرا في تيمور الشرقية قبل ان تحقق هدف انفصالها, وهي تقوم الان بنفس الدور في جزر الملوك, وحتى ما يحدث الان في تيمور الشرقية انما يؤكد ان اليد الغربية لا تزال تبث بذور الفتنة ضد اندونيسيا حتى بعد ان نالت تيمور الشرقية استقلالها, فمثلا من نماذج ما يثير الفتنة هو تعليق لافتات كتبت عليها عبارات تسمح فقط بمرور موظفي الامم المتحدة والضيوف, الا ان هؤلاء يستخدمون هذه الطرقات الخاصة, ويسمحون للمواطنين المسيحيين معهم بالمرور ولا يسمحون للمسلمين ــ تحت دعوى حماية المسيحيين من اية اعمال متطرفة تستهدفهم ــ, وكأنهم يقولون للمسلمين الاندونيسيين انكم من جنس اخر, لدرجة انه اصبح يوجد جسر للمشاة يجسد هذه العنصرية ويوضح مدى اسلوب التعالي الغربي, حول المنطقة التي يقيم بها الاوروبيون ــ بعضهم من ممثلي الكنائس الاوروبية وآخرين هويتهم غير واضحة بل يحملون حقائب جلدية سوداء تضم اوراقا لايعلم المواطنون ما تحويه لكنهم يروحون ويجيئون تحت حماية الامم المتحدة ولا يعلم الشعب هويتهم ــ في فندق (اوليمبيا) في ميناء تيمور الشرقية بالعاصمة ديلي, وحول هذه الوقائع اصدرت جمعية حقوق الانسان (احسان حق) تقريرا شاملا تضمن تفاصيل تثير القلق على مستقبل اندونيسيا ككل, والعنصرية في مقدمة اسباب هذا القلق, فقد تحول فجأة المواطنون المسيحيون المعدمون الى اثرياء يستقلون السيارات المكيفة ويحملون الهواتف ويرتدون اغلى الملابس في فترة قصيرة, بعضهم يتعامل مع مكاتب الامم المتحدة ومكاتب التبشير, واخرون ظهر عليهم الثراء دون سبب واضح, بينما المسلمون على حالهم فلم تظهر في تيمور حتى الان نتائج لما اعلنته الامم المتحدة, من ناحية اعادة البناء والاستقرار, فأزمة الغذاء لاتزال باقية, والمسلمون شوهدوا من قبل موظفي الجمعيات الانسانية وهم يأكلون اوراق الشجر نظرا لعدم وجود شيء آخر يأكلونه. * الصورة التي طرحتها تختلف عما تعلنه اوروبا من حيادية ورغبتها في عمل توازن لحل ازمة اندونيسيا كما ان احداث الفتنة مثارة بالفعل في جزر الملوكيين فما تعليقكم؟ ــ بديهي ان يختلف واقع التصرف الاوروبي عن المعلن, وهذا التباين فيما يعلن على الساحة الدولية والحقائق يشكل الخطر على جسد الامة الاسلامية في اندونيسيا, فعلى مر العصور اثبت تاريخ الدول الاستعمارية الاوروبية المسيحية ان مدخلها لبعض الدول الاسلامية كان هو الادعاء بأن دول المسلمين تجهض حقوق الاقليات المسيحية, وحديثا تتكرر نفس اللعبة بداية بادارة ماكينات الدعاية الاعلامية الغربية لتسليط الاضواء على اقلية مسيحية داخل دولة اسلامية باظهار احداث فردية وتصويرها على انها ظاهرة تمثل اهدارا لحقوق الانسان بغية الحصار واثارة الرأي العام العالمي, ولا يمكن انكار ان ما حدث في جزر الملوكيين منذ البداية كان حدثا فرديا جر وراءه التعصب, واشعلت الفتنة بصورة سريعة ومكثفة كما يحدث في بلد اسلامي تنشب فيه مشكلة بين مسلم ومسيحي, ولنا ان نتساءل عن كم امدادات الاسلحة الذي لا ينتهي في جزر الملوكيين خاصة بين ايدي المسيحيين, ولنا ان نتساءل لماذا فشلت القوات الاندونيسية من شرطة وجيش حتى الآن في وضع يدها على اصول التطرف ومثيري المشكلة وانهاء الوضع واعادة الامن..؟ الاجابة ببساطة هو ان عمليات تهريب الاسلحة تتم في الخفاء وباستمرار للأقليات المسيحية وفي المقابل يحاول الطرف الآخر الحصول على اسلحة للمواجهة, اي الاطراف المتصارعة لا تزال تجد من يغذيها ويكون رد فعل طبيعي حينما يشعر اي انسان بالقوة بان يستخدمها, ثم مع اطلاق شرارة النيران الاولى يكون من الصعب تحديد من يعتدي على من؟ وتختلط الاسباب ومعالم القضايا الخلافية التي قد تكون صنعت غالبا من الوهم والخيال, ثم تبدأ اللعبة الحقيقية بارسال محققين وهكذا يتم اختراق المجتمعات الاسلامية خاصة في الدول الكبرى مثل اندونيسيا عن طريق الاقليات المسيحية لفتح افق التجارة لان هذه الدول اسواقا استهلاكية تحقق مكاسب للغرب الاوروبي. * وما هي خطوط توجهات سياسة الاتحاد الاوروبي الرسمية تجاه اندونيسيا؟ ــ وفقا للتطورات الاخيرة اعلن الاتحاد الاوروبي انه بصدد سياسة جديدة حول علاقة دول الاتحاد باندونيسيا وسيقوم كل من (كريس باتين) المفوض الاوروبي لشئون السياسة الخارجية و(خافيير سولانا) الممثل الاوروبي للسياسة الخارجية في يوم 3 من شهر فبراير المقبل بعرض مقترحات وبعد ذلك بأيام قليلة سيقوم الرئيس الاندونيسي (واحد) بزيارة رسمية لهولندا وبلجكيا وكان (فان آرتيسن) وزير خارجية هولندا قد زار مؤخرا اندونيسيا لمدة اسبوع قدم بعدها تقريرا لوزراء خارجية الاتحاد الاوروبي بعنوان (تحول اندونيسيا من الديكتاتورية للديمقراطية) جاء في هذا التقرير (ان الرئيس واحد اكد له على محاكمة ضباط الجيش الذين ارتكبوا مخالفات اثناء ادائهم للمهام العسكرية في المناطق التي تشهد صراعات طائفية) وان اندونيسيا تتجه الى الديمقراطية وتبذل مساعيها لارساء حقوق الانسان, ومن هذا قد نستشف ان الاتحاد الاوروبي يضع في عين الاعتبار الخطوات الاندونيسية نحو الديمقراطية الامر الذي يطور العلاقات ويحسنها, ولكن اوروبا في نفس الوقت لها مطالب في اندونيسيا وتسعى لتحقيقها بالسياسة حينا وبممارسة الضغوط حينا اخر على غرار ما يحدث الآن من التلويح بمسألة التدخل في ازمة الملوكيين. * هل من المتوقع ان تستجيب حكومة جاكرتا للضغوط الغربية في شأن ازمة جزر الملوكيين كما حدث في تيمور الشرقية؟ ــ حتى الآن من الواضح ان الرئيس واحد صامد امام تلك الازمة فقد حذر من أي تدخل خارجي ولم يقبل العرض الهولندي بارسال فرق امنية او عسكرية لمساعدة القوات الاندونيسية في السيطرة على الموقف وقبل وساطة سياسية فقط, واتمنى الا يكون هذا الصمود مؤقت ينتهي به الى الضعف والقبول بالتدخل الخارجي, ولكن يمكنني ان استقرىء سيناريو لمستقبل هذه الازمة وهو الرفض القاطع للرئيس الاندونيسي لاجراء اي استفتاء كما حدث في تيمور الشرقية, لان الاستفتاء سيكون مقدمة بديهية للقبول باستقلال الملوكيين, كما ان مشكلة الملوكيين تختلف عنها في تيمور, فلا يمكن فصل المسيحيين عن المسلمين في مدن مستقلة, وسيكون واحد احرص على عدم انفصال هذا الجزء من جسد اندونيسيا حتى لا ينفرط العقد للنهاية, وهو في زيارته القادمة للاهاي وبروكسل سيطرح على الاتحاد الاوروبي السياسة الاندونيسية تجاه الوحدة الوطنية في بلاده, لقطع الطريق على عدد من الدول الاوروبية المطالبة بفصل الجزر ووفقا لمعلوماتي قد مهد وحيد لزيارته بارسال تقارير سياسية واقتصادية عبر الدبلوماسية الاندونيسية توضح ان مصلحة اوروبا هي في وحدة اندونيسيا الوطنية وفي قوتها وليس في تجزئتها وضعفها حيث تعتبر من كبريات الدول في المنطقة الاسيوية, واعتقد ان زيارة واحد سوف تحدد مستقبل العلاقة بين اندونيسيا واوروبا. * ما هو تصوركم عن مستقبل اندونيسيا في ظل الاوضاع الراهنة؟ ــ الاوضاع الراهنة في اندونيسيا هي نتاج المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ نهاية حكم سوهارتو, ومن الممكن ان تتخطاها حكومة الرئيس واحد في حالة ازالة الخلافات بين مراكز القوى في الجيش, وانهاء الصراع بين الحكومة المدنية والجنرالات, وحينما يتوصل الرئيس واحد الى صيغة توفيقية, يمكن القول فقط في هذه الحالة ان مرحلة التوتر يمكن ان تنتهي فالحكومة الجديدة لا تزال تبدو حتى الآن ضعيفة ليس لديها خطة محددة المعالم للسير نحو الديمقراطية او لتخفيف اعباء الفقر عن الشعب, ومن ناحية ثانية قدرة الحكومة المدنية على استعادة ثقة العالم الخارجي في السياسة الاندونيسية لجذب مزيد من الاستثمارات لتخطي خطوط الفقر المستشري بين فئات الشعب وحل الأزمة الاقتصادية.