لم تكن الاحداث التي جرت في تيمور الشرقية العام الماضي, والتي ادت الى انفصال هذا الاقليم عن اندونيسيا وما تلى ذلك من اضطربات واعمال عنف شملت, اقاليم اخرى من اندونيسيا لم تكن بعيدة عن توقعات المراقبين الذين كانوا يراقبون مايجري في هذه الدولة الاسلامية الكبرى في جنوب اسيا منذ الاستقلال الذي حصلت عليه عام 1949 من المستعمر الهولندي حيث تعرضت اندونيسيا خلال النصف الثاني من القرن الماضي الى حملات تبشير عديدة متواصلة خاضت بها الارساليات التبشيرية النشطة في منطقة جنوب اسيا, التي تعمل طبقا لمخطط قديم ارساه مجلس الكنائس العالمي منذ عدة عقود تستهدف تنصير ابناء هذه البلاد وقد نجحت الارساليات التبشيرية بدعم من الاستعمار البرتغالي في تنصير 91.4% من سكان تيمور البالغ عددهم 800.000 نسمة اصبحوا يدينون بالكاثوليكية بل وحصلوا على تأييد خارجي ملموس عندما طالبوا بالاستقلال عن اندونيسيا, وهو ما تحقق بنتائج الاستفتاء الذي اشرفت عليه الام المتحدة وكان هذا التأييد مقابل الدعائية التي مارستها هذه الارساليات التبشيرية عندما ادعت ان تيمور الشرقية كانت اراضي مسيحية سلبها مسلمو اندونيسيا لما يزيد عن عقدين, وكان ابرز المروجين لهذه الادعاءات القس (كارلوس بيرو) الذي يتمتع بنفوذ جماهيري واسع في تيمور يفوق نفوذ (جاناناجوسماو) زعيم المقاومة التيمورية. وقد انعكس ذلك في عدد من القوى الخارجية المؤثرة اتخذت مواقف ضاغطة على الحكومة الاندونيسية كانت ابرزها استراليا ونيوزلندا اللتان ابدتا استعدادهما لارسال قواتهما الى تيمور من قبل ان تظهر نتيجة الاستفتاء ويصدر مجلس الامن قرارا بارسال قوة دولية لحماية الاستقرار هناك, وهو ما حدث بالفعل فقد كانت القوات الاسترالية طليعة القوات الدولية التي وصلت الى تيمور وهو ما يؤيد ان الارساليات الدينية تلعب دورا محوريا في هذه المنطقة, وكما نجحت الارساليات التبشيرية في تنصير اغلبية سكان تيمور الشرقية نجحت ايضا في تنصير نسبة كبيرة من سكان جزر الملوك الذين حاولوا بعد الاستقلال اعلان انفصالهم عن اندونيسيا تحت اسم (جمهورية الملوك الجنوبية) لكن الجيش الاندونيسي سحق هذه المحاولة وتم ارسال العديد من الاندونيسيين المسلمين للاقامة في هذه المنطقة, الا ان النزعة الانفصالية واعمال العنف تجددت اخيرا, خاصة بعد استقلال تيمور حيث تم احراق العديد من المساجد والكنائس في اكبر موجة من اعمال العنف تشهدها البلاد راح ضحيتها الآلاف من المسلمين والنصارى على السواء وهو ما دفع بالرئيس الاندونسي (عبدالرحمن واحد) الى ارسال نائبه ميجاواتي الى هذه الجزيرة في محاولة لانهاء اعمال العنف الطائفي الناشب بين النصارى هناك منذ اكثر من عام. التفتيت العرقي والطائفي ان ما يجري في اندونيسيا اليوم من محاولات انفصالية لعدد من المقاطعات والاقاليم, انما هو جزء من استراتيجية كونية, وضعها القائمون على النظام العالمي الجديد, ترمي الى تفتيت دول العالم الثالث لا سيما الاسلامية الى دويلات صغيرة على اسس عرقية وطائفية ومذهبية بهدف اضعافها والتحكم فيها وبالتالي السيطرة على ثرواتها ومقدراتها لصالح عدد من الدول العظمى والكبرى, مستغلة في ذلك ضعف الحكومات المحلية القائمة وعجزها عن حل مشاكل الاقليات فيها, وانتشار الفساد في اروقتها, هو ما استثمرته في تعميق التناقضات القائمة بين الاقليات والاغلبيات, ومعظمها تناقضات عرقية وطائفية ادت الى ظهور قيادات راديكالية يمينية ودينية متطرفة, والبعض الاخر يساري او شيوعي, مما خلق فوضى واضطراب فكري ولاسيما في الجانب القومي والقادر على بلورة صهر الاختلافات الطائفية والعرقية في