حينما قررت أن أكون ممثلة عاهدت نفسي منذ اللحظة الأولى ألا أهدر طاقتي الفنية وقلت أنا وإمكانياتي وفني طوع وطني وفي خدمة قضايا مجتمعي الاجتماعية والسياسية والدينية. وهذا ليس مجرد كلام براق أو مجرد شعارات رنانة, وإنما هي الحقيقة التي أدركتها منذ بداية مشواري الفني , وربما قبل ذلك بكثير منذ كنت فتاة صغيرة نشأت على قيم الحرية والاستقلال والكرامة وحب الوطن والوحدة التي تعلمناها جميعا في عهد الزعيم جمال عبد الناصر الذي عشنا معه لحظة بلحظة تفاصيل حريتنا وعشقنا كل ذرة تراب في الوطن العربي. كنت فتاة صغيرة ولكني أدركت الحقيقة وعرفت في الستينيات مناخاً من الإبداع الرائع الذي لن يتكرر مرة أخرى, ونشأت في ظل هذا الجو المفعم بالإبداع وتحمست لأحلامي الفنية ولم أسمح لأية عقبات أن تعرقل أحلامي وأمنياتي, وسرت على مبدأ ان الفن الذي يخدم المجتمع هو الرسالة الحقيقية للفن والفنان, فأنا فنانة إنسانة ولست فنانة موظفة, فيجب أن يكون هناك تنوع للأدوار مع مبادئ راسخة وقضية أساسية. وقد راعيت في أدواري التميز والحرص والدقة في الاختيار والاهتمام بأبعاد الدور وجودته سواء كان قصيراً أو طويلاً, المهم جودة العمل ككل وهدفه الأساسي في خدمة مبادئي التي وهبت نفسي وفني لها. لم يستوقفني حجم الدور, وأدواري الصغيرة في السينما أكسبتني نضجا نفسيا وفنيا وإنسانيا, والمهم عندي دوما كان قيمة الدور وفعالية الشخصية التي أجسدها داخل العمل والقضية التي يتناولها العمل. هذا المبدأ سرت عليه في كل أعمالي سواء في المسرح مثل إيزيس وقصر الشوق ومعروف الإسكافي ويا مالك قلبي بالمعروف وزقاق المدق وروض الفرج وزواج على ورقة طلاق ورقصة سالومي الأخيرة. أو في السينما مثل بنات في الجامعة وحكاية بنت اسمها مرمر وحكمتك يارب والبوسطجي والزوجة الثانية وعودة الأبن الضال وغيرهم. أو في التلفزيون مثل الساقية وليالي الحلمية وأرابيسك وبوابة الحلواني وغيرهم. وان كنت دائما أجد نفسي أكثر في المسرح, فأنا عاشقة له وصلت وجلت فوق خشبته في أعظم الأعمال التي ارتبطت باسمي, فالمسرح محراب الفنون ولا يمكن أن يكون مكانا محترما إلا إذا كان الواقف على خشبته محترما أساسا لأن له قدسيته, والمسرح وظيفته إعمال العقل وهي وظيفة ثقافية وذهنية, كما أن المسرح مجتمع صغير في صورة فن, ومجتمع نموذجي خاص ينتقد بالسلب والإيجاب ما يحدث في المجتمع الكبير بأشكال مختلفة, منه التراجيدي أو الكوميدي أو الاستعراضي أو الترفيهي أو الغنائي, وبهذه الصورة يضع المجتمع أمام مسؤولياته من خلال الكلمة الجادة التي يمكن التعبير عنها بالفعل. فمن ينسى إيزيس التي قدمتها على خشبة المسرح وتأثرت بها لدرجة كبيرة حتى أنني في كل أدواري التي أديتها بعد ذلك, كنت حريصة على اختيار الدور الذي فيه طابع إيزيس, فقد رأيت إيزيس الأسطورة الفرعونية في شخصية سماسم (ليالي الحلمية), فهي عالمة وراقصة ولكنها تحولت إلى أم مخلصة ووفية لزوجها وأسرتها الصغيرة المكونة من زوجها وأبنتها, ووفية أيضا لعائلتها الكبيرة المتمثلة في الوطن كله, بل أن بيتها وكأنه بيت الأمة تتجمع فيه فئات كبيرة من الشعب والمناضلين, كل ذلك في مسلسل جسد المقاومة الوطنية في مراحلها المختلفة قبل وبعد ثورة يوليو. فقد كانت سماسم هي الأمومة المهمومة بقضايا مجتمعها, ولكن بشكل فطري , وكذلك كانت شخصية عدولة التي قدمتها في مسلسل (أرابيسك) فقد كان فيها كل ذلك البعد الإنساني النبيل الموجود لدى المرأة المصرية الأصيلة واستطاعت أن تكون قريبة إلى نفسي بل وتعتبر إضافة رائعة بالنسبة لي, خاصة وأنني أعيش حياة كل أدواري, وهذه بالنسبة لي متعة ما بعدها متعة. وفي مسرحيتي الأخيرة (رقصة سالومي) وجدتها أيضا إضافة وشيئا مختلفاً, عما سبق كتابته في التاريخ ووراؤها بعد ديني وتاريخي وسياسي, كما أنها تمثل صيحة ودعوة للقومية التي أطلقها المؤلف محمد سلماوي, وهذه المسرحية ليست مجرد عدد في أعمالي, بل إضافة قوية لرصيدي المسرحي, فهي تتعرض لشخصية (سالومي) التي حكمت 20 سنة وانهارت ثم انتحرت في النهاية, فأنا أمثل سالومي التي غربت شمسها وغرب فكرها أيضا, وقد جذبتني موضوعية القضية نفسها, ومن هنا كانت المقاومة النفسية حيث أنني أعمل دور طاغية ولكن كان المهم عندي توصيل الكلمة كقضية أنتمي إليها, فأنا لست سالومي اللعوب والفاتنة والتي قتلت يوحنا المعمدان في شكل عبثي ورقصت أمام الملك.