يروج هذه الايام ـ على غرار سنوات سابقة ـ لمفهوم التطبيع بين العرب واسرائيل وتعمل دوائر نافذة هنا وهناك, واخرى لها علاقة بالنخب على تجسيد هذا المفهوم على ارضية الواقع وتتخذ من اجل ذلك سبل شتى تربط الثقافي بالسياسي في محاولة لتبرير ما يمكن حدوثه مستقبلا, او ما ينتظر او يتمنى وقوعه, على اعتبار ان الواقع السياسي موقف وقرارات وممارسة اسبق من الموقف الثقافي , بل هناك من يسعى جاهدا لجعل الثقافي تابعا بشكل كلي للسياسي ولذلك يحمل مفهوم التطبيع معنى مزدوجا, فهو من ناحية اولى مصطلح سياسي, لكن الهدف منه هو القبول بالاخر ثقافيا, خصوصا في المرحلة المقبلة في حال وصول المفاوض السوري واللبناني الى اتفاق سلام مع عدو الامس. والحديث عن التطبيع هو في اساسه دعوة لتعايش الآخر معنا بمفهوم الشراكة بما في ذلك البحث عن جذور ثقافية مشتركة, تتجلى احيانا في منطلق ديني لا يتم الاعتراف به إلا لتبرير الموقف السياسي, فالقول بإنتماء اليهود والعرب الى شجرة عائلية واحدة يمثلان فيها ابناء العمومة, او القول بأن الشعبين تجمعهما ديانة التوحيد, او ان المقولات السابقة لرفض الآخر المغتصب ليس لها مبرر من منطلق واقعي, وربما تاريخي ايضا, وهذه المحاولات جميعها تهدف في النهاية الى كسر حاجز العداء, وازالة العقد النفسية التي كرستها انماط الثقافة لعقود من الزمن, نتيجة لتراكمه افعال عدائية بدأت منذ بداية الرسالة ولم تنته, وستتواصل رغم محاولات بعض منا لي الحقائق واعطاء صورة مشوهة للاجيال الجديدة. لقد بات من الضروري في ظل حلول مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية التمييز بوضوح بين ما هو ثقافي مجتمعي يتعلق بالهوية والانتماء ويعلن عن خلفية مرجعية, ضاربة بجذورها في اعماق التاريخ وحاسمة لمواقف جوهرية في حياة الامة, وبين مواقف سياسية تمليها مراحل بعينها سواء اكانت تلك المواقف نتاج قناعات داخلية, أو بضغط خارجي. والواقع ان الفصل بينهما مفيد على عدة مستويات تبدأ من تثبيت الفرد العربي في المواجهة وتنتهى الى موقف واضح في التفاوض على مستوى الدولة, وهنا تبدو الثقافة في فرزها لمعطيات الحاضر بناء على اتصال مباشر بالماضي وقيمه وتراكماته, عامل دفع وعنصر قوة ليس للثبات فقط بل للتغير ايضا. من ناحية اخرى فإن الفرز بين الثقافي والسياسي والفصل بينهما في زمننا الحالي, يساعدان على قيام استراتيجية, لا يؤثر فيها ما يحدث من تغيير في المواقف, والقول بإنهاء مفهوم العداء مثلا, يوحي بمحاولة, هدفها استبعاد الثقافة من لب الصراع حيث لن يكون بعدها تميزا في المنطقة, وبدل ان تحكمنا الثقافة المتأصلة والمحافظة على التميز, على اساس الهوية والانتماء لامة واحدة ممتدة, يحل بدل منها ثقافة المنطقة وهي المسماة بثقافة الشرق الاوسط, واذا امتدت بعيدا فهي لن تتجاوز البحر الابيض المتوسط, ولا ينظر للامر من واقع الاستعلاء على الاخرين او مواصلة معاداتهم لان ذلك لم يكن موجودا في ثقافة