بوتقة الوطنية التي من المفروض انها تضم جميع العرقيات والمذاهب والطوائف التي تجمعها الدولة, وقد غدا هذا الاضطراب الفكري في تحويل النزاع الى ايديولوجية صراعات قوية سقط نتيجتها الضحايا بالآلاف من الاطراف المتصارعة. وكانت اندونيسيا ميدانا مناسبا لتطبيق استراتيجية التفتيت بالنظر لكونها تضم مجموعة كبيرة من العرقيات تتكلم اكثر من 365 لغة مختلفة بعضهم كاثوليك وبروتستانت ووثنيين نشطين وان كانت الاغلبية ما زالت مسلمة. ولأن اندونيسيا تحوي على مخزون هائل من الثروات المعدنية المتمثلة في النفط والغاز ومعادن ثمينة مثل اليورانيوم وثروة زراعية هائلة من الحبوب والتوابل ... الخ, كما تمتلك اطول شاطئ في العالم يجعلها من اغنى المناطق بالثروات السمكية, اضافة الى اكبر احتياطي من الغابات الطبيعية مورد الاخشاب, وكل مشتقاتها, ومنذ ثلاث سنوات كانت الاوساط المالية في العالم تشيد بالاقتصاد الاندونيسي الواعد والقادر على الانتقال باندونسيا من مصاف دول العالم الثالث الى اللحاق بالنمور الآسيوية, لاسيما انها تتميز عنهم بتوافر احتياطي نفطي ضخم جعلها من دول الاوبك, بجانب قوة بشرية ذات نوعية متقدمة جعلت من اندونيسيا احدى دول جنوب اسيا الصناعية الكبرى, ساعدت على ذلك قوتها المادية وثبات عملتها كل ذلك جعل من اندونيسيا هدفا لتطبيق استراتيجية التفتيت حتى لا تتحول الى دولة اسلامية كبيرة في هذه المنطقة, قد بدأت هذه الاستراتيجية باشاعة مناخ عدم الاستقرار والفساد الذي بدأ يضرب في دوائر الحكم, ودعاوى للانفصال بين الاقليات الكاثوليكية والبروتستانتينية وحتى بين المسلمة في اقليم اتشيه, فمنذ استقلال اندونيسيا حرص رجلها الاول الرئيس الراحل احمد سوكارنو الامساك بقوة باطراف الحكم. محذرا من ثلاث مخاطر يمكن ان تتسبب في اضعاف الدولة وهي: الصراعات الدينية والصراعات العرقية والفساد الاداري وهي نفس الاسباب التي أدت الى الوضع السيء الذي تحياه اندونيسيا اليوم بعد ان آل الحكم الى سوهارتو بفعل الانقلاب العسكري الذي قاده ضد سوكارنو, واستشرى الفساد في عهده وتدخل الجيش في الدولة بما حوله الى دولة داخل الدولة. وقد ادى ذلك الى ثورة الشعب التي قادها الطلاب ضد سوهارتو واجبرته على الاستقالة, وتولى حبيبي السلطة من بعده, والذي في عهده استقل اقليم تيمور الشرقية وبدأ التدخل الاجنبي في شئون اندونيسيا الداخلية مع موجة العنف والاضطرابات الطائفية التي تجتاح عددا من الاقاليم التي شجعها انفصال تيمور في المطالبة بالاستقلال, وهو ما يحاول الرئيس الحالي عبدالرحمن واحد التصدي له, وايقافه ومنع استشرائه وتداعياته. الدويلات العرقية يتنبأ بريجنسكي مستشار الامن القومي في عهد الرئيس الامريكي كارتر في كتابه (بين جيلين)؛ باندثار القوميات وزيادة الاتجاه نحو العالم الواحد, وذلك نتيجة للثورة في وسائل الاتصال والاليكترونيات, وعند ذلك ستزداد الجماعات العرقية والدينية انغلاقا على نفسها بسبب رغبة الافراد في الحصول على الانتماء والحماية ومما قاله في ذلك: (بينما ساعد التقدم في وسائل الاتصال على زيادة الروابط بين الامم, فانه عمل في نفس الوقت على تفتيت القوميات, فالانسانية وجدت نفسها اكثر وحدة واكثر تفتتا في نفس الوقت, وتلك هي الحركة الرئيسية للتغيير المعاصر. ويضيف بريجنسكي قائلا: (ونتيجة للتطور في التكنولوجيا, فان العالم سيصبح متداخل النسيج حيث يكون اعضاؤه على صلة سمعية وبصرية قوية ولأن الجيل الجديد لم يعرف العالم عن طريق القراءة والكتابة, بل عن طريق الاتصالات السمعية والبصرية, سيحدث اندثار للقومية لأن لغتها هي الحكمة, اما العالمية فلغتها هي