دخلت سياسة الوئام والتصالح الوطني الذي دعا إليها وانتهجها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منذ توليه السلطة في ابريل الماضي, مرحلة جديدة بعد اعلان العفو الشامل عن الجيش الاسلامي للانقاذ في الاسبوع الماضي, والذي قابله قيام أمير هذه الجماعة مدني مرزاق بحل هذا التنظيم والتعهد بتسليم كل الاسلحة والوسائل العسكرية الأخرى للسلطات الجزائرية, وبهذا لم يعد هناك في الجزائر الا جماعتان مسلحتان محظورتان فقط تعارضان السلطة في الجزائر هما الجماعة الاسلامية المسلحة وجماعة الدعوة والجهاد.. في الوقت نفسه دخلت الاحزاب السياسية الجزائرية على الخط وراحت هي الاخرى تطالب في ظل هذه الاجواء الايجابية باتخاذ المزيد من الاجراءات مثل انهاء حالة الطوارئ واطلاق سراح سجناء الرأي ومعالجة ملف المفقودين وفتح المجال الساسي والاعلامي امام مختلف القوى الجزائرية, اضافة الى ضمان الحقوق السياسية والمدنية وحرية التعبير.. هذه التطورات الأخيرة فرضت الكثير من التساؤلات على الساحة السياسية سواء داخل الجزائر أو حتى على مستوى المراقبين في الدول العربية والأجنية منها ما يتعلق بإمكانية ان تنجح عملية الوئام والتصالح الوطني في ضوء الملفات الكثيرة التي ما زالت مشتعلة في الجزائر ومنها الملف الأمني والاقتصادي وخاصة في ضوء وجود أزمة اقتصادية طاحنة حيث بلغت ديون الجزائر وحسب آخر التقديرات 30.4 مليار دولار وبطالة وصلت الى نحو 30% واستثمارات خارجية لا تتجاوز الـ500 مليون دولار, وحول مستقبل الجبهة الاسلامية بعد حل الجيش الاسلامي للانقاذ, وهل ينجح بوتفليقة من خلال الاجراءات الكثيرة التي اتخذها منذ توليه السلطة في التصدي للارهاب وتجفيف منابعه, وحول أسباب قبول وموافقة الجيش على قرار الرئيس الجزائري الخاص باصدار عفو شامل عن أعضاء الجيش الاسلامي للانقاذ, وطبيعة العلاقة بين الجيش الجزائري والرئيس بوتفليقة, ودور القوى الخارجية في المسألة الجزائرية, والمواقف العربية عموما ولاسيما مواقف دول الاتحاد المغاربي من التطورات الأخيرة في الجزائر, وأخيرا هل تسترد الجزائر عافيتها ومكانتها الدولية في حالة نجاح قانون الوئام الوطني. (الملف) التقى الدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط وضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام للاجابة عن هذه التساؤلات. خطوة موفقة بداية يعتقد الدكتور حسن بكر استاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط ان اقدام الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة على انتهاج سياسة الوئام الوطني ومنذ توليه السلطة في ابريل الماضي, خطوة موفقة وضعت الجزائر على طريق الخروج من المأزق والأزمة التي تعيشها منذ ما يزيد على الثماني سنوات, ولقد اتضح بعد مرور الشهور الماضية ومنذ تولي الرئيس الجزائري للسلطة انه كان بعيد النظر عندما أصدر قوانين العفو عن الجماعات المسلحة شريطة ان تسلم أسلحتها, فنحن الآن نرى ان كل هذه الجماعات قد قبلت بسياسة الوئام وألقت بأسلحتها وكان آخرها الجيش الاسلامي للانقاذ, ولم يعد هناك في الجزائر جماعات مسلحة تعارض الحكومة إلا جماعتان محظورتان هما الجماعة الإسلامية المسلحة, وجماعة الدعوة والحق, وعموما فإن فكرة وسياسة الوئام الوطني مستقاة من النموذج المصري وهي تقوم على ثلاث دعائم أساسية وهي أولا: لا حوار مع الارهاب لتحقيق مكاسب سياسية وانما هناك نوع من إحلال السلام الاجتماعي والوئام يقوم على التدرج من العنف إلى اشباع الحاجات الأساسية للمواطن