عكفت لجنة (الاصلاح ورأب الصدع) على صياغة معادلة سياسية تكون مقبولة لكل من جناحي الحزب الحاكم. جناح الفريق البشير وجناح الشيخ الترابي, لعلها بذلك تضمد الجراحات التي بدأت تنزف في جسم الانقاذ وترتق الفتوق العديدة التي ظهرت الى العيان منذ المؤتمر التأسيسي لحزب المؤتمر الوطني , واحسب ان مجلس شورى الحزب عند انعقاده يوم 23 يناير سيجيز تلك المعادلة باغلبية كبيرة وسيضطر جناحا الحزب لاظهار الرضوخ والالتزام بتنفيذ المعادلة التصالحية, ولكن ذلك لايعني ان المياه عادت الى مجاريها وان الثقة قد رجعت كما كانت بين الرئيس والامين العام, فالذي حدث من قرارات وتصريحات وخطب منذ اجتماع مجلس الشورى الاخير في 27 ديسمبر وتمت فيه اجازة اسس المعالجة الشاملة التي اقترحتها لجنة الاصلاح يدل على ان طرفي الصراع بالحزب لا يزالان متشاكسان وان احتمال التعايش بينهما قد لايكون كبيرا, وان حدث التعايش فربما لايستمر طويلا, ولعل لجنة الاصلاح تدرك هذه الحقيقة لكنها لاتملك في المرحلة الراهنة الا ان تبحث عن خطة (اسعافية) تحفظ بها وحدة الحزب وتؤمن كيان الدولة على ان تترك امر المعالجة الشاملة الى مرحلة مقبلة, ولا ندري متى تجيء تلك المرحلة اما بضغط من تطور الاحداث والافعال او بالنظر الفاحص في التداعيات والمساءلات فالازمة بين الحزب والدولة معقدة متشابكة وليس لها من حل سهل ميسور يحقق كل الاهداف المطلوبة, مما يستدعي ان تكون رؤية الاحتمالات واضحة بينة, وترتيب الاهداف متسقا مع الاهمية والاولويات وان تغلبت الواقعية الدنيوية على المثالية المجنحة. ورغم تمنياتنا للجنة الاصلاح بالتوفيق والسداد في مسعاها الحميد الخطير الا اننا ننبه الى ان الازمة القائمة قابلة في تطورها لعدة سيناريوهات, ونشير في هذا المقال لأسوأ تلك السيناريوهات المحتملة لعله يكون حافزا لاهل الحل والعقد في سلطة الانقاذ ان يتداركوا الامر قبل استفحاله وان يعطوا الازمة القائمة ماتستحقه من تدبر وجدية وحسم. السيناريو الذي نخشاه اكثر من اي شيء اخر هو ان يقود تطور الازمة الى ذهاب شيخ الحركة الاسلامية (الدكتور الترابي) والى تفتت الحزب الحاكم بما فيه الحركة الاسلامية, والى هزيمة رأس الدولة (الفريق البشير) في الانتخابات الرئاسية المقبلة, والى فقدان كل مراكز السلطة التي بنتها الحركة في سنوات الانقاذ الماضية, واخيرا الى تغيير كل القوانين والسياسات الاسلامية التي عملتها الانقاذ منذ مجيئها الى الحكم, والى ان يصبح مجرد شعار (اسلامية الدولة) شعارا غير قابل للترويج في سودان الغد القريب, وقد يتضمن هذا السيناريو انفصال الجنوب عن السودان وظهور توترات عرقية وجهوية في جبال النوبة والنيل الازرق وبعض مناطق الغرب وبعض مناطق الشرق, ويعني انفصال الجنوب فقدان السودان لاهم موارد البترول المكتشف وشر البلية ان تكون الحركة الاسلامية الحديثة مسئولة مسئولية تامة عن كل نتائج هذا السيناريو بما ارتكبته من اخطاء وحماقات منذ ان قفزت الى السلطة على ظهر دبابة. سيكون تفتيت الحزب الحاكم بسبب ترهله القائم على ارتباطه اللصيق بالسلطة, وذوبان تنظيم الحركة الاسلامية داخل ذلك الكيان المترهل, وانقسامات الحركات بين الشيخ والفريق, وضعف جاذبية الحزب لعناصر جديدة من الشباب بعد ان اهتزت هويته الايدولوجية وتحمل كل اخطاء سلطة الانقاذ, وعجزه في تربية وتدريب كوادر قيادية لانه شغل عنها بمشكلات الحكم, ولانقطاع المدد الحكومي بعد الانتقال الى