الصورة. وابرز الممارسات التي اوحت بأن القوميات في طريق الاندثار, تلك الحركات الانفصالية التي ظهرت مؤخرا في اوروبا وكندا, كما في كويبك والباسيك واسكتلندا, بجانب تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, ثم تفكك الاتحاد الروسي حاليا كما نرى في الشيشان, ومن قبل ذلك تفكك الاتحاد اليوغوسلافي في البلقان مما ادى الى اشتعال حروب مستعرة في البوسنة والهرسك وكوسوفو وكرواتيا وسلوفينيا, اما في آسيا فان النزاعات الانفصالية لم تقتصر على اندونيسيا فقط, بل شملت كشمير في الهند, وبعض الاقاليم في الصين, وقد حاول (الصيني توفلر) ان يقدم التفسير النظري لهذه الظاهرة حيث قال: (اذا كانت الامة قد ظهرت كوسيلة لتحقيق التكامل الاقتصادي القائم على النمطية والانتاج, فان عناصر الاستقلال سوف تظهر مع الحضارة الجديدة في كل مكان في كندا وبلجيكا, بل في فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وهذه الحركات الاستقلالية ستكون طابع المرحلة المقبلة, حيث اصبحت وحدة الدولة وسلطتها المركزية مهددة من اسفل عن طريق هذه الحركات الاقليمية الانفصالية ومهددة من اعلى ايضا بتزايد دور ما يسمى بالشركات متعددة الجنسيات التي بدأت تتجاهل الحدود السياسية والمعروفة للدول بشكل متزايد. الامر الواضح ان افكار كل من بريجنسكي وتوفلر تصب في مصلحة المشروع الصهيوني ــ الاستعماري الذي يستهدف اقامة الدويلات الطائفية والعرقية على انقاض الامة الواحدة. وحتى تتضح لنا ابعاد تلك الأفكار, نعود إلى كتاب بريجنسكي فنقتطف منه الآتي: (بواسطة التلفزيون, وعبر الأقمار الصناعية سيصبح في مقدور بعض الدول غزو المنازل الخاصة في بلدان أخرى, بل سيصبح في مقدور الأقمار الصناعية البث المباشر لأجهزة استقبال دون محطات وسيطة , وبذلك ينتقل العالم من مرحلة (القرية العالمية) إلى مرحلة (المدينة العالمية) والمدينة بها الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة, والأحياء المستقرة والأحياء المضطربة, والجريمة المنظمة والجريمة العشوائية, وقياسا على ذلك فإن المدينة العالمية سيكون بها جيوبا من الفوضى في دول العالم الثالث تؤدي إلى تمزق النسيج الاجتماعي والسياسي الحالي, مما يؤدي إلى زيادة الاستعداد للتنازل عن جزء من السيادة. وفي السطر الأخير من كلام بريجنسكي أكثر من دلالة, فالمطلوب من وجهة نظره توفير واقع في العالم الثالث يؤدي إلى زيادة الاستعداد للتنازل عن جزء من السيادة وان كان بريجنسكي لم يعلن صراحة لمصلحة من سيكون ذلك, إلا ان توفلر أعلن ذلك ضمنا في حديثه الصريح عن الشركات متعددة الجنسيات , والدول التي دخلت مرحلة (ما بعد الصناعة) في حدود ما نبه إليه (شرايبر) في كتابه التحدي الأمريكي, فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي دخلت تلك المرحلة يليها في ذلك كل من روسيا واليابان والصين لأنهم بحكم امكانياتهم الذاتية خاصة الاقتصادية مهيئين لذلك. يتضح لنا من هذا العرض ان التبشير بأفول نجم القوميات وتفتيت العالم الثالث هدفه في النهاية ان يبيع أصحاب المصالح والاحتكارات المالية والتجارية الكبرى لشعوب هذا العالم مقولات غريبة تمهيدا لجرها لصراعات أيديولوجية تنقلب إلى صراعات دموية تؤدي إلى تفككها وبما يؤدي إلى توظيف الفكر في خدمة (التجارة) وما يعنيه ذلك من تحكم وسيطرة في مقدرات ومصائر الشعوب. مخططات الصهيونية في الشرق الأوسط يقول (روبرت وريفوس) تعتبر خطة الدكتور برنارد لويس هي اسم الشفرة الاستراتيجية البريطانية بالغة السرية للشرق الأوسط وصانع هذه الاستراتيجية هو البروفيسور برنارد لويس متخصص الشئون الاسلامية