الجزائري مثل توفير المسكن والمأكل وفرص السفر والزواج وغيرها, ثانيا: التوائم مع متطلبات القيم الإسلامية الأخرى القائمة في المجتمع, اضافة إلى ايجاد منظومة لعلاقات المصالح في المجتمع تكون مرضية لأفراد المجتمع وبالذات بين من يملكون مؤسسات ترعى مصالح جميع المواطنين ولا تسعى لخدمة فئة معينة على حساب فئة أخرى, ثالثا: دبلوماسية التنمية وهي القائمة على ايجاد علاقات خارجية واضحة تستهدف دعم عملية التنمية الشاملة, سواء كانت هذه العلاقات الخارجية في مجال التجارة الدولية أو في أساليب التعامل مع الدول الأخرى. دوافع وأسباب كثيرة ويرى الدكتور حسن بكر ان الاجراءات التي أقدم عليها بوتفليقة منذ توليه السلطة يمكن ان تعمل على تجفيف منابع الإرهاب ولكن على المدى الطويل فهي لا تشكل علاجا سريعا للمشكلة القائمة والتي لها جذور ودوافع وأسباب كثيرة, فمعروف ان ظاهرة العنف الإسلامي هي ظاهرة اجتماعية لبست ثوب الظاهرة السياسية, وبالتالي مالم نقضي على الأسباب التي أدت إلى وجود هذه الظاهرة وهذا الصراع الذي وصل في بعض المراحل إلى صراع مسلح, فلن يكون باستطاعة الحكومة الجزائرية تجفيف منابع الارهاب في الجزائر بصورة حاسمة, كما انه يجب على السلطات الجزائرية ان تعي تماما انه لا يمكن الحديث عن تجفيف منابع الارهاب دون البحث عن حلول لبعض المشاكل التي تواجه الجزائر والمتعلقة بغياب الديمقراطية والتنمية والسلام الاجتماعي. وعن تصوره لمستقبل الجبهة الإسلامية بعد حل الجيش الإسلامي للانقاذ قال الدكتور حسن بكر: سوف تتحول الجبهة الإسلامية إلى العمل السياسي بعد حل الجيش الإسلامي للانقاذ وهذا ما كانت تفعله في السابق قبل عام 1992, والمطلوب من الرئيس الجزائري في هذا الصدد هو ان يعمل على حل المشاكل التي تواجه الجزائر وايجاد صيغ وحلول لقضايا الديمقراطية والتنمية والسلام الاجتماعي, وهنا يمكن ان تذوب الجبهة الإسلامية في العمل السياسي وتسعى لأن يكون لها دور تمارسه من خلال منظمات المجتمع المدني. وفيما يتعلق برأيه في موافقة الجيش الجزائري على قرار بوتفليقة اصدار عفو شامل عن أعضاء الجيش الاسلامي للانقاذ يوضح الدكتور حسن بكر ان الجيش كان لابد ان يوافق, فالجزائر شهدت ثماني سنوات من العنف المتواصل, وهناك الآلاف من الضحايا الذين لقوا حتفهم ومازالت هناك, بعض المذابح يتم ارتكابها من آن لاخر, هذا في الوقت الذي لم يستطع الجيش ان يوقف هذا النزيف, لذلك كان لابد له ان يوافق في محاولة للحفاظ على مكانته التي ساءت بسبب عدم قدرته على مواجهة المنظمات والجماعات الدينية المسلحة, الجيش وافق على هذه الخطوة على أمل ان يستعيد دوره في الحياة السياسية في الجزائر, ولكن هذا لا يعني ان الجيش يمكن ان يوافق على كل الاجراءات التي يمكن ان تتخذ حيال الجماعات الاسلامية المسلحة فهناك خطوط حمراء لا يمكن ان يقبل بها الجيش من الرئيس الجزائري بوتفليقة منها ان يشترك الاسلاميين في تحالف مع السلطة, فهذا الأمر لن يقبل به الجيش كما لن تقبل به دولة مثل فرنسا او حتى الكثير من الدول العربية, وعموما بوتفليقة لن يتورط في شيء كهذا الآن فانتهاج سياسة الوئام الوطني لا تعني وصول الاسلاميين الى السلطة في الجزائر, من الممكن ان يشاركوا ولكن بشكل رمزي بأن يتولوا على سبيل المثال وزارة مثل وزارة الاوقاف ولكن المشاركة في المواقع السيادية فهذا امر مستحيل لانه يعني انهم حققوا انتصارات. ونفى الدكتور حسن بكر ان تعود الجزائر الى سابق عهدها قبل انفجار الصراع الدموي حتى لو نجحت سياسة الوئام الوطني