الى وقت قريب كان الجدل في العالم الاسلامي يدور حول كيفية توسيع رقعة التعامل على اساس المصالح والمنافع بين دوله, شريطة ان يحرك ذلك الرابطة الدينية, حتى ان مصطلحات معينة ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وجدت من يؤيدها ويروج لها , وتظهر تلك جلية في كتابات المنظرين الاسلاميين, فقد تحدثت بعمق عن العالم الاسلامي باعتباره جغرافية ممتدة وحضارة متراكمة, ويبدو خير مثال لذلك كتابات المفكر (مالك بن نبى) التي ركزت في معظمها على ما سماه محور طنجة ــ جاكرتا, اي ما يشمل العالم الاسلامي كامتداد شاسع من اقصى المغرب العربي ــ بعد ضياع الاندلس من خريطة العالم الاسلامي ــ الى جاكرتا حيث اندونيسيا والاسلام الاسيوي, ولم يكن ذلك مجرد حصر او ضم لمساحات شاسعة بقدر ما كان يعبر عن قناعة تجلت في كثير من المواقف, وتفاعلت حتى انها في وقت لاحق بعد ذلك صار الرهان على باكستان مثلا كقوة نووية بدعم من الدول العربية الاسلامية الاخرى. المهم ان هذا الطرح غاب في الوقت الراهن لظروف فرضتها معطيات نهاية القرن الماضي وحركتها عوامل داخلية, مثلما يحدث في اندونيسيا الآن, وهي لا شك تمثل ضربة موجهة لها, كما يمكن اعتبارها متممة لما يحدث في دول كثيرة من العالم الاسلامي بمختلف ثقافاته وشعوبه, صحيح ان هناك من يتكلم عن قيام تلك الدول وارتباطها بالانظمة العسكرية ويرى في تزايد الفساد ومضاعفاته سببا لقيام حركات التمرد, وبما انها تحتاج الى سند, فكثير ما تعتمد على الجانب الاثني او العقائدي او ما الى ذلك, ولم يكن ذلك مطروحا في زمن قوة الدولة نفسها, وانما ظهر الآن نتيجة الضعف المتزايد على المستوى الاجتماعي حيث تغيرت الروابط وعلى المستوى الاقتصادي حيث لم يعد في مقدور الدولة تقديم خدماتها التي تعود عليها المواطنون, وهذا يشكل خطرا ليس في الحاضر فقط, وانما في المستقبل ايضا. لقد كانت اندونيسا الى غاية وقت قريب تمثل بثقلها السكاني والحضاري نموذجا يحتذى به حتى ظهرت الدعوات المتتالية للانفصال, وتراكمت المشكلات, وزادت حدة التطور الاجتماعي, وذلك بعد انهيار النظام السابق على مستوى الافراد. وان كان لم ينته بعد على مستوى التفكير والجماعات الضاغطة وجماعات المصالح المتعددة, وتراجع دورها, ومرشح للانتهاء بشكل لم يكن متوقعا. ومن الناحية الواقعية فان معظم التغيرات التي حصلت الى الآن على المستوى السياسي والتي كانت في اغلبها نتيجة تحرك الشارع والطلاب, لم تستطع ان تقدم ما يصبو اليه كثير من المواطنين الاندونيسيين وذلك لعدة اسباب, أولها: ان النقلة التي تتم الآن في اندونيسيا لا تزال في بدايتها ويمكن اعتبارها مرحلة انتقالية, وثانيها: ان هناك تراكمات على جميع المستويات فيما يتعلق بالجوانب التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر وهذه يصعب حلها وتتطلب برامج انمائية, وخطط طويلة المدى, وثالثها: قوة الجيش النافذة ذات التأثير المباشر في مجرى الحياة السياسية, ورابعها: الظروف الاقتصادية التي تمر بها كثير من الدول الاسيوية وخامسها: ان الدولة ــ في بداية تغيرها ــ لا تستطيع ان تقدم للمواطنين خدمات تعودوا عليها في سنوات الرخاء. غير ان الاسباب السابقة جميعها لا تحول دون طرح السؤال التالي: اذا كانت المشكلات متراكمة, وهناك سعي جاد من السلطة لحلها, فلماذا اتخذت منحى آخر يتعلق بمسألة الاقليات, وفي بعدها الاقصى صراعا طائفيا حينا, وصراعا دينيا ضد توجهات الدولة حينا آخر؟ لا شك ان الاجابة ستكون مرتبطة بتغير الاوضاع, سواء في الانتقال الى مرحلة الديمقراطية والتعددية بمعنى الممارسة والتغيير من اعلى مستويات السلطة, او بوجود ضغوط خارجية لمنظمات حقوق الانسان, وتلك الاخرى المدافعة عن الاقليات, والتي تخلط السياسي الدولي المصلحي, بحاجات الناس الى التغير نحو الافضل. لقد ارجع كثيرون سبب ما يحدث في اندونيسيا الى سلطة الجيش, وقد يكون هذا مقبولا على مستوى معين, لكن لا يمكن الاعتماد عليه في تقديم مسوغات لما يحدث, خصوصا وان ذلك يرتبط بموقف غربي واضح من انظمة دول العالم الاسلامي, والتي هي في كثير منها انظمة عسكرية, او تخضع لتأثير العسكريين وبما انه يتعذر فرض مزيد من الشروط على تلك الدولة. او احداث صراعات داخلية في حال استمرارية قوة الجيش, فان الانتقادات جميعها توجه الى المؤسسة العسكرية كمحاولة لابعادها من المحافظة على استقرار البلاد. صحيح ان هذا غير مقبول لدى بعض المنظرين والسياسين الذين يمثلون المعارضة في الغالب ولكن ما حدث مؤخرا سيجعلهم يغيرون من مواقفهم, اذ في رأي المراقبين ان ما قبل به الجيش مؤخرا من احالة بعض الجنرالات الذين يحتفظون بحقائب وزارية الى التقاعد, بما في ذلك الجنرال (ويرانتو) الذي يدور جدل حول دوره في قمع الحركة الانفصالية في تيمور الشرقية, وما يتبع ذلك من تداعيات ستقلص من سلطة الجيش وتحدد دوره في الحياة السياسية. استبعاد قيادات الجيش او احالتهم الى التقاعد قد يكون المقصود منه بالنسبة للرئيس (عيدالرحمن واحد) هو التقليل من الاضطرابات وتهدئة النزاعات الطائفية والانفصالية التي تهدد وحدة البلاد واستقرارها, لكنه ايضا قد يعد استجابة لبعض الضغوط الخارجية, ومعنى ذلك ان محاولة الحفاظ على وحدة البلاد ستصبح من المتغيرات بل ربما اعتبر استبعاد الجيش خطوة لفتح مجال اوسع لعدم الاستقرار لانه اذا كان الجيش قد رفض في السابق وبذل كل ما في وسعه بل ولجأ للقوة من أجل الحفاظ على وحدة اندونيسيا ولم يفلح فما بالك حين يستبعد قادته الذين يرفضون اي استقلال اخر بعد تيمور؟ ومع ذلك كله فان هذا يعتبر تغيرا يجب مراقبته لان المؤسسة العسكرية الاندونيسية رفضت العام الماضي استقالة بعض الوزراء الذين يخدمون في الجيش, ويرى بعض المراقبين ان استجابة الجيش جاءت نتيجة تزايد الانتقادات في اطار جهود تستهدف تقليص نفوذه الواسع على الساحة السياسية, وهو ما ظل يمثل مبررا لموقف المعارضة, ولدعوات خارجية متتالية مطالبة استبعاده من المشاركة السياسية فيما يتعلق بعملية صنع القرار. الواقع ان الجيش الاندونيسي هو الذي رفع قرار احالة بعض قياداته الى التقاعد, وبغض النظر عن هذه الخطوة, وما ذكر عنها سابقا, فان مؤسسة الجيش هنا هي صاحبة القرار في تغيير قياداتها, وليس ذلك نتيجة موقف من الرئيس المنتخب عبدالرحمن واحد, حتى ان الجنرال ويرانتو الذي واجه ـ كما ذكرت حملة انتقادات ـ ما زال محتفظا بمنصبه كوزير لتنسيق الشئون السياسية والامن, وهذا يعني ان الجيش وان كان دوره مرشحا للتناقص في المستقبل فانه في الوقت الحاضر لايزال صاحب القرار الفعلي في البلاد. على العموم فان اندونيسيا تعيش وضعا صعبا من ناحية الدعوات الانفصالية والطائفية, واذا صحت الانباء القائلة بأن اقليم (اتشيه) الذي يوجد في غرب البلاد يطالب سكانه باقامة دولة اسلامية مستقلة, على غرار مايطالب به المسيحيون في اقاليم اخرى, فان ذلك يدخل اندونيسيا في مسألة الصراع الذي سيؤدي الى مزيد من اعمال العنف التي بدأت وسقط نتيجتها عدد من المواطنين والشرطة وان كان الرئيس واحد قد اشار الى عودة السلام الى البلاد بسرعة في عملية يحضرها الآن ولم يكشف عن مضمونها, وربما تعد الجولات الميدانية التي قام بها الى بعض المناطق, وكللت بتدشين بعض المنجزات جزءا من خطته الرامية الى انقاذ بلاده. من الواضح ان اندونيسيا تسير نحو مزيد من الانزلاقات, ذلك لان البداية كانت على اساس طائفي, مثلما هي في دول اخرى على اساس الاختلاف بين السلطة والمعارضة المسلحة, وهذه ستدفعها الى تكاليف باهظة على المستوى الداخلي من ناحية نتائج اعمال العنف التي تؤثر سلبا على السيادة الوطنية, وستدفعها على المستوى الخارجي الى الاستعانة بدول اخرى بهدف الاستثمار او التقليل من الضغوط, وما الاعلان عن تطوير التعاون الاقتصادي بين اندونيسيا واسرائيل الا احدى النتائج لما تعيشه اندونيسيا في الوقت الراهن, في سياق وضع عام تعيشه كثير من الدول الاسلامية, التي لم يعد في مقدورها ان تتكلم عن محور عالم اسلامي, وانما يكفيها الحفاظ عن الدولة الوطنية القطرية ان استطاعت, وذلك اقصى ما يمكن ان تقوم به في المستقبل. كاتب جزائري مقيم في مصر