تمر الجزائر الان بمرحلة مخاض صعبة وحرجة وهي المصالحة والوئام الوطني الذي بدأت خطوات تنفيذه منذ اعلان قانون الوئام الوطني في سبتمبر الماضي, واما ان تمر بها هذه المرحلة الى بر الامن والسلام السياسي والاجتماعي, واما تنتهي بها الى مطاف لا يحمد عقباه لتعود الى نقطة ما تحت الصفر, وعلى الرغم من وجود طريق طويل وشاق امام الحكومة الجزائرية الا ان الآمال تدفع الشعب الجزائري دفعا الى تأييد المصالحة الوطنية. فهل ستنجح الجزائر في ترسيخ مفهوم المصالحة حتى تجني ثماره؟.. وما هو مدى طموحات الجبهة الاسلامية بعد حل الجيش الاسلامي؟.. وهل يمكن ان تستعيد الجزائر مكانتها الدولية؟. هذه الاسئلة وغيرها تم طرحها على عدد من خبراء ومتخصصين في السياسة الدولية وعلوم الاجتماع في هولندا. * نسأل الدكتور انور البغال استاذ علم الانثروبولوجي عن مدى نجاح عملية المصالحة الوطنية في تهدئة الاوضاع في الجزائر والقضاء على الارهاب وما هو مستقبل جبهة الانقاذ بعد حل الجيش الاسلامي؟ ** المصالحة الوطنية في الجزائر لها شقان, الاول ازالة الخلافات بين جبهة الانقاذ وبين الدولة التي تتمثل في اصحاب القرارات الحقيقيين واعنى بهم هنا جنرالات الجيش, ثم من هم في الواجهة السياسية متمثلين في الحكومة المدنية وعلى رأسهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة, واهم هذه الخلافات هي ان جبهة الانقاذ تنظر للحكومة ككل على ان شرعيتها محل للشكوك, وترى الجبهة في نفسها انها احق بالحكم, خاصة بعد الفوز الذي حققته جبهة الانقاذ في الانتخابات التي اجريت عام 92 وتم حرمانهم من المشاركة السياسية, وتجدر الاشارة الى انه منذ تنامي الحركات الاصولية مع الستينيات في عدد من بلدان العالم الاسلامي, فهم يسعون للوصول الى سدة الحكم وهو هدفهم. اما الشق الثاني فهو ان تأخذ عملية اتمام المصالحة وقتها الطبيعي وبعدها الزمني, فاذا ما تمت مصالحة فعلية بين الجبهة الاسلامية والحكومة باشراكهم سياسيا في ادارة نظام الحكم, فكيف ستتم المصالحة والوفاق بين الجبهة والشعب الذي ذاق الويلات بسبب هذا الخلاف, فقد اصبحت هناك خصومة حقيقية بين الاهالي وبين اعضاء الجبهة بسبب ما ارتكب من مجازر باسم الاسلاميين..؟! ولايزال بعضها يرتكب حتى بعد اعلان المصالحة, ولا يمكن للمواطن البسيط العادي في الجزائر ان يستوعب ان هناك اخرين يلعبون بأمن الجزائر, وانه قد يزج باسم الاسلاميين على سبيل العمد لارتكاب عمليات ارهابية تخدم اطراف اخرى, ولا يمكن اغفال ان الساسة والاعلاميين في الجزائر يعتبرون أن الاسلاميين وراء كل عملية ارهابية تحدث, وهكذا نجد ان الجبهة مطالبة امام الشعب بان تبرئ ذمتها وتنفض يدها وان تثبت انها غير ضالعة في تلك الاحداث الدامية, لذلك اتوقع ان الثمار الحقيقية لهذه المصالحة الوطنية لن تقطفها الجزائر بسرعة اذا لم يتم اكتشاف الايدي الحقيقية المحركة لهذه الاحداث وكشف الهدف منها. * هل يعنى ذلك ان احتمالات فشل المصالحة وسياسة الوئام التي يسعى لها بوتفليقة قائمة؟ ** النجاح والفشل في المصالحة لا يرتبط بــ بوتفليقة كرئيس حالي للجزائر او بغيره اذا ما رحل عن السلطة, لكن النجاح رهين الخصومة الشعبية التي اشرت لها آنفا, ورهين المكاسب السياسية التي ستحققها الجبهة خاصة بعد ان اثبتت حسن النوايا وابدت التعاون مع الحكومة وتم حل الجيش الاسلامي للانقاذ, فاذا نجحت الحكومة في تحقيق الوفاق الوطني مع الجبهة وقبولهم في قلب الهيكل السياسي بصورة فعلية سيكون هذا مكسبا كبيرا لتهدئة الاوضاع, ولكن يثور هنا سؤال حول مدى طموح الجبهة السياسي, وهل من الممكن ان يتجدد الصدام ما بين هذا الطموح والخطوط التي سترسمها لهم الحكومة حال المشاركة الفعلية سياسيا. * ونسأل خبير العلاقات الدولية (يان سخايك بيرخ) عن مستقبل الجبهة الاسلامية في ظل المصالحة وعقب حل الجيش الاسلامي؟ ** الجبهة الاسلامية في الجزائر شأنها شأن الحركات الاصولية الاخرى, بدأت مؤخرا تنتابها حالة من الارهاق, ومن ناحية اخرى تشعر بالحصار داخليا في ارضها, وخارجيا بسبب تبنى امريكا ومن خلفها اوروبا لسفينة الحصار, كما ان هذه الدول الغربية تملي ضغوطها على الدول التي توجد بها مثل هذه الحركات الاسلامية, ودائما امام حكومات هذه الدول خياران, اما تطويق الاصولية بالقوة وهذه الممارسات ثبت فشلها في معظمها حيث ادت الى مقابلة العنف بالعنف, اما الخيار الثاني وهو المصالحة وايجاد مخرج سياسي لهذه الجماعات لاضفاء الشرعية عليها بحيث لا تشرد عن المظلة الحكومية بصفة عامة, ولقد جربت الجزائر اسلوب القمع, ودفعت الثمن غاليا من امن الشعب وحياته, لذلك لا يوجد امام الرئيس الجزائري بوتفليقة الا خيار المصالحة والذي يجري تنفيذه الان, وبديهي ان جبهة الانقاذ لن تكتفي بما اسبغه عليها بوتفليقة من قرارات العفو واطلاق سراحهم من السجون, لان الهدف الذي يسعون اليه هو السلطة او كحد ادنى المشاركة في السلطة السياسية, ومدى تحقيق هذه الآمال والطموحات للجبهة هو المستقبل في نظرها, واتصور انه لن تقبل الجبهة ان تقبع كما كانت في الظل وان تكتفي بدور التابع, بل ستطالب بتفعيل دورها سياسياً وتقنين لوضعيتها على ضوء قبولها بالتخلي عن التسلح وتنحيته. * وما هي امكانية ان تسترد الجزائر مكانتها الدولية حال نجاح قانون الوئام المدني؟ ــ يجب ان نعترف انه منذ تولي الرئيس بوتفليقه السلطة حاول تأكيد مكانة الجزائر الدبلوماسية في دول العالم بما في ذلك فرنسا الصديق اللدود للجزائر, ولكن الواقع يؤكد ان هذه الوضعية الدبلوماسية ليست هي كل شيء في بلد مهتز داخلياً واوضاعه الامنية مقلوبة رأساً على عقب, فالجزائر على الرغم مما تحويه من ثروات فان الاحداث الارهابية قد اثرت سلباً على اوضاعها الاقتصادية فتزايدت اعباء الديون الخارجية, وهربت الشركات الاستثمارية والمستثمرين للنجاة بانفسهم, واصبح الان امام الجزائر طريقاً طويلاً لتعبر به هذه الحواجز النارية التي صنعها بداخلها الارهاب الذي لم يكتشف حتى هذه اللحظة مصدره الحقيقي ومن يخطط له ولماذا؟ وسوف يستغرق هذا سنوات طويلة حتى بعد ان تؤتي المصالحة الوطنية ثمارها, لذلك سيكون على الجزائر ان تثبت مكانتها اقليميا اولا داخل اتحاد المغرب العربي هذا الذي تجمدت هياكله منذ عام 91 وتسعى لتطوير وتحسين علاقاتها مع جارتها المملكة المغربية اولاً والتي لم يعد اليها صفاؤها منذ تصاعد قضية البوليساريو, واذا ما نجحت الجزائر في احياء دورها داخل الاتحاد المغاربي واحياء مواته الحالي سيكون هذا نواة لها لاستعادة مكانتها دولياً, ولكن هذا الطريق ليس يسيراً على الجزائر. * اما الدكتور رينيه فونتاين خبير النظم السياسية فقد سألته: هل يساهم الجيش في ارساء مظلة الوئام الوطني, ولماذا وافق على قرار بوتفليقة لإصدار عفو شامل وما هي نوعية العلاقة بينه وبين رئيس الدولة؟ ــ في الفترة الراهنة تبدو العلاقة بين الرئيس والمؤسسة العسكرية علاقة تعاون, لكنه في الغالب تعاون تفرضه الظروف القهرية التي تمر بها البلاد, لكن فقدان الثقة متبادل بين الجانبين, فالرئيس يعلم ان الجيش هو الذي يحرك السلطة ويتحكم في الكرسي ويعلم ان الجيش متورط وضالع في بعض الاعمال الارهابية وان كان لا يستطيع التصريح بذلك, ولكنه لا يقدر على المواجهة او لعله يرى ان هذا الوقت غير ملائم لاظهار شوكة المواجهة مع الجيش, في حين يرى الجيش في بوتفليقة انه مجرد واجهة عليه تنفيذ مطالبهم وخدمة طموحاتهم وتحقيق المكاسب لهم, وعليه الا يتخذ قراراً دون الرجوع اليهم, او على الاقل دون الحصول ضمنياً على موافقتهم, لذلك فان العلاقة الوقتية في الوقت الراهن تفرض على المؤسسة العسكرية والرئيس التعاون معاً في صف واحد للقضاء على الارهاب, خاصة بعد ان اصبح العدو المشترك خارج اسوار السجون (اعضاء الجبهة الاسلامية) وضرورة هذا التعاون من اجل تحجيم طموحات الجبهة الاسلامية والزامها بصورة او باخرى على السير في اطار الشرعية المرسومة مع تقديم الوعود لهم بالحل القريب لاشراكهم في السياسة الداخلية, ولكن حال انتهاء هذه المرحلة سوف تتكشف الخلافات القديمة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية الحاكمة.