فهناك تصفيات دموية حدثت لنحو 100 الف شخص وهذا من المؤكد يولد شعورا بالحقد ومحاولة أخذ الثأر عند الكثيرين, وهذا الشعور سيأخذ وقتا طويلا حتى يتغير, ايضا لن تعود الجزائر الى سابق عهدها فيما يتعلق بـ (العربنة) فقد أوجد المد الاسلامي الذي حدث روحا عربية لم تكن موجودة ومن المؤكد ان نجاح سياسة الوئام ستكون في صالح عملية (العربنة) وتقليص دور التدخل الغربي وبالذات الفرنسي. الجزائر الآن في حاجة الى اعادة ترتيب الصيغ الاجتماعية والاقتصادية التي كانت موجودة من قبل. اجراءات ايجابية ومن جانبه يتفق ضياء رشوان الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مع الدكتور حسن بكر على ان قانون الوئام وكل الاجراءات التي اتخذها بوتفليقة منذ توليه السلطة كانت اجراءات ايجابية ولكنها ككل اجراءات من هذا النوع لابد ان يكون هناك اطراف داخل الجزائر وخارجها لا ترحب بها, بل وتسعى الى افسادها, وربما لا أكون مبالغا هنا اذا قلت ان مساعي بوتفليقة لتحقيق الوئام الوطني هي الاكثر جدية وفاعلية منذ اندلاع الازمة الجزائرية قبل ثماني سنوات مضت, وبالتالي من الممكن تصور حجم التهديد الذي قد تمثله للاطراف المختلفة سواء داخل الجزائر او خارجها, وبشكل خاص داخل الجزائر فهناك اطراف داخل الدولة وبين القوى السياسية تعلم جيدا ان تحقيق الوئام الوطني بالصورة التي يراها الرئيس الجزائري يمثل تهديدا حقيقيا لمصالحهم, ويمكن في هذا الاطار تفهم اغتيال عبدالقادر حشاني والتطورات الاخيرة فيما يخص الجماعة الاسلامية المسلحة, فهذه الاحداث يمكن اعتبارها نوع من المقاومة من الاطراف المستفيدة من استمرار الازمة لأن أي محاولة للوئام الوطني لا تكون في الغالب في صالحهم. ويرى ضياء رشوان ان الرئيس الجزائري بوتفليقة لديه من المميزات والامكانيات ما قد يمكنه من الوصول بالوئام الوطني الى نهايته وبالتالي القضاء على الارهاب وتجفيف منابعه, أبرزها انه لم يكن طرفا مباشرا في الازمة الجزائرية منذ اندلاعها وحتى توليه السلطة حيث كان خارج السلطة طوال تلك الفترة, ايضا علاقته الطيبة ببعض قيادات الجيش وبشكل خاص بقوى الاسلام السياسي المعتدلة في الجزائر, وحرص في كل الاجراءات التي سيتقدم بها على عدم استبعاد القوى الاساسية في المجتمع الجزائري من اي مصالحة وطنية قد يتم التوصل اليها, هذا العناصر جميعها توفر للرئيس الجزائري فرصة اكبر من اسلافه لانهاء الازمة الجزائرية المتفاقمة, ولكن هذا لا ينفي ان قوة المقاومة التي قد يواجهها الرئيس الجزائري في كل هذه الاجراءات, حتى بعد ان أعلن الجيش الاسلامي للانقاذ تسليمه لأسلحته, المقاومة ستستمر حتى يتم التوصل للوئام الوطني. فرض الرقم الاسلامي وعن تصوره لمستقبل الجبهة الاسلامية بعد حل الجيش الاسلامي للانقاذ يقول ضياء رشوان: في تقديري ومنذ بداية الانتخابات الجزائرية الاخيرة التي فاز فيها بوتفليقة ان الجبهة الاسلامية ككيان تنظيمي على وشك ان ينتهي لكي يحل محله تنظيم او اكثر من الاسلاميين الذين يتبنون نفس التوجهات والارجح ان هذا هو السيناريو الاكثر قربا من التحقيق, وبالتالي اظن ان الجبهة الاسلامية للانقاذ حتى لو اختفت كاسم وتنظيم من الساحة الجزائرية فهي قد نجحت قبل الازمة واثنائها وبعد نهايتها في المستقبل القريب في فرض الرقم الاسلامي على المعادلة السياسية الجزائرية وهو رقم يصعب استبعاده منها بعد ذلك حتى لو لم يحمل اسم الجبهة الاسلامية للانقاذ. وفيما يتعلق برأيه في النقطة الخاصة بقبول الجيش بقرار بوتفليقه اصدار عفو شامل عن اعضاء الجيش