الامة ـ إلا فيما نذر ـ وهذا عكس ثقافة الآخر الذي يبحث حسب كتابات بعض مفكريه وقاداته السياسيين عن مكان تحت الشمس. والواقع ان البحث عن مكان في خارطة المنطقة من طرف اسرائيل بدأ يتحول الى البحث عن المعايشة داخل المجتمعات العربية, ويبدو انها قد وجدت الامر اسهل مما كانت تتوقعه, حيث وضع الاقتصاد كمسوغ للقبول بالتعايش والمشاركة, وما يتبع ذلك من تغيير في المواقف والقرارات, لذا فإن الدعوات المتواصلة لثقافة السلام بدءا من تغيير البرامج المدرسية في الدول العربية, مرورا بالاشتراك في كتابات لقصص الاطفال حسبما جاء في لقاءات كوبنهاجن انتهاء بحذف آيات من القران في بعض المصاحف التي طبعت في اسرائيل ووزعتها خارج المنطقة العربية او المطالبة بعدم ذكرها او تلاوتها لانها تثير العداء, كل هذا يدخل ضمن التحضير لإزالة العواقب امام ما يمكن الرجوع اليه كمرجعية للصراع يمكن حدوثه في المستقبل. وقد يبدو من المبالغة ان نتصور حدوث ما ذكر سابقا بالسرعة المنتظرة, لكن اذا تتبعنا الجهود التي بذلت لوجود دولة اسرائيلية واحياء ثقافة ولغة عبرية ولجمع اليهود من الشتات, يصبح التخوف لدينا مقبولا خصوصا عندما يتعلق بمحاولة محو ما في الذاكرة, وهو حال من الصحة اكثر منه حال من المرض الذي لا يمكن الشفاء منه او العجز الذي لا يمكن الخروج, ورغم ان المسألة تتجاوز مظاهر التبسيط التي تقدم بها صورة المستقبل, وتداعيات السلام إلا ان هناك من يحاول ان يقدمها على النحو السابق ويحشد لذلك مئات الادلة وعشرات المبررات على ضرورة التعايش في ظل ثقافة عالمية شاملة تظهر تجلياتها في العولمة, التي هي حديث شيق ومفزع في الآن نفسه هذه الايام. اذن فالقول بثقافة السلام يفترض انه سبق بثقافة الحرب, وهذه غير موجودة منذ بدء انطلاق الصراع العربي الاسرائيلي, سواء بمعنى ما اشيع من استبعاد اسرائيل كليا, أو القول بوجود عدو متربص انما كانت هناك ثقافة يمكن ان نطلق عليها ثقافة ديمومة صراع الوجود, ظهرت في الحروب المتتالية الى غاية حرب اكتوبر 73 ورغم هزيمة 1967 التي كان يفترض فيها ان تحل ثقافة الاستسلام إلا ان الامة واصلت استعدادها لوجود عنصر الزعامة والاجماع الذي عمل على رفع الهمم في حال الهزيمة, وقد كانت ثقافة المواجهة موجودة في السابق, لكن لاشك انها تعمقت في حرب 1967, والتي تعتبر الآن مقياسا ـ حتى في ابعاد الهزيمة ـ لاستعادة الارض في المفاوضات الجارية حاليا. واذا كان كثير من المحللين يرى ان احد اسباب هزائمنا المتكررة هو عدم معرفتنا للآخر على المستوى المجتمعي والثقافي ناهيك عن تقدير قوته العسكرية فماذا تكون اجابة هؤلاء حين يطرح السؤال التالي: لقد اكتشفنا العدو منذ سنوات, وهناك من زاره وعايشه عن قرب, فلماذا استمرت امانيه الثقافية معتقدا ان الامر يتعلق بالبحث عن المعايشة بأمان وليس بوجود على المستوى الثقافي والمجتمعي؟ ولا ندري ان كان اولئك المتتبعين والذين يبررون متطلبات السلام ثقافيا يدركون ان المطالب المتعلقة بالبعد الثقافي او ما يسمونه بالتطبيع ليست انهاء لحال الحرب وانما تكريس لواقع طالما حلمت اسرائيل ودول مساندة بتحقيقه؟ ويذهب بعض المتتبعين الى القول: ان لعملية السلام تبعاتها ومنها التغير في المفاهيم الثقافية على المستوى الجماعي, واعادة النظر في الثوابت التي تكرست الجهود حولها في محاولة تجميع لكل القوى خلال عقود من الزمن, وقد يكون هذا مقبول لو كنا نحارب مستعمرا, واراد الرحيل بعيدا عنا في مقابل اقامة علاقات ثقافية ودبلوماسية, انما نحن في واقع الامر نتعامل مع عدو دخيل اغتصب الارض, وليس على استعداد لاعادتها. ويعمل الآن حسب الزيارات التي يقوم بها بعض قادته الى اثبات الانتماء لهذه الدولة او تلك, والتجارب التاريخية تذكر ان هؤلاء الذين يشكلون ما يعرف بالدولة العبرية الآن من دول مختلفة كثير منهم من الدول العربية. ان محاولة تجاوز التاريخ وعدم استحضاره لربط الحاضر به هو تجن على الانسان وعلى التاريخ وتبعا لذلك هو تخل عن الوعاء الثقافي الذي تنهل منه الامة رغم ادعاء البعض بقبول واقع ثقافي جديد يطلق عليه (ثقافة السلام) التي يفترض ان تكون مناقضة لثقافة الحاضر, وهذه وان تم القبول بها فإن ذلك يتطلب شموليتها لكل الاطراف والتزامهم بها وما نلاحظه الآن من قصف متكرر في جنوب لبنان او تصفية لقيادات اسلامية داخل فلسطين, ومواصلة الاعمال الامنية لمطاردة المناضلين السابقين جميعها عوامل تثبت عدم التغير في موقف اسرائيل اي ان هناك مطالبة مستمرة بالتعايش داخل المجتمعات العربية منها دون ان يكون مقابل ذلك تحقيق مجرد آمال للذين يجاوزونها, لكن هل هذا يعني ان ثقافة السلام مجرد وهم؟ من الناحية الواقعية فإن ثقافة السلام حقيقة مجسدة بالنسبة للعرب في تعاملهم مع الآخرين على طول فترات التاريخ وليس مباهاة ولا تفاخرا ان يتم الاعلان على ذلك, وانما لتوضيح الصورة يتطلب ايجاد اجابة لسؤال هو: اي ثقافة نعني؟ لان هناك فرق بين ان تروج لمحاولة الاستقطاب الخارجي والتنازل الثقافي ـ ان صح التعبير ـ وبين الانتماء لحضارة عالمية واحدة بغض النظر على درجة المساهمة فيها, وبالتأكيد كثير من النخب العربية مع الثانية, لكن هذا لا ينفي ظهور اقليات نخبوية هنا وهناك تروج لوجهة النظر الاسرائيلية ولا علاقة لذلك بمسألة الوطنية من عدمها وانما لها علاقة مباشرة بقضية الحق العربي في الارض اليوم, وفي الثقافة المتميزة غدا, وفي رفض الواقع المأساوي مستقبلا, وباختصار فإن عملية الترويض للعقل العربي بمبررات ثقافة السلام لا يعتقد ان تعمر طويلا بناء على تجارب سابقة عاشتها الامة كانت في ظلاميتها اطول عمرا مما نحن فيه الآن واقل ضعفا واكثر تراجعا, وقد تكون هذه آمال نتمنى تحقيقها, لكن ليست مثالية ولا مجرد اوهام او سراب, ورحلة المواجهة ستطول لكنها مؤكدة النتائج على المستوى الثقافي لقدرة الحضارة العربية على استيعاب الآخرين وليس العكس. * كاتبة جزائرية مقيمة في مصر