تعددية حقيقية وشفافية سياسية, ولهروب الكثيرين من السفينة الغارقة بعد ان ركبوها طمعا في مكاسب السلطة, ولن تكون عناصر الحركة الاسلامية عندئذ في حالة نفسية او معنوية تسمح لها بالتجمع والنشاط مرة ثانية في مناخ سياسي معاد يحملها كل اخطاء وحماقات الانقاذ, وقد يلتحق بعض النشطاء الاسلاميين بهذا او ذلك من الاحزاب القائمة ولكن الغالبية العظمى ستقف خارج الساحة السياسية تلعق جراحاتها وتعض بنان الندم! اما ذهاب الدولة فلا يحتاج الى تحليل عميق لان فترة الرئيس الحالية تنتهي في ابريل من العام المقبل, وسيخوض الفريق البشير, وهو افضل مرشح لدى الحزب الحاكم, انتخابات الرئاسة المقبلة في ظل تعددية حقيقية تخوضها الاحزاب الكبيرة (الامة والاتحادي الديمقراطي والمعارضة الجنوبية) بمرشح واحد او بمرشحين اثنين, وتحت ظل مراقبة دولية دقيقة, لا اتوقع ان يفوز البشير في تلك الانتخابات فمنافسوه في الانتخابات سيحملونه كل اوزار سلطة الانقاذ منذ صدور البيان الاول في 30 يونيو 89 وحتى انعقاد الانتخابات الرئاسية وسيذكرون له مفاسد كل مسئول تنفيذي ولاه على مرفق من مرافق الدولة, ويحملونه كل ظلم وقع على مواطن سوداني طيلة سنوات الانقاذ, وسيذكرون له اقواله المتضاربة منذ ان جاء الى الحكم, وانه قد خدع الشعب السوداني فترة طويلة, وستقف بعض دول الجوار ومن ورائها بعض الدول العظمى خلف مرشح الاحزاب الذي سيعدها بحل مشكلة الجنوب سلميا, وبتفكيك دولة الاصولية الاسلامية, وبالغاء القوانين والسياسات التي تتعارض مع حقوق الانسان, وحقوق الانسان هنا تعني شرب الخمر وتعاطي الربا وحرية الارتداد عن الدين والغاء العقوبات الجنائية (القاسية) وهلمجرا.. ان الترحيب الذي يجده الرئيس البشير حاليا بسبب ابعاده للدكتور الترابي من مركز السلطة مرهون بفترة مؤقته يبدأ بعدها الحساب على اداء النظام في الفترة الماضية, والذي يستمع للناس في مجالسهم الخاصة يعرف ان الحساب سيكون عسيرا خاصة في ظل منافسة انتخابية لن تخلو من الغلو والمزايدة. واذا ما غابت الحركة الاسلامية المنظمة, واذا ما ضاعت السلطة بهزيمة انتخابية ماذا نتوقع ان يحدث للقوانين والسياسات الاسلامية التي جاءت بها سلطة الانقاذ؟ ستقول الحكومة الجديدة ان نتيجة الانتخابات تعني استفتاء شعبيا حرا على القوى السياسية التي كانت حاكمة وعلى مجمل سياساتها التي اتبعتها في السنوات الماضية, ولن تملك عناصر الحركة الاسلامية عند ذاك القوة التنظيمية والمعنوية التي كانت لديها في ابريل 85 عندما دافعت عن القوانين الاسلامية التي جاءت بها حكومة مايو واستطاعت ان تبقيها رغم الهجوم الكاسح عليها من قوى الانتفاضة, وربما تحاول الحكومة الجديدة ارضاء للقوى الاجنبية وللقادة الجنوبيين وخوفا من منافسة الاسلاميين ان تمنع قيام احزاب على اساس ديني, اي ان لايسمح لحزب بالدعوة الى تطبيق احكام الاسلام في الحياة العامة, وقد حدث هذا في تركيا موطن الخلافة الاسلامية لستة قرون متوالية بسبب ضعف السلاطين المتأخرين وعجزهم وفسادهم, فلم لا يحدث في السودان البلد الخليط المترامي الذي انقلب بعض اهله على دولة المهدية مرحبين بالجيش الانجليزي الفاتح؟ قد يبدو هذا السيناريو شديد التشاؤم ولكنه ليس مستحيلا: ان تختفي الحركة الاسلامية, وتضيع الدولة, وتلغى السياسات الاسلامية, ويخفت بريق شعارات الاسلام السياسي, الله (يكضب الشينة) ولكن ان حدث هذا او قدر كبير منه فأين كان الخطأ ومن الملوم عليه؟