الاسلامي للانقاذ يتصور ضياء رشوان ان لرؤية الرئيس بوتفليقه انصارها داخل الجيش الجزائري وهنا يجب الا نغفل ان الجيش الجزائري هو الذي اجرى الاتفاق الاصلي مع الجبهة الاسلامية في نوفمبر عام 1997 ومن وراء ظهر الرئيس زروال في ذلك الوقت وبالتالي الموافقة الاخيرة للجيش على اصدار قرار بالعفو الشامل عن اعضاء الجماعة تأتي ضمن نفس الخط بداخل الجيش الجزائري, والجيش في هذا الموقف يعتبر واقعيا لانه يتعامل مباشرة مع احد الاطراف الاساسية في الازمة الجزائرية اي ان انصار الرئيس بوتفليقة داخل الجيش والتفكير الواقعي لهذه المؤسسة يمكن ان يفسدا الموافقة من قبل الجيش على قرار بوتفليقة اصدار عفو شامل عن اعضاء الجيش الاسلامي للانقاذ.. اما بالنسبة لطبيعة العلاقة بين الرئيس الجزائري والجيش فقد استطاع بوتفليقه ان يحسن وضعه ويحقق تقدما داخل الجيش, رغم انه في البداية لم يكن هناك ترحيب به من الجيش لكن موقفه تحسن داخل القطاعات الوطنية الموجودة داخل الجيش وهي القطاعات التي ليس لها ارتباطات او مصالح خارجية. صيغة جديدة للتعايش وحول امكانية ان تسترد الجزائر مكانتها الدولية في حالة نجاح قانون الوئام المدني يشير ضياء رشوان الى ان السنوات السابقة ومنذ اندلاع الازمة اصابت الجزائر بجراح دامية ولكن من الممكن للجزائر اذا خرجت من هذه الازمة بصيغة جديدة للتعايش بين كل القوى الوطنية والسياسية هذه الصيغة يمكن ان تكون رائدة في العالم العربي وتوفر للجزائر امكانيات حقيقية للتقدم والنمو سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي وتحسن من موقفها مع القوى الخارجية لانها ستكون صيغة تحالف وطني او مايشبه ذلك لامجال لاختراقه نجاح هذه الصيغة التي يطلق عليها الوئام الوطني تجعل الجزائر تعود الى مكانتها الدولية ويمكن في هذه الحالة التعامل مع كل الاوضاع الاقتصادية المتردية. ان صيغة التوافق الوطني هي الحل والجزائر لديها فرصة تاريخية لان تخرج من هذه الازمة الاليمة المأساوية بنموذج رائد يصلح للاجندة في كل الدول العربية الاخرى التي لها مشاكل من نفس هذا النوع. ويوضح ضياء رشوان ان كل الدول العربية بلا استثناء تتعامل مع ازمة الجزائر انطلاقا من اوضاعها الداخلية فما يسمى بالمشكلة الاسلامية موجود تقريبا في كل الدول العربية وبالتالي فكل الاطراف عندما تتعامل مع تطورات القضية الجزائرية تكون عينها على مايحدث بداخلها فيما يتعلق بهذه المشكلة, وبالتالي فكل الخطوات التي تتم الآن في الجزائر تجاه العلاقة مع الاسلاميين ومكانتهم في المجتمع والدولة يراقب بدقة من جانب الدول العربية جميعها تقريبا تحسبا لتأثير ذلك على الاوضاع الداخلية في كل هذه الدول. الدور الخارجي مهم ويوافق ضياء رشوان على الرأي القائل بوجود دور للقوى الاجنبية في المسألة الجزائرية ويرى ان هناك دورا خارجيا في كل تطورات الازمة في الجزائر سواء فيما يتعلق بتصاعدها او حلها, وطبيعة هذه الادوار الخارجية معروفة للكثيرين وعموما ففي كل الاحوال الدور الخارجي مهم في حل الازمة, اهميته في تصعيدها بمعنى ان تقليص الدور الخارجي اثناء حل الازمة وايقاف تأثيراته السلبية سوف يساعد بلاشك على الاسراع بهذا الحل, ولكن اذا حدث العكس فيمكن لهذا الحل ان يتعثر, الازمة الجزائرية كانت نموذجا للازمات الكبرى التي لعبت فيها الاطراف الخارجية والداخلية ادوارا متقاربة احيانا, ومختلفة احيانا اخرى ولكن لم يغب يوما تأثير هذه الاطراف الداخلية والخارجية اي ان الازمة الجزائرية لم تكن داخلية فقط في اي مرحلة من مراحلها.