والأقليات الدينية في الشرق الأوسط في جامعة اكسفورد ويعمل حاليا في جامعة برنستون في نيوجرسي وعلى الرغم من ان د. لويس كان نشطا في الخطط التكتيكية بالنيابة عن الاستراتيجية الانجلو أمريكية إلا انه كان جاهزا في اجتماع (بلدربيرج) الذي عقد في عام 1979 في النمسا, حيث كان (التطرف الاسلامي) هو الموضوع الرئيسي للبحث. وكانت مهمة برنارد لويس الرئيسية هي وصف ايديولوجية مميزات العالم الإسلامي. ويضيف روبرت دريفوس في كتابه قائلا: ان البريطانيين يعتمدون بشكل كبير في تقديرات لويس في ان يقرروا أي أنواع التدخل يمكن ان يكون أكثر فعالية لصيانة مصالحهم في الشرق الأوسط, كما تدعو خطة لويس الى بلقنة وتمزيق (قوس الازمات) الذي حدده بريجنسكي وفقا لتقسيمات عرقية وقبلية وطائفية ودينية ولهذا فليس من المثير للدهشة ان تكون خطته قد تم تنسيقها مع المخابرات الاسرائىلية ذلك لان لويس يطالب في خطته البريطانيين بأن يشجعوا التمرد من اجل الحصول على الحكم الذاتي من قبل الاقليات مثل المارونيين والاكراد والدروز والبلوش, والاذربيجانيين الاتراك والعلويين السوريين, والاقباط في اثيوبيا والطوائف الصوفية في السودان الخ. والهدف هو تمزيق الشرق الاوسط الى خليط من الدويلات المتنافسة واضعاف سيادة الجمهوريات والملكيات القائمة وقد اعد برنارد لويس دراسة بتكليف من وزارة الدفاع الامريكية تنطوي على خطة موفقة بدراسة تاريخية تشكل حيثيات لمقترحات يدعو فيها الى اعادة النظر في الخريطة السياسية للمنطقة الممتدة من باكستان حتى مصر, وقد نشرت تلك الدراسة في المجلة الخاصة بالبنتاجون وهي المشروع البحثي للمخابرات التنفيذية ويقوم بأساس هذه الدراسة على فكرة ان الحدود الجغرافية الحالية لا تعبر عن الوقائع المذهبية السائدة في منقطة الشرق الاوسط وان هذا التناقض هو الذي يؤدي الى استمرار الاضطرابات في المنطقة لذلك اقترحت الخطة اقامة دويلات جديدة بحيث يكون لكل قومية او مذهبية كيان خاص بها. وتبدأ الخطة بباكستان فتقتطع منها ومن ايران وافغانستان دولتين جديدتين هما بالوشستان وباختونستان كذلك تقتطع الخطة من تركيا وايران والعراق وسوريا دويلة مهاباد الكردية (او ما يسمى بدويلة كردستان) التي تضم جميع الاكراد في هذه الدولة كما تقسم الخطة ايران الى اربع دويلات هي ايرانستان اذربيجان تركمانستان عربستان وتدعو الخطة ايضا الى تقسيم سوريا ولبنان الى كيانات اربعة: علوية, درزية, مسيحية, سنية, وبموجب هذه الخطة يحصر الاردن في الضفة الشرقية لتمتد حدود اسرائيل من نهر الاردن الى البحر المتوسط مما يعني ابتلاع اسرائىل للضفة الغربية وقطاع غزة. اما العراق فينقسم بعد انسلاخ المنطقة الشمالية الكردية منه الى دويلتين شيعيه في الجنوب وسنية في الوسط. هذا بالاضافة لمشروعات تفتيت اخرى تبنتها الصهيونية العالمية وما زالت تسعى لتنفيذها بدءا بمشروع جابوتنسكي والعشرينيات ما اطلق عليه الكومنولث العبري الذي يضم في مخيلته غرب الاردن الى دولة اسرائىل الكبرى ومشروع بن جوريون عام 1954 لتقسيم لبنان كذلك مشروع عوريد بينون مساعد بيجن لشئون الامن القومي والذي عرف باستراتيجية اسرائىل في الثمانينيات ودعى فيه الى اعادة احتلال سيناء وتقسيم مصر بعد ذلك الى ثلاث دويلات قبطية وسنية ونوبية والاخيرة تضم جزءاً من منطقة النوبة في السودان بالاضافة لتقسيم السودان بين الجنوب المسيحي والشمال المسلم ولم تترك الخطة المغرب العربي ايضا دون تقسيم حيث طالبت باقامة دويلة البربر التي تقتطع اجزاء من المغرب والجزائر وليبيا بالاضافة لدويلة البوليساريو بين المغرب والجزائر. * خبير استراتيجي مصري