يوم كان العالم في الاربعينيات لا يفكر بمجرد البحث في موضوع الاقليات, ويوم لم تكن للاقليات انذاك اي حق في التعبير عن ذاتها ولم تكن تفكر بأن تطالب العالم بالاعتراف بخصوصيتها, كان لبنان السباق في ايجاد صيغة التعايش بين ابنائه, وهم مجموعة اقليات , وتجسدت هذه الصيغة في الميثاق الوطني غير المكتوب الذي اقام في العام 1943 نظام حكم يعتمد مفهوم التنوع في الوحدة, ويحفظ حق كل اقلية في ان تتمثل في الحكومة والبرلمان والادارات العامة. في الاربعينيات بدا لبنان رائدا في محيط سيطرت عليه الايديولوجيات التوتاليتارية التي لا تعترف بالآخر وتعمل على استنساخ الافراد بحيث تلغي الفوارق وترى ان كل الناس متشابهون تحت عنوان المساواة فيما بينهم. الحق في الاختلاف كان هرطقة, وكان النظام الطائفي في لبنان بنظر البعض خروجا عن المألوف, وبنظر البعض الاخر استثناء لابد وان يخضع مع الوقت لقانون الاكثرية. وجاء التطور بعكس ما اشتهى اصحاب الايديولوجيات الاممية والعربية والاسلامية, وتغلبت الخصوصيات على العموميات بدليل ما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وبدليل (الاعلان العالمي لحقوق الاشخاص المنتمين الى اقليات قومية واثنية ولغوية (الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 18 اكتوبر 1992, وقد نصت المادة الاولى منه على ان تقوم الدول بحماية وجود الاقليات وهويتها القومية او الاثنية, الثقافية والدينية واللغوية... وتعتمد التدابير التشريعية والتدابير الاخرى الملائمة لتحقيق تلك الغايات) . ما اعلنته الامم المتحدة في التسعينيات كان لبنان يطبقه منذ الاربعينيات, وقد ادخله في تشريعاته وانظمته وقراراته منذ تلك الحقبة, وقدم نموذجا في التوافق بين عناصر الوطن وطوائفه ومذاهبه, فجسد ما يسمونه الفقهاء الدستوريون (بالديمقراطية التوافقية) التي راجت في المجتمعات المركبة, مقابل (الديمقراطية العددية) التي تعمل بوحيها المجتمعات الاحادية. فاستحق لبنان اللقب الذي اطلقه عليه البابا يوحنا بولس الثاني بأنه (اكثر من وطن فهو رسالة) . ولم ترق للدول الاقليمية الكبرى في الشرق الاوسط ان يحمل هذا الوطن الصغير تلك الرسالة الكبيرة فوقع ضحية حسد البعض واطماع البعض الاخر, رأى فيه دعاة (اسرائيل الكبرى) تحديا (غلطة تاريخية) . ورأى فيه دعاة (الوحدة العربية) و(دولة الخلافة الاسلامية) حاجزا سياسيا يزعج مشاريعهم في تأسيس دولة عربية او اسلامية واحدة فاعتبروه (غلطة جغرافية) . وكانت الحروب عليه وفيه تحمل في خفاياها نية مبيتة للتخلص من هذا المثال الذي يزعج اسرائيل ويعرقل نمو الحركات الوحدوية. وانتهت الحرب في لبنان (باتفاق الطائف) الذي دعا الى (الغاء الطائفية السياسية) و(تشكيل هيئة وطنية) مهمتها اقتراح الطرق الكفيلة بهذا الشأن. ولكن الغاء الطائفية تبدو عملية شديدة التعقيد وقد سعى اليها الكثيرون وما نجحوا. ففي بداية كل عهد ومنذ الخمسينيات يتزامن الحديث عن الغاء الطائفية مع محاولات العهود المتعاقبة الاقدام على الاصلاح السياسي, ولكن سرعان ما ينقسم اللبنانيون في شأن الطائفية السياسية الى فريقين: فريق يرى ضرورة الحفاظ على النظام الطائفي حفاظا على لبنان, وفريق يرى ان مصلحة لبنان ومستقبله يحتمان التخلي عن هذا النظام. ويطغى الخلاف حول النظام الطائفي على موضوع الاصلاح السياسي, فتصل الامور الى الطريق المسدود, ويتوقف العمل بالاصلاح وبالغاء الطائفية السياسية على حد سواء. هذا ما نشهده منذ خمسين عاما. وكثيرا ما يتزامن الحديث عن الغاء الطائفية السياسية مع الاحداث الامنية والاستحقاقات الانتخابية. فعندما تحصل حوادث امنية ذات طابع طائفي ينبري اهل الحكم الى طرح الغاء الطائفية بقصد امتصاص انعكاسات تلك الاحداث, كما يفعل حاليا رئيس الوزراء سليم الحص بعد احداث الضنية في شمال لبنان. وفي كل مرة تنكب الحكومة ومجلس النواب على درس قانون الانتخابات تعلو اصوات تطالب بالغاء الطائفية السياسية, ولكن ما ان تزول اثار الاحداث ويتم اقرار قانون الانتخاب حتى يتراجع البحث عن الغاء الطائفية السياسية. لا اعتقد ان موعد الغاء الطائفية السياسية يقترب, بل ان الحالات الطائفية والمذهبية في ازدياد والحركات الاصولية في تصاعد, مما يجعل الناس يفضلون كل مساوئ النظام الطائفي بدل ان يغامروا وراء حسنات البديل غير المتفق عليه وغير المضمون النتائج. الغاء الطائفية لن يحصل غدا, والنظام الطائفي باق في لبنان حتى اشعار اخر.